4,909

يحمل التعليم الفني في العديد من الدول العربية «سُمعة سيئة»، ودائمًا ما يرتبط في الصورة النمطية، بأن من يسلكه «فاشل دراسيًا» أو يحظى بمكانة اجتماعية أقل ممن يسلك التعليم الجامعي، ولكن الأمر بدا مختلفًا في ألمانيا التي تُعد من أكبر الدول الرائدة في العالم في التعليم الفني أو المهني، الذي يسلكه أغلبية شباب ألمانيا، ليتلقى الفني منهم بالتدرج أجرًا «يساوي 10 أضعاف أجر دكتور أمريكي في العلوم الإنسانية»!

80% من الألمان يلتحقون بالتعليم الفني!

على عكس السائد في الكثير من الدول العربية التي يسعى طُلابها إلى دراسات جامعية عالية مثل الطب والهندسة، يتجه الكثير من الشباب الألماني نحو التعليم الفني، دون أن يشعروا بـ«الحرج»، الذي قد يشعر به نظراؤهم العرب إذا سلكوا نفس الطريق.

إذا يتجه نحو 80% من الشباب في ألمانيا نحو التعليم الفني والمهني في المدارس والمعاهد المتوسطة، ويحمل التعليم الفني مكانة كبيرة في المجتمع الألماني، لدرجة اعتباره «سرًا لنجاح ألمانيا» مثلما يؤكد تورستن سكليتش، مسؤول في المكتب الألماني للتعاون الدولي في التعليم والتدريب المهنيين، الذي أشار إلى أن ألمانيا تُصدر ذلك النظام لدول أخرى، مُعتبرًا أن ذلك يوفر وضعًا مُريحًا ورابحًا للجانبين (ألمانيا، والدول المستوردة لتجربتها).

وأوضح سكليتشن: «إنه (تصدير نظام التعليم) وسيلة لضمان وجود فنيين أكفاء، في الشركات الألمانية في الدول الشريكة، كذلك عندما تبيع ألمانيا ماكيناتها ومنتجاتها المتقدمة في الخارج، سيكون هناك حاجة لفنيين خُبراء لإصلاح وصيانة تلك الماكينات»، وتحاول ألمانيًا أيضًا إدراج اللاجئين في برامج التدريب فني.

Embed from Getty Images

ألماني يُحاول تدريب لاجئ في إطار برنامج التدريب الفني

وبحسب أشرف منصور، المؤسس الأول للجامعة الألمانية بالقاهرة، فإن نظام التعليم المهني في ألمانيا جعل صادراتها تبلغ 1516 مليار دولار، لتكون في المركز الثالث عالميًا، بعد الصين وأمريكا بحسب تصريحات لمنصور تعود لعام 2015.

وقد كان التعليم الفني والمهني عمودًا رئيسيًا في ألمانيا واقتصادها وصادراتها، ليُساعد ألمانيا أن تحمل أفضل سُمعة على مستوى العالم لعام 2017، وفقًا لمؤشر السُمعة العالمي، الذي صدر الخميس الماضي، الموافق 16 نوفمبر (تشرين الثاني)، وهو مؤشر يقيس مستوى السمعة في البلد محل الدراسة وفقًا لستة معايير، وهي: الصادرات، ونظام الحكم، والثقافة، والشعب، والسياحة، واستثمارات الهجرة، وقد تصدرت ألمانيا المؤشر، وجاءت أيضًا في المركز الثالث عالميًا في مجال الصادرات، وهي نتائج أسعدت، زيغمار غابريل، وزير الخارجية الألماني، معتبرًا أنها تدل على أن «صورة ألمانيا لم تعد تستند فقط إلى قوتها الاقتصادية، بل إلى أنّ العالم أصبح يثق بنا أكثر».

ليس سهلًا أن تُصبح «أُسطى»

ليس من السهل أن تصبح « أُسطى معتمدًا» في ألمانيا، فالأمر يحتاج إلى طريق تعليمي طويل حتى يستطيع الشاب الألماني أن يصل لتلك الرتبة المهنية التي تُمكنه من فتح مشروعه الخاص في المهنة التي يُتقنها، ووفقًا لنظام التعليم في ألمانيا، يندرج التلاميذ أولًا في نظام التعليم الأساسي، ذلك التعليم الذي يضمن الحد الأدنى من المعرفة لجميع أفراد المجتمع ولا تقل مدته عن 10 سنوات دراسة، وخلال مراحل التعليم الأساسي تلك، تحاول المؤسسة المدرج فيها التلميذ استكشاف مواهبه واتجاهاته التعليمية، ومع نهاية مرحلة التعليم الأساسي، تحديدًا في نهاية الصف الرابع الابتدائي، يدخل الطالب اختبارًا مصيريًا يوضح بشكل كبير المسار التعليمي والعملي الذي سيسلكه خلال حياته.

فبناءً على درجة هذا الاختبار يحصل الطالب على توصية صلاحية، إما بالدراسة الثانوية « gymnasial Empfehlung» التي يحصل عليها الطلاب الأكثر تفوقًا، ويليها التعليم العالي في الجامعة، أو توصيات صلاحية بدخول المدارس الفنية، التي يُمثل التدريب الفني فيها جزءًا أساسيًا من المنهج التعليمي، وتُخرج العُمال الفنيين ( نجار، وميكانيكي، وساعاتي، ومبيض…إلخ).

Embed from Getty Images
طلاب يتلقون تدريبًا فنيًا

وبعد انتهاء سنوات الدراسة في تلك المدارس يحصل الدرس على شهادة ، وإذا ما أراد الدارس الاستمرار في التعليم الفني، فهناك درجة علمية أخرى ، تحمل اسم شهادة « Meister»، ويحصل عليها الدارس بصعوبة بعد اجتياز اختبار جاد في مستواه الفني، وهذه الشهادة تُثبت أن الحاصل عليها «أسطى معتمد» كما يمكن تسميته، وتشمل مختلف المهن.

وتمثل تلك الشهادة شرطًا أساسيًا لمن يريد أن يعمل بشكل مستقل دون توظيف من غيره أو يفتح مشروعه الخاص، فهي التي تمكن حاملها من فتح عمله المستقل الخاص، وإذا لم يحصل عليها فإنه يمارس المهنة، ولكنه سيكون موظَّفًا من غيره. ويحمي القانون الألماني لممارسة المهن الفنية، المهن من دخول غير المتخصصين أو قليلي التدريب فيها؛ للحفاظ على ارتفاع مستوى تلك المهن والخدمات.

اقرأ أيضًا: 7 أسباب جعلت فنلندا أقوى دولة في التعليم عالميًّا

الجمع بين النظري والتطبيقي في «التعليم المهني الثنائي»

تُعد أحد أبرز مشاكل الكثير من نظم التعليم: اعتمادها على الجانب النظري فقط، مع تقليص الاعتماد على الجانب التطبيقي، مما يوسع الفجوة بين مخرجات التعليم وسوق العمل الحقيقي، ولكن ألمانيا تعمل على سد تلك الفجوة، من خلال نظام تعليم يجمع بين الجانب النظري والتطبيقي، ويقرب الدارس من سوق العمل يحمل اسم «التعليم المهني الثنائي» (The dual system of vocational education and training)

ويهدف ذلك النظام التعليمي بشكل أساسي إلى إحاطة الدارس بظروف العمل الحقيقة التي سيواجهها بالفعل لاحقًا عندما يلتحق بسوق العمل؛ لتقليص فترة التأقلم، وقد تخرج أغلبية الشباب الألماني في هذا النظام التعليمي، بنسبة تصل لـ 52%، ويضم هذا النظام أكثر من 370 مهنة تؤهل لأداء أكثر من 20 ألف عمل مهني، ويضم النظام نحو 330 برنامج تدريبي، وتمتد فترة التدريس فيه مدة ثلاث سنوات.

اللافت في ذلك النظام أيضًا أنه يُركز بشكل أكبر على الجانب العملي؛ فيتلقى المتدرب حصصًا عملية من ثلاثة إلى أربعة أيام أسبوعيًا، فيما تأخذ الحصص النظرية من يوم إلى يومين فقط أسبوعيًا، حسب طبيعة المهنة، المميز في التدريب العملي أيضًا أنه لا يتوقف فقط على ورش المدارس الفنية، وإنما يمتد إلى تدريب الدارس في شركات ألمانية بالفعل عاملة بالسوق في مجاله، تحت إشراف مُدربين أكفاء، ويحصل المتدرب على أجر مادي، بمتوسط ـ800 يورو شهريًا يزداد سنويًا، ويكفل ذلك النظام التعليمي، منظومة متكاملة تتعاون فيها الحكومة والمؤسسات التعليمية، والمؤسسات والشركات التي تستقبل المتدربين.

Embed from Getty Images
ويلتحق المتدرب خلال ذلك النظام التعليمي، عن طريق عقد دراسة يعقده المتدرب مع جهة العمل، يتضمن موافقة المؤسسة التعليمية، وبالتالي تمتثل جهة العمل لشروط المؤسسة التعليمية، ويجمع المتدرب بين الحصص النظرية في المؤسسة، والحصص العملية في جهة العمل، وما يميز هذا النظام أنه يُمهد بالفعل لذلك المتدرب أن يكمل عمله مع جهة العمل تلك، بعدما يُنهي ثلاثة أعوام من التدريب فيها، لتمثل تلك الفترة التدريبية حلقة وصل لكثير من المتدربين لينتقلوا من التعليم الأساسي إلى سوق العمل.

ويتيح النظام أيضًا للمتدربين أن يلتحقوا بما يُسمى بالجامعات التخصصية -بعد فترة الثلاث سنوات التي تُعادل الثانوية- ليستمروا بنفس نظام التعليم لمدة تتراوح من أربع لخمس سنوات آخرين، بحسب النظام المتبع من ولاية لأخرى، الذي يحدد بدوره عدد الفصول الدراسية، ولا يختلف في المكانة الاجتماعية خريج تلك الجامعات التخصصية، عن الجامعات العادية في ألمانيا، بل أحيانًا يكون لدى خريجي الجامعات التخصصية فرصة أكبر للعمل لاحتكاكهم الأكبر بسوق العمل أثناء فترة الدراسة.

وبحسب إحصاءات رسمية، فقد تخرج أكثر من نصف العاملين الفنيين في ألمانيا في هذا النظام، بنسبة 51%، يُضاف عليهم 11% قد تخرجوا في الجامعات الفنية والتقنية التي تعمل بهذا النظام، الذي يندرج فيه 1.3 مليون متدرب سنويًا، ليدخل نحو نصف مليون متدرب سنويًا إلى سوق العمل.

اقرأ أيضًا: الخليج في الصدارة العربية.. مؤشر جودة التعليم الجامعي 2017

«أجر الفني يساوي 10 أضعاف الدكتور في العلوم الإنسانية»

في سؤال على موقع التواصل الاجتماعي كورا (Quora)، يستفسر عن سبب اتجاه الألمان للتعليم الفني رغم مجانية التعليم الجامعي، أجاب جينز بوتيجر، مالك ألماني لأحد الشركات التجارية، إجابة لقيت انتشارًا واسعًا وتعدى عدد مشاهداتها 440 ألف مشاهد.

وحاول بوتيجر، تلخيص سنوات تعليم العامل الفني والنتيجة التي يحصل عليها إزاء ذلك، وأوضح أنه يحتاج ثلاث سنوات ليصبح عاملًا مرؤوسًا، ومن خمس إلى سبع سنوات ليصبح عاملًا مسؤولًا Master (أي قادرًا على فتح مشروعه الخاص) ، ومن 10 إلى 12 سنة ليصبح فنيًا، وهي «درجة مساوية للدكتوراه في التعليم العالي» بحسب بوتيجر الذي أضاف: «الرواتب التي يجنيها 10من الحاصلين على الدكتوراه في العلوم الإنسانية من جامعة بيكر الأمريكية، تساوي الراتب الذي يمكن أن يجنيه فني واحد فقط في ألمانيا»، وحملت الإجابة نتيجة مُبشرة تُلخص بشكل كبير أسباب اتجاه الكثير من الألمان نحو التعليم الفني

اقرأ أيضًا: ترتيب جامعات العالم 2017: إسرائيل تتصدر الشرق الأوسط.. أين يقع العالم العربي؟