المطالبة برفع الأجور ورفض المقترحات الحكومية، ثم إضراب يبدأ، وآخر ينتهي، أصبحت أحداث اعتيادية في المغرب، فالصراع بين الحكومة والنقابات، صراع قديم حديث أو بالأحرى الصراع الذي لا ينتهي. فحلقات هذا المسلسل مستمرة على طيلة السنوات الماضية، والحديث الدائم من الحكومات المتعاقبة في المغرب حول منظومة الأجور في البلاد لا ينقطع، لكن المغرب لا ينفرد وحده بهذه المشكلة؛ فالأجور في العالم كله تقريبًا نقطة الخلاف الرئيسية بين النقابات والحكومات، فهل هناك شيء مختلف في الحالة المغربية؟

خلال هذا التقرير لن نسرد تفاصيل الصراع، فهي بطبيعة الحال قد تكون معلومة للكثيرين، ولكننا سنركز الحديث على الأسباب الحقيقية للصراع أو سنحاول الإجابة على: لماذا الصراع في المغرب مختلف؟

الأزمة تشتغل.. والسبب؟

ارتفعت وتيرة الخلاف بين الحكومة المغربية والنقابات مؤخرًا، وكان آخرها انسحاب ثلاثة نقابات رئيسية (الاتحاد العام للشغالين – الاتحاد المغربي للشغل- الفيدرالية الديمقراطية للشغل)، من جلسة الحوار الاجتماعي مع الحكومة حول زيادة الأجور خلال بداية الشهر الجاري، وذلك في رفض كامل للعرض الحكومي المقترح منذ أبريل (نيسان) الماضي، الذي يشمل زيادة 30 دولارًا في الأجور على مدى ثلاث سنوات.

وتتمسك النقابات بضرورة الاستجابة لمطالبها، والتي على رأسها الزيادة العامة في الأجور بالقطاعين الحكومي والخاص إلى 300 دولار للحد الأدنى، بالإضافة إلى تخفيض الضرائب على العمال. إذ تعتقد النقابات أن العمال كانوا الأكثر تضررًا من الإصلاحات التي نفذتها الحكومات السابقة، في مجال رفع الدعم عن بعض السلع الاستهلاكية وتحرير الأسعار في عدد من الخدمات الأساسية.

تباطؤ ملحوظ في نمو الأجور

يمكن القول أن هناك مرحلتين مختلفتين في هذا الصراع وهما ما قبل 2011، وما بعد 2011، فقبل الاحتجاجات التي شهدتها المغرب على غرار «الربيع العربي» في 2011، لم يكن لاحتجاجات النقابات صدى كبير إذ لم تحقق أي نجاح يذكر، ولكن بعد 2011 وخلال ثلاث سنوات فقط تمكنت النقابات المغربية من الحصول على زيادة في الأجور قدرها 5 مليارات دولار، لكن وتيرة النجاح هذه لم تستمر.

فبحسب تقرير حديث صادر عن منظمة العمل الدولية حول الأجور في 2018-201، فإن نمو الأجور في المغرب، سجل تباطؤ خلال السنوات القليلة الماضية، إذ سجل 0.8% سنة 2016، وهو أدنى مستوى له خلال ثلاث سنوات، وانخفض من 1.7% سنة 2014 إلى 1.5% سنة 2015، بينما لم يقدم التقرير معدل نمو الأجور بالمغرب خلال سنة 2017.

ويصل عدد المأجورين (العمال) المسجلين لدى صندوق الضمان الاجتماعي في المغرب حوالي 3.1 مليون شخص، من بين أكثر من 10.64 مليون عامل، حسب المندوبية السامية للتخطيط، فيما تقل أجور العمال في الصناعة والتجارة والخدمات والبناء والأشغال العمومية، عن الحد الأدنى وهم 45% من إجمالي العمال.

الخريطة شبه الكاملة لاقتصاد الوطن العربي الآن

ورغم أن 3.09 مليون عامل، لا يحظون بعقود عمل مع مشغليهم -أصحاب العمل-، ورغم أن الحكومة السابقة رفعت الحد الأدنى للأجور في الوظيفة العمومية إلى 300 دولار شهريًا؛ ظل الأجر في القطاع الخاص في حدود 250 دولارًا، وتعد الفروق في الأجور بين العاملين في المجالات المختلفة بالمغرب أبرز المشاكل التي يعاني منها العمال.

فجوة كبيرة.. الأعلى أجرًا يعادل أجر 16 موظفًا

عندما نتحدث عن الأجور في المغرب فأول شيء يجب مناقشته هو الفروق في الأجور، إذ يُعد المشكلة الأكبر والجزء الأهم في صراع الحكومة والنقابات. وتشير بيانات صادرة عن وزارة الوظيفة العمومية في 2017، أنّ أعلى أجر لموظف بالمملكة يعادل أجر 16 موظفًا من ذوي الحد الأدنى من الأجور، بالرغم من أن  فوارق الأجور منذ 10 سنوات كانت أكبر من ذلك، وكان أعلى أجر لموظف كبير يعادل أجر 26 موظفًا صغيرًا.

ورغم ضخامة الفجوة فإن هذه الفوارق تم حسابها مع استبعاد الأجور الإجمالية والتعويضات الممنوحة للمسؤولين المعينين بالوظائف العليا في الإدارات العمومية، إذ لم تجري مراجعة لأجور مديرو الإدارات المركزية منذ عامي 1993 و1997، وهو الأمر الذي ساهم في تقليص الفجوة ما بين الأعلى والأقل أجرًا، وهو بالطبع تقليص غير حقيقي.

وبالإضافة إلى هذه الفجوة فإن هناك فجوة أخرى، ربما تكون أكثر حساسية، وهي أن مستوى الأجور في القطاع العام تبقى مرتفعة بالمقارنة مع القطاع الخاص، وذلك بمعدل يبلغ 1.57 مرة، وهو معدل كبير مقارنة بالمعدلات التي تبلغ حوالي 0.7 بمنطقة الاتحاد الأوروبي وآسيا الوسطى، و1.3 بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

صندوق النقد الدولي.. الحاضر دائما

من الصعب الحديث عن هذا الملف دون ذكر صندوق النقد الدولي، الذي يربطه بالمغرب علاقة وطيدة وقديمة بدأت في  خمسينات القرن الماضي، وتحديدًا عندما أعلنت البلاد عن إنشاء بنك المغرب في أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1959، واعتماد الدرهم المغربيّ عُملة وطنيّة، حينها منح الصندوق غطاءً نقديًّا من الذهب بقيمة 25 مليون دولار؛ من أجل تغطية قيمة الدرهم.

ومنذ ذلك الحين كانت مناسبات حضور الصندوق كثيرة، ولعل أبرزها كان في مطلع ثمانينات القرن الماضي، خلال الأزمة المالية العنيفة التي مرت بها المملكة، عندما تجاوز العجز المالي 15% من الناتج الإجمالي وكانت التجارة الخارجية على بعد خطوات من الإفلاس، وسط تآكل الاحتياطي النقدي، فكان الصندوق حاضرًا أيضًا وفُرض نظام برنامج التقويم الهيكلي PAS على المغرب في ذلك الوقت.

ازدهار على الورق فقط.. كيف التهم صندوق النقد الدولي الاقتصاد المغربيّ؟

وفي أغسطس (آب) 2016، وافق النقد الدولي على فتح خط سيولة للمرة الثالثة للمغرب قيمته 3.47 مليار دولار أمريكي وذلك لمدة عامين، وذلك بعدما أبرمت المغرب ثلاث اتفاقيات مع الصندوق تحت مسمى «خط الوقاية والسيولة»، بإجمالي بلغت قيمته 14.68 مليار دولار، إذ عقدت المغرب والصندوق الاتفاق الأول في أغسطس 2012، بتوفير خط وقاية وسيولة بقيمة 6.21 مليار دولار لمدة 24 شهرًا، ثم أبرما الاتفاق الثاني في يوليو (تموز) 2014 بقيمة 5 مليار دولار.

صندوق النقد الدولي يُدير اقتصاد المغرب

هذه العلاقة بين المملكة والصندوق تجبر الأولى على تنفيذ توصيات النقد الدولي، وهي التوصيات التي تعرقل حركة الأجور بشكل كبير، فدائما ما ينتقد الصندوق حجم كتلة الأجور الحكومية، وكما ذكرنا فإن نمو الأجور في المملكة قد تباطأ بداية من 2014 وهو العام ذاته الذي كان الصندوق على موعد فيه مع اتفاق قرض جديد للمغرب.

اقتصاد غير مستقر.. النمو متضارب دائما

تشير البيانات التاريخية للنمو الاقتصادي في المغرب إلى تذبذب واضح، فبحسب الأرقام الصادرة عن البنك الدولي فإن نسب النمو الاقتصادي في المغرب متفاوتة بشكلٍ كبير؛ إذ لم تسجل استقرارًا ولو طفيفًا في نحو 50 عامًا، ففي عام نجد قفزة كبيرة بالنمو والعام الذي يليه نجد أن نسبة النمو تتراجع كثيرًا، وربما يسجِّل الاقتصاد انكماشًا.

ويعد هذا الأمر  المعضلة الاقتصادية الأكبر في البلاد، فمعدل النمو أمرٌ يصعب فهمه في المغرب فهو متقلِّب بشكل عجيب، إذ أن النمو الاقتصادي هو مجموع القيم المضافة إلى كافة وحدات الإنتاج العاملة بفروع الإنتاج المختلفة في اقتصاد الدولة، مثل الزراعة والتعدين والصناعة وباقي قطاعات الاقتصاد المختلفة، أو بمعنى آخر هو الزيادة في كمية السلع والخدمات التي ينتجها اقتصاد الدولة، خاصةً وأن الاقتصاديين يعتقدون أن تحقيق نمو اقتصادي أعلى يؤدي إلى مستويات معيشة مترفعة، في حال افترضنا توزيع ثمار النمو بصورة عادلة.

المعادلة المعقدة.. توقعات النمو الاقتصادي بالمغرب في تضارب مستمر

إذ يتضح أننا أمام اقتصاد غير مستقر ولا ينمو بشكل منتظم، الأمر الذي سينعكس بالتالي على نمو الأجور، أي أن الدولة لن يكون في مقدورها رقميًا حل هذه الأزمة بشكل واقعي دون الرجوع لأصل الأزمة، وأصل الأزمة هنا هو مشكلة هيكلية خاصة بالاقتصاد كله.

ويرى المركز المغربي لدراسة الظرفية أن معدل نمو الاقتصاد المغربي يمكن أن يرتفع إلى 7.5%، حال تحققت مجموعة من الشروط، منها إعادة توجيه نموذج النمو الاقتصادي في اتجاه الاعتماد على الصادرات، ومراجعة سياسات الاستثمار والتشغيل، وإنجاز الإصلاحات الهيكلية الكبرى في مجالات التدبير والإدارة والقضاء وتحرير الصرف وإصلاح الجبايات.

إذ كشف المركز خلال دراسة استشرافية لآفاق النمو الاقتصادي للمغرب تحت عنوان: «أي سبل للإقلاع؟ سيناريوهات النمو بين 2017 و2030»، أنه «بمتابعة معدلات النمو المتوسطة خلال العقدين الأخيرين، نلاحظ أن التوجه العام انخفاضي، فقد نزلت من 5% بين 2001 و2005 إلى 4.9% بين 2006 و2010، ثم إلى 3.9% في المتوسط ما بين 2011 و2015، ونستنتج من هذا التطور أن نموذج النمو الذي اعتمده المغرب منذ بداية الألفية بدأ يستنفد قدراته، وكانت النتيجة الطبيعية هو التخبط الواضح في ملف الأجور».

المصادر

عرض التعليقات
s