تواجه أوروبا تحديا وجوديا بسبب روسيا. فالقادة الأوروبيون ومواطنوهم لا يدركون تماما هذا التحدي أو يعرفون الطريقة المثلى للتعامل معه. يعزو الكاتب هذا الأمر بشكل رئيسي إلى حقيقة أن الاتحاد الأوروبي بشكل عام ومنطقة اليورو على وجه الخصوص ضلا طريقهما بعد الأزمة المالية في عام 2008.

أثارت القواعد المالية التي تسود حاليا في أوروبا الكثير من الاستياء الشعبي. فقد سيطرت الأحزاب المناهضة للاتحاد الأوروبي على ما يقرب من 30 في المئة من المقاعد في الانتخابات الأخيرة للبرلمان الأوروبي ولكن لم يكن لديهم بديل واقعي لكيان الاتحاد الأوروبي. تقدم روسيا الآن البديل الذي يشكل تحديا أساسيا للقيم والمبادئ التي قام على أساسها الاتحاد الأوروبي. يقوم هذا البديل على استخدام القوة التي تتجلى في القمع في الداخل وشن العدوان في الخارج بدلا من سيادة القانون. وما يثير الدهشة هو أن روسيا أثبتت أنها تتفوق في بعض النواحي على الاتحاد الأوروبي.

إن أوروبا والولايات المتحدة عازمتان على تجنب أي مواجهة عسكرية مباشرة مع روسيا. وهكذا تستفيد روسيا من ترددهم. فقد استولت روسيا على شبه جزيرة القرم وأنشأت جيوبًا انفصالية في شرق أوكرانيا في انتهاك لتعهداتها. وعندما هددت الحكومة المثبتة حديثا في كييف في أغسطس الماضي بكسب الحرب في شرق أوكرانيا ضد القوى الانفصالية المدعومة من روسيا، غزت روسيا أوكرانيا بقوات نظامية في انتهاك للقانون الروسي.

وفي سبتمبر الماضي، زار الرئيس الأوكراني واشنطن وحظي باستقبال حار من جلسة مشتركة من الكونجرس، والتي طلب خلالها الحصول على أسلحة فتاكة لمواجهة روسيا، لكن واشنطن اكتفت بتزويده برادارات. كما صمم مسئولون دوليون على تقديم التزامات مالية لأوكرانيا حتى انعقاد الانتخابات في 26 أكتوبر، مما سبب ضغوطا على احتياطات العملة الأوكرانية وهدد بتفجر أزمة مالية في البلاد.

من السهل التنبؤ بما سيحصل تاليا. سينتظر بوتين نتائج الانتخابات في 26 أكتوبر ثم يقدم عرضا إلى بوروشينكو بتوفير الغاز وغيره من المزايا بشرط تعيين رئيس وزراء مقبول لبوتين. إن من شأن ذلك استبعاد أي شخص يرتبط بالقوى التي أسقطت الحكومة فيكتور يانوكوفيتش عن طريق التظاهر لشهور في ساحة ميدان الاستقلال. ويعتقد الكاتب أنه من المستبعد جدا أن يقبل بوروشينكو بمثل هذا العرض.

يقول الكاتب إنه لا يعتقد بأن بوتين يمكنه ببساطة الجلوس وانتظار الانهيار الاقتصادي والمالي في أوكرانيا. فهو يظن أنه يمكن عقد صفقة كبرى بين روسيا وأمريكا تساعد بموجبها روسيا الولايات المتحدة ضد داعش.

سيكون ذلك خطأ مأساويا له عواقب جيوسياسية بعيدة المدى. يقول الكاتب إن الحفاظ على استقلال أوكرانيا يجب أن تكون له الأسبقية. فبدونه، سينهار التحالف ضد داعش. إن انهيار أوكرانيا سيشكل خسارة كبيرة لحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. ومن شأن انتصار روسيا زيادة نفوذها داخل الاتحاد الأوروبي وتشكيل تهديد قوي لدول البلطيق التي يسكنها عدد كبير من ذوي الأصل الروسي. فبدلا من دعم أوكرانيا، سيضطر الناتو للدفاع عن نفسه على أراضيه. وهذا من شأنه تعريض كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إلى أخطار المواجهة العسكرية المباشرة مع روسيا.

