استمر في الحديث لمدة 45 دقيقة بعد أول سؤال فقط، ولم يترك متسعًا لأي أسئلة أخرى. رغم أنّه قال في بداية لقائه في كلية لندن للاقتصاد إنّه يريد نقاشًا مفتوحًا لا مجرد إلقاء خطاب. بدأ محاضرته بتعريف نفسه أنّه مؤلف النظام الروسي الجديد، ثم استدرك غروره بإضافة جملة اعتراضية يقول فيها «أو واحد من المؤلفين». جملة لا محل لها من الإعراب فبدت تواضعًا مصطنعًا يؤكد اصطناعها، فخره وهو يُعدد المهام التي أُوكلت إليه في الكرملين، فقال إن مسؤولياته كانت الأيديولوجيا، والإعلام، والدين، والأحزاب السياسية، والابتكار، والعلاقات الخارجية، ثم بابتسامة أضاف، والفن الحديث.

ربما يمكن قياس حياة فلاديسلاف سوركوف كاملة على تلك الندوة التي عُقدت عام 2013، خطابٌ ديمقراطي يتطلع للاستماع لكافة الآراء، لكنّه في الواقع صوتٌ واحد يريد أن يُنيّم الجميع مغناطيسيًّا ليتبعوا كلامه. هكذا كان يتعامل سوركوف مع الشعب الروسي أثناء توليه مهام نائب مدير البرامج الرئاسية، ثم نائب رئيس الوزراء لاحقًا، ثم مساعد الرئيس للشئون الخارجية. فكان كلما تحدث عن ضرورة حرية الرأي يظهر بعدها حزب سياسي جديد، لكنّه للمفاجأة يكون مؤيدًا للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ثم تحدث عن الاستعداد للتمرد والثورات العنيفة فظهرت «ناشي»، حركة شبابية تتدرب على قتال الشوارع وحروب العصابات، ويمكن تلخيصها في نظر البعض بأنها النسخة الروسية من حركة «شباب هتلر» النازية.

اعتاد سوركوف أن يجتمع بمقدمي البرامج التلفزيونية بصفة شهرية. في ذلك الاجتماع يُخبرهم من الطيب ومن الشرير. يضع لهم خريطة الهجوم والدفاع هذا الشهر، من ستتم مهاجمته ووصمه بالعدو، ومن سيغرس الإعلام في نفوس الروس أنّه يحبهم ويريد لهم الازدهار. الرجل ذكي إلى درجة التنبيه على المذيعين بعدم استخدام أي كلمة مباشرة بل التلميح. فدائمًا الرئيس بوتين هو «رئيس الاستقرار»، إشارةً إلى رؤوساء الارتباك في التسعينيّات الماضية. وكل معارض للرئيس هو بالتأكيد معارض للاستقرار، ومعارضو الاستقرار لا يمكن أن يكونوا محبين للوطن، بالطبع يكرهون الوطن والشعب.

سيد مسرح الدمى

يُعرف سوركوف بعدة أسماء مستعارة من ضمنها «مسئول البرمجة السياسية للروس». كما يُعرف بالكاردنال الرمادي، الاسم استعادة لأسطورة ساحرات أُوز. بدأت مهنة البرمجة السياسية في السطوع في منتصف عام 1990، إذا طرق عدة أشخاص أبواب السلطة يخبرون القادة أن بإمكانهم إعادة خلق واقع سياسي جديد، يمنحهم السيطرة للأبد. على رأس هؤلاء كان بوريس بيريزوفسكي، المُلقب بعرّاب الكرملين.

استطاع بيريزوفسكي أن يمنح بوريس يلتسين فوزًا رئاسيًّا في انتخابات كانت خاسرة بالنسبة له. بيريزوفسكي أدرك لأول مرة دور الإعلام عامةً، والتلفزيون خاصةً، في توجيه الرأي العام، لذا عكف على إنتاج قصص تلفزيونية مرعبة تُخبر الأمة الروسية أنهم سوف يعودون للشيوعية المتوحشة والمعتقلات والفاشية الجديدة، إذا لم ينتخبوا يلتسين.

