بدأنا نشاهد مؤخرًا أن العوامل التي تجعل الأفلام ذات قيمة فنية، مثل الكتابة المعتادة (سرد الشخصيات، وحبكة درامية) والتمثيل والموسيقى التصويرية، وموضوع ما هادف يوجه المٌشاهد إلى زاوية من الحياة، لم تعد هي العوامل الوحيدة في السينما المعاصرة، وأصبحت هناك عوامل أكثر تعقيدًا يستخدمها صانع الفيلم، وهي ما تُكسب للفيلم مكانة في الوسط الفني.

أصبحت لعبة الرموز والإشارات تأخذ الدور الأساسي في إرباك المُشاهد، ويمكن لهذه الرموز أن تكون إضاءة أو استخدام الألوان، أو لقطات الكاميرا، أو استخدام الصوت والمكان. الرموز ومهارة استخدامها في السينما يتيح صنع عدة مستويات من المعنى، تُخفى داخل تلك الرموز، ويتنهي الفيلم ببداية وضعه تحت منظار التساؤل والتحليل، ووضع عدة تأويلات.
يُعد لارس فون ترايير من المخرجين الأكثر جدلًا، والذي قد اشتهر بحركة دوغما 95،  وتُعد أفلام فون ترايير هي الأفلام الأكثر إثارة للجدل في السنوات الأخيرة، حيث تظهر فيها جرأة في الإخراج والكتابة والتصوير، واستطاع أن يعكس بأفلامه أعمق عقدنا النفسية والإنسانية والجنسية والاجتماعية؛ استطاع إبرازها كما لم يبرزها مخرج من قبل في تاريخ السينما في نظر البعض، مستخدمًا نصوصه السماوية في السيناريو والحوار وتكتيكات التصوير.

ماذا تعرف عن الدوغما ؟

«Nymphomaniac»  الجنس كلغة حوار

يتناول ترايير في فيلمه الشبق (Nymphomaniac ) قصة فتاة مهووسة بالجنس، وتمارسه مع العديد من الرجال، ولكنها تخاف في الوقت ذاته عندما تقع في حب أحد عن طريق ملذاتها الجنسية. الشيء المغامر لترايير في فيلم الشبق أنه استخدم الجنس بديًلا عن الحوار؛ فلم يكن الأشخاص هم من يحركون الأحداث، بل كانت لذة الجنس والخوف منه، والتعرض للأذى بسببه هو ما يجعل الشخصيات والأحداث تتطور.

تقول جوي بطلة الفيلم «إن الحب هو الجنس مع إضافة بعض الغيرة»، عندما شعرت جوي بالحب تجاه جيروم، والتي قد بدأت بعلاقة جنسية، وكانت هي العلاقة الجنسية الأولى لها، فأصبح الجنس هو الرابطة الأولى الوثيقة بالعلاقة، فهو ما يجعلها تخاف، وهو ما يجعلها تشعر بالغيرة، وهو الوسيلة التي استعملتها لاسترجاع علاقتهم ثانيًة، حتى في مشهد تعبيرها عن وفاة والدها كان الجنس هو الوسيلة التي يمكن أن تُعبر من خلالها عن الحزن، ويُعد هذا المشهد من المشاهد التي تعاطف وتأثر بها المشاهدون، فهناك نوع الحزن أظهرته لنا جوي.

العنف والطبيعة والمرأة في فيلم عدو المسيح

يتناول فيلم عدو المسيح قصة زوجين فقدا طفلهم وتتعرض الزوجة إلى صدمة تجعلها عدائية طوال الفيلم، ويحاول الزوج علاجها عن طريق إبعادها عن المدينة والعيش في بيت وسط غابة.
في العرض الأول لفيلم عدو المسيح عام 2009 في مهرجان كان، يٌرحب لارس فون ترايير بالحضور ويقول «أود أن أظهر لكم لمحة صغيرة من وراء الستار، لمحة عن العالم المظلم في خيالي من خلال طبيعة مخاوفي وطبيعة عدو المسيح».

ماذا تعني كلمة «الطبيعة» لفون ترايير؟

عام 2011 كتبت ماجدالينا ذولكوس، دكتورة النظرية السياسية في الجامعة الكاثوليكية بأستراليا، بحث بعنوان «تأثير العنف على الطبيعة والمرأة في فيلم عدو المسيح»، وتقول «إن فكرة الطبيعة في الفيلم لها رمز غامض، وتحمل ثنائيات عدة، فكرة الطبيعة لها مدلولان، فهي تدل على طبيعة الشخصية التي تصنع الأحداث، أو تدل على طبيعة العالم الذي تحيا فيه الشخصية، وتضم الحيوانات والنباتات والمناظر الطبيعية».

يقوم لارس في هذا الفيلم بإعادة اكتشاف مفاهيم العنف والقسوة والخوف الحزن، فلم تكن القسوة والعنف ذات اتجاه واحد، وتصدر من شخص لا يتألم، بل إن لكل المشاعر إيقاع داخلي وردود أفعال خارجية، ويقوم لارس بإحداث خلل وتبادل أدوار بين تصرفات المرأة العنيفة وتصرفات الرجل، فكانت الزوجة هي الأكثر عدائية طوال الأحداث، والرجل الأكثر تعاطفًا واحتواءً.

تقول الباحثة جوانا بورك، أستاذة التاريخ في كلية بيركبينج بلندن «فيلم عدو المسيح يدور حول العنف المفرط بتحد جميل وتفاوت بين الجنسين، وقسوة المرأة معروف عنها العقلانية، وقسوة الرجل هي القسوة الجسدية، ولكن تم تبادل الأدوار في ذلك الفيلم».

يقول لارس فون ترايير عن الفيلم «إن عدو المسيح أقرب إلى الصراخ، ويعرض لنا جمالية وقبح العدوانية الجامحة، دون خلاص، ويتركنا نبكي على مصيرنا القاس».

فريق عمل فيلم عدو المسيح في مهرجان كان

الزواج كبداية لنهاية العالم السوداوي

سوداوية (Melancholia)، فيلم لفون ترايير يقوم فيه بتضفير عدة خيوط مختلفة بشكل احترافي ليصنع لنا نسيجًا فنيًا شديد الإبهار والاختلاف. يتناول ترايير قصة شقيقتين تحتفل إحداهما بزفافها، ولكن هناك ما يفسد سعادة الحفل، حينما يقترب كوكب اسمه (Melancholia) من كوكب الأرض، ويُحتمل اصطدامه وحدوث نهاية للعالم.

تتقارب تحليلات فرويد النفسية لحالة مماثلة لجوستين، الشابة التي لها تاريخ مع الاكتئاب، والذي يأتي بظلاله على حفل زفافها ويهدد فرصتها للسعادة بالمستقبل، ويزداد تأزم الوضع بحيرة زوجها وسخط أختها.

وبشكل مواز تأتي لقطات من اقتراب اصطدام، يخلق الفيلم حالة من الحنين إلى الموت الذي يجعل جوستين منهكة تمامًا، ولا تريد أن تفعل أي شيء، وتسقط عدة مرات على الأرض كلما استيقظت، ولا تستطيع الوقوف على أقدامها؛ مما جعل أختها كلير تساعدها في الاستحمام والأكل، وعندما أحضرت لها كلير اللحم الذي تفضله على العشاء ظلت جوستين تبكي وتقول «إن مذاقه يشبه الرماد«، وعندما علمت أن هناك كوكب عشرة أضعاف كوكب الأرض، وسوف يصطدم به، بدأت تقف على أقدامها.

يوضح فون ترايير أن جوستين دائمًا تشعر أنها غريبة عن كوكب الأرض، وبدأت تشعر أنها في بيتها عندما اقتربت نهاية الأرض، ومن ثم فتح إمكانية تأويل أنها هي من سحبت هذا الكوكب من وراء الشمس لكي يصطدم بالأرض.

يقول ألبير كامو فيلسوف الوجودية عندما تحدث عن السخف «هناك علاقة مباشرة بين هذا الشعور والحنين إلى الموت«، ولكن ما هذه العلاقة؟

إننا نقول أن الشخص المكتئب مثل جوستين يميل إلى الموت ببساطة؛ لأنه يكره الحياة، لكن ما فعله ترايير أنه جعلها تحتضن الكآبة، فإنها عاشت معظم حياتها تفتقر إلى القيمة، وقد وجدت في الكآبة قيمة حقيقة، يقول فون ترايير «إنها تتوق إلى قيمة حقيقية، والقيمة الحقيقية تستلزم معاناة، وهذه طريقة تفكيرنا في كل شيء، فإننا دائمًا ما نميل إلى السوداوية، فعندما نفضل موسيقى أو فن، فذلك لأنها تحتوي على لمسة حزينة، ونحن نُطلق على الحب المُرهق والمحزن أنه دليل على الرومانسية، ونشك في رومانسية الحب السعيد».

عرض التعليقات
تحميل المزيد