ثمة رأيان مضادان أقل وضوحا ولكن أكثر أهمية. أولا، لقد تجاهلت السلطات الغربية أهمية ما يسميه الكاتب “أوكرانيا الجديدة” التي ولدت في أعقاب المقاومة الناجحة في الميدان. فالعديد من المسؤولين الذين لديهم تاريخ من التعامل مع أوكرانيا يجدون صعوبة في التكيف مع التغيير الثوري الذي حدث هناك. كما أن اتفاقية الشراكة الموقعة مؤخرا بين الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا كانت في الأصل مع حكومة يانوكوفيتش. لذا يجب تعديل خريطة الطريق هذه حتى تتكيف مع وضع مختلف تماما. وخلافا لبعض الأفكار الشائعة، فقد قاد المقاومة في الميدان الشباب، كثير منهم درسوا في الخارج ورفضوا الانضمام إما للحكومة أو قطاع الأعمال بسبب فسادهما.

إن على أوكرانيا الجديدة أن تتعامل مع العدوان الروسي، ومقاومة البيروقراطية سواء في الداخل والخارج، والاضطراب بين عموم السكان. المثير للدهشة، هو أن ذلك يحظى بدعم القلة، الرئيس بوروشينكو في مقدمتهم، والسكان بصفة عامة. هناك بالطبع اختلافات عميقة في التاريخ واللغة والنظرة بين الأجزاء الشرقية والغربية من البلاد، ولكن أوكرانيا أكثر اتحادا وأكثر انفتاحا على أوروبا من أي وقت مضى.

لقد ظلت أوكرانيا الجديدة غير معترف بها لأنها استغرقت وقتا قبل أن يظهر نفوذها. فلم يكن لديها أي قوات أمن تحت تصرفها عندما ظهرت. وقد شاركت قوات الأمن القديمة بنشاط في قمع التمرد وكانوا مشوشين هذا الصيف عندما كان عليهم أخذ أوامر من حكومة يشكلها أنصار التمرد. لا عجب أن الحكومة الجديدة كانت في البداية غير قادرة على طرح مقاومة فعالة لإقامة المحافظات الانفصالية في شرق أوكرانيا. لكن الرئيس بوروشينكو كان قادرا على شن هجوم لاستعادة تلك المحافظات.

القصور الآخر في الموقف الأوروبي الحالي نحو أوكرانيا هو أنه لا يعترف بأن الهجوم الروسي على أوكرانيا هو هجوم غير مباشر على الاتحاد الأوروبي ومبادئه. يجب أن يكون واضحا أنه من غير الملائم لبلد ما خوض حرب لاتباع سياسة تقشف مالي مع استمرار الاتحاد الأوروبي في أزمته. يجب وضع كل الموارد المتاحة في خدمة المجهود الحربي حتى لو كان ذلك ينطوي على عجز في الميزانية. إن هشاشة أوكرانيا الجديدة تجعل التناقض في الغرب أكثر خطورة. ليس فقط بالنسبة لبقاء أوكرانيا الجديدة ولكن مستقبل حلف الناتو والاتحاد الأوروبي نفسه في خطر. وفي حالة عدم وجود مقاومة موحدة، فمن غير الواقعي أن نتوقع أن بوتين سوف يتوقف عن السعي إلى ما وراء أوكرانيا عندما يكون تقسيم أوروبا والهيمنة الروسية عليها ظاهرًا في الأفق.

وبعد تحديد بعض أوجه القصور في النهج الحالي، يسعى الكاتب لتوضيح المسار الذي يجب أن تتبعه أوروبا. إن العقوبات ضد روسيا ضرورية لكنها شر لا بد منه. فستسبب انكماشا ليس فقط في روسيا ولكن أيضا على الاقتصادات الأوروبية، بما فيها ألمانيا. وهذا يزيد من تفاقم الركود والانكماش القائم بالفعل. وعلى النقيض من ذلك، فإن مساعدة أوكرانيا في الدفاع عن نفسها ضد العدوان الروسي له تأثير منشط، ليس فقط في أوكرانيا، ولكن أيضا في أوروبا.

تحتاج ألمانيا، الداعية الرئيسية إلى التقشف المالي، إلى فهم التناقض الداخلي لديها. لقد تصرفت المستشارة أنجيلا ميركل كقائدة أوروبية حقيقية فيما يتعلق بالتهديد الذي تشكله روسيا. فقد كانت الداعي الأول لفرض العقوبات على روسيا، وكانت أكثر استعدادا لتحدي الرأي العام والمصالح التجارية الألمانية أكثر من أي قضية أخرى. وقد تبدل الرأي العام الألماني فقط بعد إسقاط الطائرة الماليزية في يوليو. وبالنسبة للتقشف المالي كانت قد أكدت مؤخرا ولاءها لسياسة البنك المركزي الألماني، ربما ردا على النجاحات الانتخابية التي حققها حزب البديل لألمانيا، الحزب المناهض لليورو. يبدو أنها لا تدرك كيف يتعارض هذا مع بعضه. إن عليها أن تكون أكثر التزاما بمساعدة أوكرانيا من فرض عقوبات على روسيا.

إن لدى أوكرانيا الجديدة الإرادة السياسية للدفاع عن أوروبا ضد العدوان الروسي والدخول في إصلاحات هيكلية جذرية. وفي سبيل الحفاظ على هذه الإرادة وتعزيزها، فإن أوكرانيا بحاجة إلى تلقي المساعدة الكافية من مؤيديها. وبدون ذلك، فإن النتائج ستكون مخيبة للآمال وسوف يتحول الأمل إلى يأس. لقد حدثت خيبة الأمل بالفعل بعد هزيمة في أوكرانيا عسكريا ولم تتلق الأسلحة التي تحتاجها للدفاع عن نفسها.

حان الوقت لأعضاء الاتحاد الأوروبي للاستيقاظ والتصرف كدول في حرب غير مباشرة. فسيكون من الأفضل لهم مساعدة أوكرانيا في الدفاع عن نفسها بدلا من الاضطرار للقتال دفاعا عن أنفسهم. فبطريقة أو بأخرى، التناقض الداخلي بين كونها في حالة حرب وأن تبقى ملتزمة بالتقشف المالي لابد من التخلص منه. فحيثما كان هناك إرادة، كان هناك سبيل.

قدر صندوق النقد الدولي في تقريره المرحلي الأخير الذي صدر في أوائل سبتمبر أنه في أسوأ السيناريوهات فإن أوكرانيا سوف تحتاج إلى دعم إضافي يقدر بنحو 19 مليار دولار. وقد تدهورت الظروف منذ ذلك الحين. فبعد الانتخابات الأوكرانية، سيتعين على صندوق النقد الدولي إعادة تقييم توقعات الأساسية بالتشاور مع الحكومة الأوكرانية. فيجب توفير حقنة نقدية فورية بنحو 20 مليار دولار على الأقل، مع وعد بالمزيد عند الحاجة. كما يجب على شركاء أوكرانيا توفير تمويل إضافي مشروطا بتنفيذ البرنامج الذي يدعمه صندوق النقد الدولي، وذلك تمشيا مع الممارسة المعتادة.

سيتم التحكم في إنفاق الأموال المقترضة بموجب اتفاق بين صندوق النقد الدولي والحكومة الأوكرانية. ستذهب أربعة مليارات دولار لتعويض النقص في المدفوعات الأوكرانية حتى الآن؛ وسيتم تخصيص مبلغ 2 مليار دولار لإصلاح مناجم الفحم في شرق أوكرانيا التي لا تزال تحت سيطرة الحكومة المركزية. وسيتم تخصيص مبلغ 2 مليار دولار أخرى لشراء كمية إضافية من الغاز لفصل الشتاء. وبقية المبلغ سيعمل على تجديد احتياطي العملات في البنك المركزي.

ان حزمة المساعدات الجديدة ستشمل تبادل الديون وهو من شأنه استبدال ديون سندات اليورو الخاصة بأوكرانيا (التي تبلغ نحو 18 مليار دولار) على المدى الطويل، بسندات أقل مخاطرة. وهذا من شأنه تخفيف عبء الديون على أوكرانيا وخفض علاوة المخاطر فيها. ومن خلال المشاركة في التبادل، فإن حملة السندات سيوافقون على قبول انخفاض في سعر الفائدة والانتظار وقتا أطول للحصول على أموالهم. وسيكون التبادل المبني على السوق طوعيا بحيث لا يمكن اعتباره تخلفًا عن السداد. إن حملة السندات سيشاركون عن طيب خاطر لأن السندات الجديدة على المدى الطويل سوف تكون مضمونة، بقدرما ساعدت الولايات المتحدة أمريكا اللاتينية على الخروج من أزمة ديونها في الثمانينات بما سمي سندات برادي (حملت اسم وزير الخزانة نيكولاس برادي).