أما سوركوف فلم يقتنع بهذه المجازفة، الاعتماد على مخاطبة العامة أمر يمكن أن يصيب أو يخطئ، أو حتى يُؤتي ثماره لكن على المدى الطويل، وهو ما لا يحبه الرجل نافد الصبر. لذا أظهرت بعض الصور المُسربة مكتب سوركوف المملوء بالهواتف، على كل هاتف اسم قائد من قادة الأحزاب المعارضة «المُستقلة». سماعة الهاتف لم تكن قطعةً من البلاستيك يقول عبرها سوركوف توجيهاته، بل كانت خيطًا قويًّا ينتهي طرفه عند هؤلاء القادة يُحركهم به متى شاء.

 

آمن فلاديسلاف بضرورة احتكار كل أشكال الخطاب السياسي والثقافي داخل الحدود الروسية. فنراه داعمًا قويًّا لمنظمات المجتمع المدني والهيئات المدافعة عن حقوق الإنسان. ثم نجده بالسلاسة نفسها يدعم الهيئات القومية التي ترى أن منظمات حقوق الإنسان ليست سوى عين غربيّة تراقب الداخل الروسي، وتعمل على التلاعب بالسيادة الروسية. حينًا كان يدعم الفن الروسي، خاصةً الفن الحديث الجريء المتمرد على الدين والعادات. ثم حينًا آخر نجده يدعم الجماعات الأصولية الأرثوذكسية فيهاجمون معارض الفن الحديث وهم يرتدون الأسود ويرفعون الصلبان.

الغريب في عالم سوركوف أنّه لا يمكن تصنيفه سياسيًّا فحسب، فالرجل له أوجه عدة منها أنّه مؤلف رواية تحمل اسم «تقريبًا صفر». لكن حتى تلك المسألة البسيطة لا يمكن التأكد منها، فهو يزعم أنّها روايته، ثم يقول لاحقًا أنه كتب مقدمتها فحسب، وأن مؤلفتها الحقيقية هي زوجته ناتاليا دوبوفيتسكايا. الرواية نُشرت تحت اسم مستعار هو ناتان دوبوفيتسكي، يتناسب بالفعل مع اسم زوجته. لكن مهما يكن الكاتب فإن جميع الآراء قد اتفقت أن بطل الرواية هو سوركوف نفسه، فإذا لم يكن هو الكاتب، فهو مُلهم الكاتب وبطل الرواية.

في عالم فلاديسلاف سوركوف: لكل شيء ثمن

الرواية يمكن تلخيصها بكلمات بسيطة أن كل شيء قابل للبيع، وأشد المعارضين وأكثر الصحافيين نزاهةً لهم ثمن أيضًا. تدور الرواية حول مالك دار نشر فاسد يشتري الروايات من الكُتّاب الفقراء، ويبيعها للأثرياء لينشروها باسمهم. تمتلك دور النشر في الرواية عصابات خاصة بها، تقتل أصحاب دور النشر الأخرى من أجل السيطرة على حقوق طبع ونشر أي كتاب يرغبون فيه.

لكن إذا أمسكنا خيط البطل فحسب، المدعو إيجور في الرواية، وبدأنا في تتبع حياته سنجد تشابكًا غير هين مع ما نعرفه من معلومات عن سوركوف. البطل وُلد لأمٍ عزباء، يحب الكُتب وقارئ نهم، خاب أمله في سياسات الاتحاد السوفيتي في ثمانيّنيات القرن الماضي. انتقل إلى العاصمة موسكو ثم ترقى في أعمالها حتى صار مديرًا للعلاقات العامة. استغل البطل منصبه في تسريب أخبار للصحافة، لكنّها أخبار محددة يختارها بعناية ليُوجة دفة الرأي العام حيثما شاء.

