قبل عشرين عامًا، ظهر ضابط الاستخبارات السابق، فلاديمير بوتين في أروقة الحكم في روسيا، حين عينه الرئيس الروسي آنذاك، بوريس يلتسن، رئيسًا للوزراء، في ظل فوضى كبيرة تجتاح البلاد. وفي خلال عام واحد، أصبح فلاديمير بوتين (66 عامًا) رئيسًا لروسيا، مدشنًا مرحلة من الاستقرار للبلد الذي عانى كثيرًا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي عام 1991. 

في عامه العشرين في السلطة، لا يبدو أن الأمور تسير كما يريد الرئيس الروسي، إذ ضربت سلسلة من المشكلات البلاد، فضلًا عن بروز جيل جديد من الشباب الروسي النشط سياسيًّا. ورغم انتصارات فلاديمير بوتين الخارجية، ونجاحه في ترسيخ أقدام حليفه في سوريا، بشار الأسد، وضم شبه جزيرة القرم الأوكرانية في 2014، رغم أنف المعارضة الأوروبية والأمريكية، فإنه يواجه وضعًا داخليًّا شديد التعقيد قد يضع مستقبله السياسي أمام صعاب ولا يكون الأمر شديد السهولة كما هو سائد.

ذلك الوضع الداخلي المعقد ألقى بظلاله أيضًا على نسب تأييد فلاديمير بوتين، فبعد أن تمتع الرئيس الروسي بنسب تأييد وصلت إلى 90% من الروس لسنوات، تغير الوضع هذا الصيف في ضوء الاحتجاجات والوضع الاقتصادي الصعب، وأظهر استطلاع للرأي أن 40% من الروس «لن يصوتوا لبوتين مجددًا».

 

صيف ساخن في موسكو.. احتجاجات الآلاف في العاصمة

لم يكن الصيف الماضي هادئًا في موسكو كما جرت العادة، فقد شهد احتجاجات كبيرة استمرت لأسابيع في موسكو اعتراضًا على قرار هيئة الانتخابات في المدينة باستبعاد عدد كبير من المرشحين المستقلين المعارضين للكرملين من الانتخابات المحلية، وابتداء من 27 يوليو (تموز) الماضي، خرج الآلاف من المتظاهرين في مظاهرات حاشدة في العاصمة وعدة مدن أخرى، استمرت لأسابيع، مطالبين بـ«انتخابات حرة ونزيهة».

مترجم: أخطر فيلسوف في العالم.. ماذا تعرف عن «دماغ بوتين»؟

ووفقًا لنشطاء حقوق الإنسان، تجاوز عدد المعتقلين خلال تلك الاحتجاجات 2500 شخص، من بينهم بعض الصحافيين والسائحين والمارة الذين تصادف وجودهم في مواقع الاحتجاج. وتعرض عشرات المعتقلين للضرب على أيدي الشرطة، ونقل بعضهم إلى المستشفى بإصابات خطيرة، ورغم تلك الشهادات عن القمع، لم تجر أي تحقيقات في العنف الشرطي المفرط، على الرغم من أن العديد من الحوادث قد صورها وأبلغ عنها شهود عيان.

وفي 10 أغسطس (آب) الماضي، شارك 50 ألف شخص في مظاهرة حاشدة في موسكو هي الأكبر في البلاد منذ 2011. ورغم هذه الاحتجاجات، لم يتغير موقف هيئة الانتخابات، وأجري الاقتراع في موسكو وفق القواعد التي حددتها.

لكن لم يسر الأمر كما كان مخططًا له، ولم تأت النتائج كما كان أراد فلاديمير بوتين، إذ أظهرت النتائج التي نشرتها وكالة الأنباء الروسية الرسمية «إنترفاكس» تراجعًا تاريخيًّا للمرشحين الموالين للحزب الحاكم «روسيا المتحدة».

وبعد أن كان الحزب الحاكم يسيطر على 38 مقعدًا من أصل 45 في مجلس المدينة، خسر في الانتخابات التي أقيمت في الثامن من سبتمبر (أيلول) الماضي ثلث مقاعده، مقابل فوز الشيوعيين بـ13 مقعدًا والحزب الليبرالي بخمسة مقاعد، وحزب «روسيا العدالة» بثلاثة مقاعد.

وكانت انتخابات بلدية موسكو اختبارًا للكرملين قبل الانتخابات البرلمانية المقرر إقامتها في 2021، والتي ينتظر أن تزداد فيها ضغوط الشارع على النظام للسماح بترشح أكبر عدد ممكن من المعارضين.

حرائق سيبيريا تزيد الوضع اشتعالًا

وبعيدًا عن انتخابات بلدية موسكو، جاءت حرائق سيبيريا هذا العام لتزيد الأوضاع في روسيا اشتعالًا، فكل عام، تدمر حرائق الغابات في سيبيريا مئات الآلاف من الهيكتارات، لكنها هذا العام كانت أشرس وأبرزت عجز الحكومة عن التعامل معها.

وأثبتت السلطات خلال الصيف الماضي عجزها عن مواجهة حرائق الغابات في سيبيريا، حيث طالت النيران 4.5 مليون هيكتار من الغابات، نجحت السلطات في إخماد الحرائق في 6% منها فقط، ووصل الدخان إلى الولايات المتحدة وكندا.

وقالت انستازيا فيدوروفا، وهي سيدة روسية تعيش في إقليم سيبيريا، لصحيفة جلوب بوست: «حرائق الغابات دمرت المنطقة المحيطة بزيابازيكي- خايا، وهي قرية في منطقة ياكوتيا، حيث نشأت».

وتابعت «لا يوجد رجال إطفاء، ويحمي السكان المحليون القرى بأنفسهم من الحرائق، لكن الأسوأ من ذلك هو خطر تلوث الهواء في ظل غياب الرعاية الصحية تمامًا في المنطقة».

ورغم تلك المشكلة، كان لدى السلطات في سيبيريا رأي آخر، إذ قال ألكسندر أوس، حاكم منطقة كراسنويارسك كراي، إن الحرائق «ظاهرة طبيعية مألوفة، ومن غير المجدي مكافحتها، وربما يكون ضارًا أيضًا». وتابع «إخماد الحرائق كان غير عملي من الناحية الاقتصادية».

وبعد يومين من هذه التصريحات، خرج ألفا شخص إلى الشوارع للمطالبة باستقالة أوس، كما نجحت وسائل التواصل الاجتماعي في وضع حرائق سيبيريا في بؤرة الاهتمام العالمي، بل إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عرض على فلاديمير بوتين المساعدة، ونقلت جلوب بوست عن روسلان فارمانوف، أحد سكان كراسنويارسك قوله «كانت حرائق الغابات نقطة الغليان التي دفعت الناس للنزول إلى الشوارع».

استهداف الصحافيين لم يمر مرور الكرام

بعد اعتقال صحافي التحقيقات، إيفان جولونوف، في موسكو في السابع من يونيو (حزيران) الماضي على خلفية اتهامات متعلقة بالمخدرات، خرج الآلاف من الروس في مظاهرات في مناطق متفرقة من البلاد لدعم الصحافي.

ودفع زملاء وأصدقاء جولونوف بأن «الاتهامات مفبركة، ومدفوعة بتحقيقاته الرامية لكشف الفساد»، وبسبب الغضب الشعبي، أغلقت السلطات قضية جولونوف في أربعة أيام فقط،

وفي 11 يونيو، قال وزير الداخلية، فيلاديمير كولوكولتسيف، في بيان: «نتيجة الفحوصات بيولوجية وجينية معقدة، ومضاهاة بصمات الأصابع، قررنا إغلاق قضية جولونوف وسحب الاتهامات الموجهة له بسبب عدم كفاية الأدلة».

وكان نجاح الاحتجاجات في إجبار السلطات على التراجع في قضية جولونوف، إشارة إلى تغير الكثير من الأمور في روسيا في عام بوتين العشرين في السلطة، ففي عام 2010، لم يشعل اغتيال الصحافي السياسي المعارض، أوليج كاشين، في موسكو، أي احتجاجات تذكر، وبعد مرور عقد كامل، تغير المزاج السياسي، وتبدلت الأجيال النشطة سياسيًّا، ووقف المحتجون بجانب جولونوف، رغم أن السلطات الروسية تصنف المشاركة في الاحتجاجات «جريمةً» يعاقب عليها بالسجن لفترات طويلة.

جيل جديد وقواعد جديدة أمام القيصر العجوز

قبل بضع سنوات، كان من الصعب تخيل خروج مظاهرة يخاطر فيها الآلاف من الروس بحريتهم من أجل إنقاذ صحافي، أو يطالبون فيها باستقالة مسؤول، أو حتى يطالبون بإعطاء مرشحي المعارضة فرصة للمشاركة في الانتخابات البلدية، كما فعلوا الصيف الماضي، وكانت القوة الرئيسية التي تقف وراء هذه الاحتجاجات المستمرة هي الشبان والفتيات في سن المراهقة.

هؤلاء الشبان والفتيات لم يروا روسيا دون بوتين طوال حياتهم، ولم يعايشوا فترات عدم الاستقرار والفوضى في أعقاب تفكك الاتحاد السوفيتي في تسعينيات القرن الماضي، التي يبني عليها بوتين رصيده عند الروس، لكنهم الأكثر نشاطًا من الناحية السياسية من الأجيال الأكبر سنًّا.

وفي هذا الإطار، ذكرت جلوب بوست أن الجيل المحرك للاحتجاجات «نشأ في ظل الإنترنت ويملك فرصة الحصول على المعلومات غير الموجهة»، مضيفة «إنهم لا يثقون في محطات التلفاز الحكومية، ويعلمون آباءهم كيفية الحصول على المعلومات من الإنترنت».

وتابعت «هذه المجموعة الكبيرة أصبحت أكثر قوة خلال الأعوام الماضية وتثمن الفرص على حساب الاستقرار»، مضيفة «الأجيال الأكثر سنًّا تريد أن يصبح صوتها مسموعًا، وأثبتت قدرتها على إجبار النظام على الاستجابة لمطالبها».