إن مثل هذا التبادل يحمل بعض الفوائد الهامة. إحداها هي أنه، على مدى السنوات الاثنتين أو الثلاث الحاسمة القادمة، يمكن للحكومة أن تستخدم أقل بكثير من احتياطياتها الشحيحة من العملة الصعبة لسداد السندات. ويمكن استخدام هذه الأموال لتلبية الاحتياجات الملحة الأخرى.

وعبر تقليص مدفوعات الديون الأوكرانية في السنوات القليلة المقبلة، فإن هذا التبادل سيقلل أيضا من فرصة وجود تأخير عن سداد الديون السيادية، وسيحد من هروب رؤوس الأموال. هذا من شأنه أن يجعل من السهل إقناع أصحاب البنوك في أوكرانيا (كثير منهم من الأجانب) بضخ أموال جديدة.

أخيرا، ستحافظ أوكرانيا على انخراط حملة السندات بدلا من هروب النقدية. وهذا من شأنه أن يسهل على أوكرانيا الدخول مجددا إلى أسواق السندات الدولية حالما تنتهي الأزمة. وفي ظل الظروف الحالية سيكون أكثر واقعية بالنسبة للولايات المتحدة وأوروبا عدم استخدام الائتمان الخاص بهم مباشرة لضمان جزء من ديون أوكرانيا، ولكن لتوظيف وسطاء مثل البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير والبنك الدولي.

إن شركة نفتوجاز المملوكة للدولة هي بمثابة الثقب الأسود في الميزانية ومصدر رئيسي للفساد. نفتوجاز تبيع حاليا الغاز للأسر بنحو 47 دولارا لكل ألف متر مكعب، حيث تدفع 380 دولار لكل ألف متر مكعب. في الوقت الحالي لا يمكن للناس التحكم في درجة الحرارة في أماكن سكنهم. إن إجراء إعادة هيكلة جذرية لنظام نفتوجاز بأكمله يمكنه أن يقلل من استهلاك الأسر على الأقل إلى النصف، والقضاء تماما على اعتماد أوكرانيا على غاز روسيا. وهذا من شأنه أن يشمل تحميل الأسر بسعر السوق للغاز. وستكون الخطوة الأولى هي تثبيت مقياس متري في الشقق والثانية هي توزيع الدعم النقدي للأسر المحتاجة.

إن الرغبة في جعل هذه الإصلاحات قوية لدى كل من الإدارة الجديدة والحكومة القادمة، ولكن المهمة معقدة للغاية (كيف تعرف من هو المحتاج؟) والخبرة غير كافية. إن البنك الدولي والشركات التابعة له يمكنها رعاية فريق تطوير المشاريع الذي سيجمع بين الخبراء الدوليين والمحليين لتحويل الإرادة السياسية القائمة إلى مشاريع قابلة للتمويل. وستتجاوز التكلفة المبدئية حاجز 10 مليار دولار، ولكن يمكن تمويلها من قبل مشروع سندات صادرة عن بنك الاستثمار الأوروبي، بما سينتج عوائد عالية جدا.

لقد آن الأوان للاتحاد الأوروبي لإلقاء نظرة ناقدة على حاله. لا بد أن هناك خطبًا ما يتملك الاتحاد الأوروبي إذا كان بإمكان روسيا النجاح حتى على المدى القصير. يجب أن تتعلم أوروبا أن تكون أكثر اتحادا ومرونة وكفاءة. والأوروبيون أنفسهم في حاجة إلى إلقاء نظرة فاحصة على أوكرانيا الجديدة. فهذا قد يساعدهم على استعادة الروح الأصلية التي أدت إلى إنشاء الاتحاد الأوروبي. يمكن للاتحاد الأوروبي إنقاذ نفسه من خلال إنقاذ أوكرانيا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد