استيقظ سكان إسبانيا صباح الأحد 19 سبتمبر (أيلول) الحالي على أخبار انفجار بركان «لا بالما» في الجزيرة الإسبانية الواقعة في المحيط الأطلسي، والتي تحمل نفس اسم البركان، وتبعد عن مدينة العيون المغربية حوالي 100 كم فقط.

وليست هذه المرة الأولى التي ينفجر فيها بركان لا بالما موقعًا الخسائر؛ فقد سبق وانفجر ثلاث مرات من قبل، إذ استمر في الانفجار، وقذف الحمم البركانية لمدة 24 يومًا عام 1971، ودام انفجاره 47 يومًا عام 1949، و56 يومًا عام 1712.

أما عن البركان الحالي فقد رجح مركز الأبحاث البركانية في جزر الكناري أنه يمكن أن يستمر لمدة تصل إلى 84 يومًا، محدثًا أضرارًا غير مسبوقة، ولكن وقوع البركان على جزيرة في قلب المحيط ليس خبرًا مُبشرًا؛ لأن اصطدام الحمم البركانية لا يعني انطفاءها، ويُحدث أضرارًا بيئية جسيمة، وقد يسفر تصاعد الثوران البركاني الشديد عن تسونامي، إذا رافق البركان زلزال شديد الضخامة في نفس الوقت، ولكن هذا مستبعد.

كيف انفجر بركان لا بالما؟

تتميز الدرجات السفلى من الكرة الأرضية بارتفاع درجة الحرارة؛ ما يؤدي إلى انصهار الصخور والمعادن وتحويلها إلى شكل سائل يُسمى «الصهارة – Magma»، وتتراوح درجة حرارة الصهارة بين 700-1300 درجة.

ولأن الصهارة تكون على شكل سائل تتحركُ بانسيابية دائمة بين الصخور الموجودة في طبقات القشرة الأرضية، إلى أن تصل إلى مساحة لا تسمح لها بالانسياب، ومن ثم تتجمع فيها وتُكوّن ما يعرف باسم «حُجَر الصهارة».

Embed from Getty Images

تدفق الحمم البركانية من بركان لا بالما

وتحتوي الصهارة على مجموعة مختلفة من الغازات التي تؤدي إلى ارتفاع الضغط في حُجَر الصهارة، وهو ما ينتج عنه انفجار الحجرات واستمرار الصهارة في الحركة بسرعة إلى أعلى متجهة نحو القشرة الأرضية، وبسبب ارتفاع الضغط تتشقق القشرة الأرضية لتخرج منها الصهارة إلى القشرة الأرضية، وتكتسب بذلك اسمًا جديدًا هو «الحمم البركانية – Lava».

بركان لا بالما يدمير المنازل

وبعد خمود البراكين لا تعود القشرة الأرضية كما كانت، بل يظل البركان في شكله المعتاد بفوهة مفتوحة، وفي المرات الثانية للانفجار يكون خروج الحمم البركانية من الفوهة المفتوحة أسرع وأقوى، وهذا ما حدث في بركان «لا بالما»، إذ انفجر سيل من الحمم البركانية وتحرك بسرعة 200 متر في الساعة، وهي سرعة ليست كبيرة مقارنة بسرعة الإنسان التي تتراوح ما بين 6450 متر إلى 12900 متر في الساعة تقريبًا.

لذا من الطبيعي أن يهرب البشر من الحمم البركانية، تاركين وراءهم منازلهم وكل ما لا يمكنهم حمله، وحتى اللحظة دمرت الحمم البركانية أكثر من 170 منزلًا وبناية سكنية في لا بالما، وأجلي حوالي 6 آلاف شخص من الذين فقدوا منازلهم، أو كانوا في خطر وصول الحمم البركانية إليهم.

ما الخسائر التي يمكن أن يُحدثها بركان لا بالما؟

لا أحد يعلم بالطبع إلى أي حد سيكون البركان مدمرًا، ولكن العلماء والمختصين يفترضون هذه السيناريوهات الخطيرة:

1. تدفقات الحمم البركانية

استمرار تدفق الحمم البركانية يعني تدمير كل الأجسام الثابتة، مثل المنازل، والأبنية، والأراضي الزراعية، وحتى السيارات، لاسيما أن الكمية التي خرجت من بركان لا بالما حتى الآن كبيرة جدًا، إذ قدر ارتفاع أول تدفق للحمم بنحو ستة أمتار فوق سطح الأرض، وهذا يعني أن الحمم البركانية ستلتهم كل ما في طريقها، وتوضح السلطات الإسبانية أن تدفق الحمم البركانية أصبح على مقربة من شاطئ «نازاكورت – Tazacorte»، وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث؛ لأن النتيجة يمكن أن تكون ظاهرة تسونامي جديدة.

2. الرماد البركاني

حذرت لجنة الطوارئ في الجزيرة من الرماد الناتج عن التدفق البركاني؛ إذ تنبعث منه مجموعة مختلفة من الغازات السامة التي تتجمع في الهواء الجوي على شكل سحابة تتنقل في الهواء وتنشر السموم في الجزيرة.

ويمكنُ أن تسبب هذه الغازات حال استنشاقها بالتهابات حادة للعيون، وتؤدي أيضًا إلى التهابات جلدية قد تترك ندوبًا تظلُّ للأبد، فضلًا عن أن استنشاق الرماد في الهواء يسبّب تدهورات خطيرة في الجهاز التنفسي يمكن أن تنتهي الوفاة في بعض الحالات كما حدث في الانفجار البركاني على الجزيرة في سبعينات القرن الماضي.

Embed from Getty Images

الرماد والغازات تتصاعد بشكل كثيف من البركان

يحتوي الرماد البركاني أيضًا على ما يسمى بـ«القنابل المنصهرة – Molten Bombs»، وهي عبارة عن شظايا صغيرة مُحترقة تُقذف من منبع البركان في الهواء، وتطير بسرعة تعادل سرعة الرصاصة تقريبًا، ويمكن أن تقطع بضعة كيلومترات، وبالطبع تؤذي كلّ ما تصطدم به.

3. الانفجار البيروكلاستيكي

تخرج الحمم البركانية إلى القشرة الأرضية بسبب ارتفاع الضغط في الطبقات الدنيا من الأرض، ولكن ماذا سيحدث إن استمر البركان في التدفق حتى انعكس الأمر وأصبح الضغط داخله أقل من الضغط خارجه؟ حينها ستقع ظاهرةُ «الانفجار البيروكلاستيكي»، وهي عبارة عن تدفقات كثيفة، تمزج بين الغازات عالية الحرارة، «700 درجة مئوية»، وجسيمات ملتهبة يمكنها أن تتدفق بسرعة تصل إلى 500 كيلومتر في الساعة، على عكس سرعة التدفق العادية للحمم، والتي قدرت على نحو 200 متر في الساعة فقط.

4. هطول الأمطار الحمضية السامة

أطلق بركان لا بالما بين 6 آلاف و9 آلاف طن من الغازات السامة، ويؤدي تجمُّع الغازات في الهواء بكثافة إلى تكوّن سحب من الغازات الملوثة، وعندما تزدحم السماء المحيطة بالجزيرة بالغيوم تهطل الأمطار، ولكن هذه الأمطار لن تخمد البركان، بل ستكون سامّة، تلوث المياه وتدمر الأراضي الزراعية، ليس فقط في الجزيرة، بل في المناطق المحيطة، ويمكن أن تصل إلى السواحل القريبة منها مثل سواحل المغرب والبرتغال.

للأمطار الحمضية خطورة عالية على الإنسان؛ لأنها تحتوي على مواد سامة يمكن أن تصيبه بالصداع والقيء، وتحدث تليفات في العين ومناطق متفرقة من الجلد.

كوارث مصاحبة للبركان.. فيضان وزلازل والأخطر «تسونامي»

تدفق الحمم البركانية على القشرة الأرضية، أو انتقال الشظايا الملتهبة عبر الهواء، يؤدي إلى انصهار الجليد المتكون على القمم الجبلية في المناطق المحيطة؛ ما قد يسبّب فيضانًا، وهذه الظاهرة يمكن أن تحدث أثناء ثوران البركان أو بعد خموده بعدة أشهر، ويعرفها العلماء باسم «لاهارز – Lahars».

Embed from Getty Images

الفيضان الذي تلى انفجار بركاني في الفلبين العام الماضي

سقوط الحمم والجسيمات البركانية ذات الكتلة العالية والحرارة المرتفعة على القشرة الأرض، يمكن أن يُخلَّ في تركيب الطبقات الأرضية التي تتحرك حركات منتظمة، ويحدث ضغطٌ من الحمم البركانية على القشرة الأرضية يسبّب طفراتٍ في حركة طبقات القشرة الأرضية، ومن ثم يحدث زلزال، وبالفعل سجلت الجزيرة زلزالًا خفيفًا الثلاثاء الماضي وصلت درجته إلى 3.8 ريختر.

وأخيرًا يمكن أن يحدث التخوف الأكبر، التسونامي، وهو عبارة عن اندفاع هائل في مياه المحيط نتيجةً لانهيار أرضي في صرح البركان، أو بسبب تدفقات الحمم البركانية الجماعية التي تسبب ثورانًا بركانيًا تحت الماء، ويمكن أن يصل ارتفاع هذه الموجات إلى عدة أمتار، وتقطع عبر أميال طويلة خارج الشاطئ بنفس الارتفاع.

ويذكرُ أن أكبر حوادث التسونامي التي حدثت في العقود الماضية كانت في إندونيسيا عام 2004، وحدثت في ظروف مشابهة بعد انفجار بركاني، ولكنه في الواقع كان أضخم مما حدث حتى الآن، وأودى بحياة ما يقرب من ربع مليون شخص.

المصادر

تحميل المزيد