ونقلت عن كونستانتين ريمتشوكوف، رئيس تحرير صحيفة نيزافيسيمايا جازيتا الروسية قوله: «هؤلاء الشبان الذين نزلوا إلى الشوارع لم يشعروا بالخوف على الإطلاق»، وتابع «كانت هذه المرة الأولى التي أرى فيها أشخاصًا لا يهتمون بما سيحدث لهم على أيدي الشرطة»، مضيفًا «هذا تحول كبير للغاية في روسيا».

الملف المسكوت عنه.. اقتصاد يئن تحت وطأة العقوبات

تزامن تغير المناخ السياسي في روسيا خلال عام بوتين العشرين في السلطة، مع وضع اقتصادي صعب تعيشه البلاد. فبعد خمس سنوات من ضم شبه جزيرة القرم، يئن الاقتصاد الروسي تحت وطأة العقوبات الاقتصادية الغربية، وتتأثر مبيعات المواد الخام وبالأخص النفط والغاز، كما يعاني الروس من التضخم وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وندرة أنواع معينة من الأدوية.

ورغم ذلك، قال بوتين في لقاء تلفزيوني مؤخرًا إن الغرب يعاني بشكل أكبر من العقوبات التي فرضتها روسيا عليهم، إذ لم يعد -بحسب بوتين- باستطاعة الفلاحين الأوروبيين تصدير محاصيلهم إلى سوق كبير مثل السوق الروسي.

وبعيدًا عن العقوبات، فإن الاستثمارات الروسية في شبه جزيرة القرم، وحرب سوريا، ونظام الدفاع الصاروخي، تكلف موسكو مليارات الدولارات، وتثقل كاهل الاقتصاد، وبصفة عامة، فإن النظام الروسي يعلم أن متطلبات الحياة باتت أشد وطأة على المواطن، في ظل انخفاض متوسط الدخل، وزيادة الضرائب، ونسب التضخم المرتفعة، والفساد المستشري. 

القيصر فلاديمير بوتين ما يزال الـ«مخلص»!

ورغم كل هذه المشاكل التي تجعل الأوضاع الداخلية معقدة ومتشابكة، فإن بوتين ما يزال في نظر كثير من الروس «المنقذ والمخلص». ففي التاسع من أغسطس (آب) 1999، عين بوريس يلتسن، بوتين، رئيسًا للوزراء، في ظل فوضى كبيرة في البلاد، وبعد عام، اضطر يلتسن بسبب ضغوط الحرب في الشيشان ومعاناته مع إدمان الكحول، للتنحي عن السلطة، مفسحًا المجال أمام بوتين لدخول قصر الكرملين في صورة المنقذ للبلاد التي تعاني من فوضى ما بعد سقوط الاتحاد السوفيتي (1991).

«كتالوج بوتين».. كيف أحكم «القيصر» قبضته على السلطة في 8 خطوات؟

ومنذ ذلك التاريخ، استطاع بوتين أن يعيد الاستقرار لروسيا، ويسيطر على مراكز القوى في النظام، وهي الجيش، ووكالات الاستخبارات، ورجال الأعمال. وفاز بوتين بفترتين رئاسيتين من أربع سنوات حتى 2008، قبل أن ينتقل مؤقتًا لمنصب رئيس الوزراء؛ نزولًا على نص دستوري لا يسمح له بالترشح لثلاث فترات رئاسية متتالية.

لكنه عاد مجددًا في 2012، ونجح في تعديل فترات الرئاسة إلى ست سنوات بدلًا من أربع، وأصبح المستفيد الأول منها، إذ سيمتد حكمه إلى عام 2024، وينظر مؤيدو بوتين إليه كـ«رجل خارق» و«منحة من السماء» و«منقذ»، ويُذَكّرون أنفسهم دائمًا بأنه أعاد الاستقرار للبلاد بعد فوضى كبيرة ضربتها في تسعينيات القرن الماضي، وأعاد إليها هيبتها خارجيًّا، ويتمسك المؤيدون، بالإضافة إلى شبكات المصالح في النظام مثل الأجهزة الأمنية، ورجال الأعمال، ببقاء بوتين في سدة الحكم.

لكن في عام 2024، يعود بوتين لمواجهة المشكلة ذاتها؛ لأن الدستور يمنعه من الترشح لفترة ثالثة. فلاديمير بوتين نفسه ترك مستقبله مفتوحًا على جميع الاحتمالات؛ إذ قال مؤخرًا «ما يزال أمامنا خمس سنوات من العمل الشاق، وفي ظل الدينامية العاصفة التي يشهدها العالم حاليًا، من الصعب التنبؤ بأي شيء».

وفي ضوء التطورات السياسية الأخيرة، وخاصة تحرك الشارع في أكثر من موقف، ونتائج انتخابات بلدية موسكو، بالإضافة للوضع الاقتصادي الصعب، فإن مستقبل فلاديمير بوتين يظل مفتوحًا على جميع الاحتمالات.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد