مع بداية العام الجديد، فوجئ محبو السينما وفنانو الوطن العربي بالخبر الذي أعلنه المخرج مروان حامد عبر صفحته الشخصية على «فيسبوك»؛ مُعلنًا عن وفاة والده الكاتب والسيناريست المصري وحيد حامد عن عمر يُناهز 76 عامًا، صباح اليوم 2 يناير (كانون الثاني) 2021، وذلك بعد أيام قليلة من نقله العناية المُركَّزة إثر تدهور حالته الصحية.

إنا لله وإنا إليه راجعون
تُوفي إلى رحمة الله تعالي أبي الغالي الكاتب الكبير «وحيد حامد»
البقاء والدوام لله وحده
تقام صلاة الجنازة في مسجد الشرطة في الشيخ زايد بعد صلاة الظهر

Posted by Marwan Hamed on Friday, 1 January 2021

وحيد حامد.. أحلام الفتى الطائر

وُلد وحيد حامد ابن محافظة الشرقية عام 1944، وتخرَّج في كلية الآداب جامعة عين شمس عام 1967؛ ليبدأ بعدها مُطاردة شغفه وحلمه بأن يصبح كاتبًا للقصة القصيرة، قبل أن تُولد مجموعته القصصية الأولى «القمر يقتل عاشقه»، والتي ما إن قرأها الكاتب الراحل يوسف إدريس، حتى نصح وحيد حامد بتوجيه بوصلَته نحو الكتابة للدراما.

«أنا موظف مزلقان غلبان لو حصل أي مصيبة هشيلها أنا، أنا من الشعب يا ست هانم أنا مش منكم» * فيلم المنسي – 1993.

خطوات وحيد الأولى كانت في عالم الكتابة للدراما الإذاعية والمسرح، ثم سرعان ما أعاد توجيه دَفَّته نحو التليفزيون ومن بعده إلى السينما التي صنعت منه رمزًا بمجاله.

وبالرغم من أن فيلمه السينمائي الأول «طائر الليل الحزين» الذي قدمه في 1977، وأخرجه يحيى العلمي، وأُسندت بطولته إلى أسماء ثقيلة بعالم الفن من بينهم محمود مرسي، وعادل أدهم، ومحمود عبد العزيز؛ فإن العمل الذي وضعه على العتبة الأولى من الشهرة وسلَّط عليه الضوء، كان مسلسل «أحلام الفتى الطائر».

صدر العمل عام 1978 وصدف أن كان أول بطولة تليفزيونية لعادل إمام، الذي كان وقتها نجم شباك وله جمهوره ومُريدوه، الأمر الذي جعل المسلسل يحظى بنسبة مشاهدة عالية، نتج عنها نجاح فني مزدوج لصانعيه.

وحيد حامد و«اللعب مع الكبار»

«أنا أحببت أيامي لأنني عملت مع الكبار، وعشت في زمن فيه أمينة رزق ومحمود مرسي وغيرهما، ومخرجون كبار أفادوني وتعلمت منهم مثل عاطف الطيب وسمير سيف». وحيد حامد في مهرجان القاهرة السينمائي 2020

هذا النجاح الضخم لم يلبث أن يُسفِر عن ثنائية فنية مميزة، خاصةً بعد أن وجد كل من عادل إمام ووحيد حامد ضالته بالآخر؛ إذ استطاع حامد بقلمه وحكاياته نقل عادل إمام إلى منطقة أخرى أكثر نضجًا خارج نطاق الأعمال الكوميدية الخفيفة التي ظل يقدمها لسنوات، والارتقاء به نحو الدراما الاجتماعية الهادفة التي رغم ما حملته من ضحكات فإنها لم تخل من السياسة.

فقد استغل وحيد حامد، ما تمتع به عادل إمام من قبول سواء لدى الجمهور أو الساسة والحكام؛ من أجل تمرير أفكار سياسية بأقصى قدر سمحت به الحرية المتاحة في هذا الوقت، وهو ما فعله بدبلوماسية نجحت في تجنيبه المُساءلة أو الصدام المباشر مع الرقابة والنظام!

ليُقدما معًا خلال الثمانينيات والتسعينيات مجموعة من أهم الأفلام التي شهدها تاريخ السينما المصرية، منها: «الإرهاب والكباب»، و«المنسي»، و«اللعب مع الكبار»، و«طيور الظلام»، و«النوم في العسل»، و«الغول».

 موهبة أم عصا سحرية؟

بخلاف عادل إمام، تعاون وحيد حامد مع ممثلين كبار آخرين وقدَّم معهم أعمالاً اختيرت ضمن أهم ما قدموا خلال مسيرتهم؛ ذلك لأنه -كعادته- أعاد من خلالها تشكيلهم، مُبرزًا أبعادًا جديدة لموهبتهم لم يرها الجمهور من قبل.

فمثلاً مع أحمد زكي قدم «اضحك الصورة تطلع حلوة»، و«البريء» و«معالي الوزير»، ومع نور الشريف قدم «آخر الرجال المحترمين» و«غريب في بيتي»، أما مع محمود عبد العزيز فقدم «الدنيا على جناح يمامة» و«سوق المتعة»، ومع نبيلة عبيد قدّم «الراقصة والسياسي» و«كشف المستور».

الأمر نفسه تكرر في الدراما التليفزيونية، فقدم أعمالاً مهمة ليس فقط بمقياس زمنها وإنما حتى الآن، على رأسها جاءت مسلسلات مثل: «البشاير»، و«العائلة»، و«أوان الورد».

«أنا طول عمري بسمع كلام الحكومة، الحكومة دي واللي قبليها واللي قبليها، والحكومة الجاية كمان هسمع كلامها، أصل افرض مسمعتش كلام الحكومة هيحصل إيه؟ ولا حاجة، هشرب من البحر» *فيلم الإرهاب والكباب – 1992.

لم يكن وحيد حامد كاتبًا موهوبًا فحسب، لكنه كان ذكيًا كذلك؛ إذ نجح في مواكبة ما طال العصر من تغيير بدايةً من السبعينيات وحتى 2021 الذي من المفترض أن يشهد عرض آخر أعماله فيلم «سري للغاية»، هذا التغيير المستمر والطبيعي لم يكن في خريطة البلد السياسية والاجتماعية فقط؛ وإنما شمل أيضًا نوعية الأفلام التجارية المطلوبة بالسوق.

وهو ما حتَّم عليه التعاون مع مخرجين جدد مثل محمد ياسين وتامر محسن وشريف البنداري، وكذلك شريف عرفة الذي كان آنذاك جديدًا على الساحة، وكذلك فيما يخص عمله مع الوجوه الجديدة من الممثلين الذين يشقون طريقهم نحو الشهرة والفن.

لنشهد تعاونه مع روبي وآسر ياسين في فيلم «الوعد»، ومع هاني رمزي قدم فيلم «محامي خلع»، ومع عمرو واكد في «ديل السمكة». وإن كان ذلك لم يمنع استمراره بين حينٍ وآخر بتقديم أعمال فنية بارزة، مثل فيلم «دم الغزال» الذي كان بطولة جماعية ضمت يسرا ونور الشريف ومنى زكي ومحمود عبد المغني وغيرهم.

أو فيلم «احكي يا شهرزاد» الذي انتقلت بسببه منى زكي من دور الفتاة اللطيفة التي يقع بحبها البطل إلى أدوار المرأة الناضجة ذات الشخصية المركبة التي لا تخلو من العيوب، وكذلك فيلم «عمارة يعقوبيان» الذي كان حدثًا وقت صدوره خاصة مع ما حققته الرواية المقتبس عنها العمل من نجاح.

الموت يقطع طريق «الجماعة 3»

في الدراما قدم وحيد حامد في 2013 مسلسل «بدون ذكر أسماء» الذي صنفه النقاد أحد أهم الأعمال الدرامية التي قدمت في السنوات العشر الأخيرة؛ كونه ملحمة استعرضت حال المجتمع المصري بدايةً من منتصف الثمانينيات وحتى أول الألفية الجديدة، راصدًا من خلاله ظواهر مهمة ومتعددة من بينها التسول وأطفال الشوارع، والفساد السياسي والصحفي، وبداية انتشار الجماعات الدينية، والعلاقات المشبوهة لصفوة المجتمع.

كذلك قدم مسلسل «الجماعة» بجزأيه الأول عام 2010 والثاني عام 2017، والذي تمحور حول حياة حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين وتاريخ الجماعة في ما بعد ذلك في عصر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وهو العمل الذي أثار الكثير من الجدل وفتح النار على صناعه.

وبسبب موقف وحيد حامد المعروف والمُعادي لجماعة الإخوان المسلمين، وُضعت الأحداث محل تشكيك للبعض، الذين ظلوا يتساءلون تُرى هل كانت تلك هي الحقيقة فعلاً؟ أم أن العمل خضع لبعض المبالغات أو عبَّر عن أهواء شخصية لصانعه؟

جدير بالذكر أن وحيد حامد كان ينوي تقديم جزء ثالث من المسلسل وشرع في العَمل عليه بالفعل، وإن وجد صعوبة في الكتابة أحيانًا لاستشعاره خطورة هذا الجزء تحديدًا، وعدم معرفته كيف يمكن أن تخرج الأحداث التي يؤرخها للنور.

«المُتَنَبِّئ».. أفلام وحيد حامد وتاريخ مصر السياسي والاجتماعي

لم يأت تفرُّد وحيد حامد بمجاله لكونه كاتبًا شاملاً، كتب للإذاعة والمسرح والسينما والتليفزيون، ولا لأن أعماله حققت نجاحًا جماهيريًا وشعبيًا بالقدر نفسه التي نالت فيه استحسان النقاد وصنَّفت بوصفها أعمال فنية سيُخلِّد التاريخ مُعظمها، ولا حتى هذه القدرة الفريدة التي تمتع بها فأعاد من خلالها صنع نجومية كل من تعامل معه من الممثلين صغارهم وكبارهم وحتى المخرجين أحيانًا؛ وإنما لأنه ودون شك كان أحد «مُتنبئي» هذا العصر.

«هم بيعملوا فيكو كده ليه؟ علشان إحنا اللي فهمنا يا سبع الليل» *فيلم البريء – 1986.

فبمراجعة بعض من أهم أعماله يمكن ببساطة استنباط كيف برعت حواراته في وصف تاريخ مصر السياسي والاجتماعي، لكن الغريب والمدهش على حدٍ سواء أنه فعل ذلك مُستبقًا ما عايشه المجتمع المصري من أحداث وكوارث في ما بعد.

فجاءت حواراته التي نجح في أن يُمررها بحنكة عبر أعمال ناجحة وذات شعبية، مُعبرة بدقة عن حوادث القطارات، وغرق العبارات، وثمن المواطن البخس بأعين الحكومات، وغيرها من الوقائع الحزينة التي عاصرها الكثيرون.

وبالتالي، ليس غريبًا أن تظل تلك الحوارات متداولة على منصات التواصل الاجتماعي وملائمة لمجتمعاتنا حد التطابق حتى يومنا هذا، حتى أن كثيرًا ما يستعين بها رواد مواقع «فيسبوك» و«تويتر» للتعبير عن لسان حالهم حين يعجزون عن الوصف.

«طب مافيش حاجة هترخص؟ حاجات كتير هترخص وهتبقى بسعر التراب.. أنا وأنت والأستاذ، وحضراتكم أجمعين».* فيلم الإرهاب والكباب – 1992

«الأستاذ» لا يعيش مرة واحدة!

«أشكر كل من تعلمت منهم وعلَّموني، وكان من الصعب أن أقف هنا، لولا دعمكم وحبكم لي وللسينما، أشكر كل الفرسان الذين وقفوا بجانبي في رحلتي الطويلة في مجال التمثيل والنقد». وحيد حامد في مهرجان القاهرة السينمائي 2020

مشوار فني امتد على مدار ما يقرب من 60 عامًا أثرى به وحيد حامد السينما والدراما العربية والإذاعة بأكثر من 80 عملاً فنيًا؛ وهو ما ترتب عليه فوزه بالعديد من الجوائز والتكريمات المُستحَقَّة، منها: جائزة الدولة للتفوق في الفنون من المجلس الأعلى للثقافة عام 2003، وجائزة الدولة التقديرية عام 2008، وجائزة نجيب محفوظ عن مجمل أعماله التليفزيونية من مهرجان القاهرة للإعلام العربي عام 2010، وجائزة النيل في الفنون عام 2012، بالإضافة لتكريمه بمهرجان دبي السينمائي في 2017.

لكن، وكما لو أن القدر يأبى أن يرحل وحيد حامد دون وداع يليق به؛ جاء موته بعد شهر بالضبط من تكريمه في وطنه خلال افتتاح الدورة الثانية والأربعين من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي نسخته الـ42 وفوزه بجائزة الهرم الذهبي التقديرية لإنجاز العمر في 2 ديسمبر (كانون الأول) 2020.

وعلى خلاف ما جاء بعنوان أحد أفلامه الشهيرة التي قدمها مع عادل إمام «الإنسان يعيش مرة واحدة»، فإن العاملين بالمجال الفني بوجه عام ومحبي السينما بوجه خاص يعرفون جيدًا أن المؤثرين لا يعيشون مرة واحدة؛ وإنما تبقى سيرتهم من خلفهم باقية، عبر أعمال سيشاهدها أجيال بعد أجيال.

فنون

منذ أسبوعين
حاتم علي.. بطل التغريبة الفلسطينية وفنان التاريخ العربي
عرض التعليقات
تحميل المزيد