إذا تركنا خيط الرواية لخيط الواقع سنجد أن سوركوف قد تشارك مع البطل في كونه طفلًا وُلد عام 1964 ربته أمه وحدها بعد أن هجرها أبوه، كما كان ناقمًا على الوضع السوفيتي وسياساته. أمّا الانتقال إلى موسكو وحاله فيها فيتطابقان، كذلك عمله مديرًا للعلاقات العامة.

 

المختلف بين الرواية والواقع هو ما دفع سوركوف للعمل في العلاقات العامة. عام 1992 أطلق الأوليجاركي ميخائيل خودوركوفسكي أول حملة إعلانية في روسيا الشيوعية يُستخدم فيها وجه صاحبها، ففي مجتمع معادٍ للرأسمالية وميّال لفكرة الجماعة لا الفرد لم تكن الدعاية موجهة لأفراد بل لمؤسسات. لكن ميخائيل صوّر نفسه يمسك حزمًا من الأموال ويقول «انضم للبنك الخاص بي إذا كنت تريد مالًا سهلًا». للمرة الأولى في روسيا تصور الثروة كفضيلة. هنا أدرك سوركوف أن روسيا تتغير، بعد أن راهن على ذلك عند بداية الحملة، فهو من أطلقها وكانت تلك انطلاقته الكبرى.

بعد نجاحه في الحملة أصبح مدير العلاقات العامة في القناة الأولى في أوستانكينو لصالح بوريس بيريزوفسكي، وزير البلاط الملكي آنذاك. في عام 1999 انضم للكرملين وبدأ التسويق للرئيس بصورة جديدة مثلما فعل مع ميخائيل سابقًا. حين غضبت القيادة على ميخائيل وسجنته، كما عزلت بيريزوفسكي من منصبه، لم يهتز سوركوف، بل أدار حملة أخرى. حملةً جديدةً ظهر فيها ميخائيل دائمًا خلف القضبان، فصار مجرمًا بعد أن كان يوزع الأموال. وببطء وثبات استطاع سوركوف أن يغيّر قناعات العوام والخواص في بيريزوفسكي وميخائيل.

هاملت يشارك في غزو أوكرانيا

إذا استخدمنا الرواية مدخلًا للغوص في عالم سوركوف الداخلي فسنجد أنّه يصف نفسه بكونه «هاملت الشعبيّ أو العشوائي». فيتحدث سوركوف عن نفسه قائلًا إن بإمكانه رؤية مدى سطحية العصر الراهن، لكنّه لا يستطيع أن يمتلك شعورًا حقيقيًّا لأي أحد. فهو يرى روحه الحقيقية محبوسة، وأن الموجود ليس إلا ظلًّا له، شخص مصاب بالتوحد، على حد وصفه، يحاول احتمال ضجيج موسكو  وزيفهامن أجل الحصول على ما يحب من المال، والسلطة، والجنس، والكتب، والطعام. كذلك فإنه يرى الإله الذي يؤمن به أكبر من الخير والشر، ويرى نفسه أقرب للإله لدرجة أنه لا يحتاج إلى الأخلاق لكي يحبه الإله.

هكذا أخذ سوركوف نفسه وكل العاملين معه في مجال العلاقات العامة إلى فكرة متجاوزة لكل الأفكار، فهم جيل من الرجال الخارقين، أكثر وضوحًا ومرونة. وكلمتهم الأثيرة حتى اليوم أن العلاقات العامة هي كل شيء. لذا كان سوركوف من ضمن قلة من الأسماء الذين فُرض عليهم حظر دخول الولايات المتحدة بسبب ضم روسيا شبه جزيرة القرم عام 2014. فالولايات المتحدة أدركت خطر سوركوف إذا أُتيحت له حرية تسويق الدوافع الروسية لغزو القرم في المحافل الدولية. ولأن العلاقات العامة هي كل شيء أيضًا، فلم يبال سوركوف بالعقوبة، وقال إنّه لا يملك شيئًا داخل الولايات المتحدة ليخاف عليه.

 

لكن تأثيره الإعلامي لم يكن الدافع الوحيد وراء فرض عقوبات عليه، فقد ساعد عسكريًّا في غزو القرم؛ إذ أظهرت الوثائق المسربة من مكتبه أنه أدار مجموعةً انفصالية داخل العاصمة الأوكرانية كييف، كما يدير شبكةً من الناشطين الانفصاليين داخل دونباس الشرقية. وفي إحدى الوثائق تظهر رسالة من زعيم المتمردين يقول فيها إنّه يلتقي سوركوف بصفة دورية، يصفه بأنه أذكى رجل قابله، ويتخيّله ممثلًا على المسرح يؤدي جميع الأدوار وحده. يستطرد الزعيم قائلًا إنّه يتعلم من سوركوف فن السياسة وفن الممكن.

لم يكن تشبيه زعيم المتمردين خاطئًا، فسوركوف درس المسرح في موسكو ثم طُرد بسبب مشاجراته المتكررة. لم يكن سوركوف يعرف أن مهاراته المسرحية ستنفعه لاحقًا حين يصبح اليد التي تُحرك الدمى الموالية والمعارضة للكرملين. كما وصفه أحد مستشاري الكرملين السابقين بأنّه كان المدير لمسرحية السياسة الروسية، وأنّه هو وحده من يقرر دور كل ممثل.

روسيا لا تحتمل قمرين

لكن في دولة يحكمها فلاديمير بوتين لا يمكن أن ينازع نجمه نجمٌ، آخر حتى لو كان نجم سوركوف مُنّظر عهد بوتين وكبير مساعديه، لذا يختفي سوركوف عن المشهد تدريجيًّا. ففي ديسمبر (كانون الأول) عام 2011 كان نائبًا لرئيس الحكومة الروسية، وأُسند إليه ملف تحديث الاقتصاد الروسي. وفي مايو (آيار) عام 2012 تولى رئاسة ديوان الحكومة في حكومة مدفيديف. وفي عام 2013 أُعفي من تلك المناصب جميعًا، وصار كبير منظري بوتين ومساعده الرئاسي.

لكنّه يعود كل فترة للأضواء بصورةٍ ما، مثلما فعل في 2014 بعد تسريبات غزو شبه القرم، أو بحديث أو مقالة كالصاعقة، مثلما فعل في فبراير (شباط) 2019. في تلك المقالة يتحدث سوركوف عن دور بوتين في تاريخ روسيا الماضي، ويتوسع في الحديث حتى يصل إلى تأثير بوتين في السياسة الروسية لمدة قرن قادم. لم تُنشر المقالة في صحف الكرملين ونُشرت في صحف «مُستقلة»، لإضفاء أكبر قدر من الموضوعية عليها.

المقالة بعنوان «دولة بوتين المديدة» تحاول وضع أساس أيديولوجي لمصطلح البوتينية. ما يعني أن بوتين يمتلك أيديولوجيا يريد لها الخلود بعد فناء شخصه، حتى لو لم يكن بوتين هو من كتب المقال أو الكتاب المؤسس لذلك المصطلح، فإن ذلك لا يُغيّر من الواقع شيئًا. فسوركوف يضع بوتين بجانب القيصر إيفان الثالث، الذي وحدّ روسيا في القرن الخامس عشر. لكن سوركوف يقول إن بوتين شخصيًّا قد يرفض أن يُنسب المصطلح له، فماركس لم يكن يُسمي نفسه ماركسيًّا.

ظاهريًّا يجتهد سوركوف في التلميح إلى أن بوتين لا يعرف شيئًا عن المقالة، لكن قياسًا على طريقة سوركوف فإنّه بذلك يجتهد ليغرس بوتين في قلب المشهد. لكن سوركوف قد بلغ مرحلةً أعلى هذه المرة، فلم يعد الأمر متعلقًا بشخص بوتين أو برئيس يمتلك السلطة والمال فيبيع له سوركوف ولاءه، بل امتد لتثبيت فكرة بوتين وأفكار بوتين في المشهد الروسي إلى ما لا نهاية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد