ساهمت الميليشيات الشيعية بأدوار عسكرية مهمة لصالح النظام السوري في سوريا منذ بدأ استقدامها في العام 2012، وكانت إيران صاحبة الدور المحوري في تنظيم هذا الاستقدام من إيران، والعراق، ولبنان، وأفغانستان، واليمن، وباكستان، وبعض الدول الآسيوية التي يوجد فيها الشيعة، تحت شعار المقاومة والممانعة وفي مقابل مبالغ مالية أيضًا، فضلًا عن محفزات أخرى مثل: منح الجنسية في بعض الأحيان، وكان «حزب الله» اللبناني من أول الميليشيات التي تدخلت وشاركت في دعم النظام، بالتنسيق مع إيران، قبل حضور الحرس الثوري الإيراني، والعشرات من الميليشيات العراقية، والأفغانية، والباكستانية، واليمنية التي دربتها إيران.

وبعد استعادة قوات النظام سيطرتها على الكثير من مناطق في البلاد، وخاصة الجنوب السوري الذي يقع على حدود إقليمية مثل: الأردن، وفلسطين، ولبنان، والعراق، تمركزت هذه الميليشيات في التلال الإستراتيجية وعمدت لإنشاء مراكز لتجنيد الشباب بشكل تطوعي ضمن تشكيلاتها؛ الأمر الذي دعا دول مثل روسيا والأردن لطرح فكرة تشكيل «جيش الاستقرار» في درعا لمواجهة الميليشيات الشيعية.

خريطة الانتشار الإيراني في الجنوب

تغلغلت إيران بشكل كبير في محافظات الجنوب السوري كالقنيطرة ودرعا، ولها قوات عسكرية كبيرة تابعة لها، وخاصة في منطقة اللجاة؛ إذ تمتلك هذه الميليشيا حسب دراسة للباحث «ضياء قدور» ما يقارب 14 قاعدة عسكرية في درعا، وبالقرب من الحدود السورية الإسرائيلية في القنيطرة، وريف دمشق الغربي، إلا أن تلك الميليشيات الشيعية، وبعد الاتفاق الإسرائيلي الروسي على السماح لجيش النظام بإعادة السيطرة على جنوب سوريا حتى الحدود مع إسرائيل، وإبعاد الإيرانيين و«حزب الله» 80 كيلومترًا، على الأقل من الحدود مع إسرائيل كخطوة مؤقتة إلى حين الاستجابة للمطلب الإسرائيلي بالانسحاب الكامل للقوات الإيرانية من سوريا، ومن ثم التوصل إلى عملية التسوية في درعا بين النظام والمعارضة، في يوليو (تموز) عام 2018م، قد عمدت تلك المليشيات بعد هذه السيطرة إلى تغيير إستراتيجيتها في التعامل مع الموقف.

بدأت هذه الميليشيات بإفراغ الجنوب من فئة الشباب وذلك عبر مجموعة من الوسائل؛ عن طريق استهداف هذه الفئة من خلال المغريات المالية والتجنيد والحماية الأمنية، وإحداث المكتب الأمني التابع للفرقة الرابعة المدعومة من إيران بشكل مباشر، للعمل على تجنيد الشباب بمغريات الرواتب والإعفاء من الخدمة العسكرية، مقابل الانضمام لصفوف التشكيلات العسكرية الموالية لها، وإغراء قادة مجموعات مسلحة عملت ضمن صفوف المعارضة بدرعا سابقًا أيضًا. من خلال التهديد والمضايقات الأمنية التي تدفع صاحبها حيانًا إلى الهروب إلى لبنان عن طريق شبكات التهريب التي يديرها للمفارقة أيضًا «حزب الله» مقابل مبالغ مالية تصل إلى ألفي دولار أمريكي للشخص الواحد المتخلف عن الخدمة الإلزامية أو الاحتياط.

وتشير تقديرات «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» إلى أن عدد مقاتلي المليشيات العراقية في سوريا يتراوح ما بين 15 إلى 20 ألف مقاتل، فيما يقدر عدد مقاتلي «حزب الله» اللبناني بنحو سبعة إلى 10 آلاف مقاتل، وقرابة خمسة إلى 7 آلاف مقاتل أفغان وإيرانيين. لكن تقديرات أخرى تشير إلى أن الرقم قد يصل إلى 80 ألف مقاتل شيعي.

ومن ناحية أخرى شكلت الميليشيات المحلية وأنشئت قواعد العسكرية في مناطق جغرافية استراتيجية لتكون بمثابة مراكز لإدارة العمليات، كإنشاء قوات «اللواء الشيعي 313» التي تم تشكيلها من أبناء محافظة درعا حصرًا «درع الوطن» بقيادة وسيم مسالمة الملقب «وسيم العمر»، وتمتد منطقة عملياته على طول الطريق الدولي باتجاه مدينة درعا حتى معبر نصيب الحدودي، وتشمل تأمين طريق الإمداد من دمشق إلى «اللواء 34» قرب بلدة المسمية في اللجاة.

وقامت ميليشيا «عصائب أهل الحق العراقية»، و«حزب الله» بالسيطرة على عدد من القرى في اللجاة وسوتها بالأرض، ودمرت نحو 650 منزلًا، على مساحة تتجاوز 30 كيلو مترًا مربعًا، لتتحول تلك المنطقة إلى قاعدة عسكرية لوجود الميليشيات الأجنبية المدعومة من إيران. بالإضافة إلى السيطرة على مراكز لوحدات عسكرية تابعة لقوات النظام كقيادة الفرقة التاسعة مدرعات في مدينة الصنمين، وقيادة الفرقة الخامسة في أزرع، والتلال الإستراتيجية كتل الحارة وتل الشعار.

«خروج الابن عن طاعة أبيه»

واجهت القوات الروسية في يوليو 2018 بالرفض عندما رافقت «الفرقة الحادية عشر» التابعة للجيش السوري لإخراج قوات ميليشيا «حزب الله» من مواقعها في بلدة القصير بريف حمص، فقد كانت الخطة ـ التي لم يتم تنسيقها مع إيران أو «حزب الله» ـ هي إعادة سيطرة قوات النظام على معبر جوسيه الحدودي مع لبنان، ثم الاقتراب من منطقة القلمون السورية. لكن قوات «حزب الله»» رفضت ترك مواقعها.

وبدلًا من ذلك، غادرت القوات الروسية والسورية بعد حوالي أقل من 24 ساعة من وصولهم، وسرعان ما عزز «حزب الله» وجوده في مدينة القصير. وتظهر هذه الحادثة الصغيرة ـ التي ربما كانت محاولة روسية لاختبار رد فعل إيران ـ فموسكو قد لا تكون قادرة على زحزحة ميليشيات إيران بعد ترسخها في جنوب سوريا، أو على الأقل غير راغبة في ممارسة ضغوط عسكرية كافية لإجبارهم على ذلك.

في الوقت الراهن يبدو أن إسرائيل والأردن على استعداد للسماح بوجود الجيش السوري في الجنوب. وعلى الرغم من أنه ليس سرًا أن ميليشيا إيران يندمجون مع قوات النظام، لكن يبدو أن ذلك لا يزعج البلدين المجاورين طالما أن جميع الميليشيات التابعة لإيران فصلوا أنفسهم عن الجيش السوري وانسحبت لمناطق تمركزها في قواعدها بالريف الشرقي والغربي شمال درعا بعد ضغط من القوات الروسية عقب اكتمال مهمتها في مساندة قوات النظام السوري بالسيطرة على جنوب سوريا.

فقد أظهرت روسيا أنها لا تستطيع إبعاد الميليشيا الإيرانية بالشكل المطلوب، أما بالنسبة إلى الفكرة القائلة بأن الأسد سيعمل على إخراج إيران بعد تحقيقه النصر، فإن عودة قواته إلى الجنوب تعني العكس من ذلك تمامًا. ففي خطوة هامة نحو تحقيق أهداف طهران الطويلة المدى، سيكون وجود القوات السورية بمثابة نقطة وصل لقوات «حزب الله» والميليشيات الأخرى لتعيد انتشارها بطمأنينة في الجنوب في أي وقت يحلو لها.

يمكن أن يشكل بقاء الميليشيات الشيعية في سوريا في الفترة القادمة جزءًا من عملية التغيير الديموغرافي التي عمل النظام وإيران على تنفيذها متمثلة في تفريغ مدن وأحياء ومناطق من سكانها الأصليين من أجل الطائفة الشيعية، خصوصا بعد تصريح قائد الحرس الثوري الإيراني في 16 يناير (كانون الثاني) عام 2019 إن إيران ستُبقي على وجودها العسكري في سوريا في تحٍد للتهديدات الإسرائيلية باستهدافها ما لم تخرج من هناك.

جيش يتشكل في الخفاء لضرب إيران

بعد الاتفاق الذي جرى بين قادة الجيش الحر وروسيا في يوليو 2018 على تسليم المناطق في الجنوب لقوات النظام، مقابل تسليم السلاح الثقيل وبقاء السلاح الخفيف مع العناصر المعارضة للنظام، توزعت تشكيلات المعارضة في شرق درعا، وتحديدًا في مدينة بصرى الشام تحت قيادة أحمد العودة القائد السابق لفصيل «قوات شباب السنة»، وبلدة نصيب تحت قيادة القائد السابق في «جيش اليرموك» عماد أبو زريق، وفي درعا البلد تحت قيادة العقيد المنشق أبو منذر الدهني، أما في غرب درعا، وتحديدًا في مدينة طفس، فكانت القيادة لأبي مرشد البردان قائد «جيش الثورة» ما قبل سيطرة النظام على درعا.

ويقول الشيخ فيصل أبازيد رئيس لجنة المصالحة في مدينة درعا لـ«ساسة بوست»، أن اجتماعًا حصل شهر يوليو 2019 في العاصمة الأردنية عمان بين قيادات من الجيش الحر السابقين المقيمين في الأردن وآخرين قدموا من تركيا وبين ضباط المخابرات الروسية والمخابرات الأردنية، لطرح فكرة إنشاء جيش في الجنوب تحت مسمى «جيش الاستقرار».

الضباط الروس وضعوا مقترحًا لعودة قيادات الجيش الحر إلى مدنهم وبلداتهم في محافظة درعا مرة أخرى، بحيث يتسلموا مواقعهم التي كانوا فيها قبل سقوط المحافظة شريطة أن يقاتلوا إيران في الجنوب، بدعم مادي ولوجستي كسيارات وعربات وسلاح متوسط وخفيف وأيضًا المال لقيادات الفصائل، بحسب الشيخ فيصل.

وأفاد أبو غازي القائد السابق في تشكيل «قوات شباب السنة» لـ«ساسة بوست» أن «راكان الخضير» قائد فصيل «جيش العشائر» قابل اللواء علي مملوك نائب الرئيس السوري للشؤون الأمنية والمدير السابق لمكتب «الأمن الوطني» التابع لمكتب رئيس النظام السوري وينسق عمل أجهزة الاستخبارات السورية، من أجل التنسيق على تشكيل فصيل جديد جنوب سوريا تحت مسمى «جيش الجنوب»، الهدف المعلن منه هو فرض السيطرة على قرى وبلدات محافظتي درعا والقنيطرة ومحاربة النفوذ الإيراني هناك، في حين يعتبر الهدف الرئيس وغير المعلن وفق المصادر الخاصة هو خطف الكرة من بين أقدام الروس الذين يعملون على تشكيل «جيش الاستقرار» لمحاربة أيضًا النفوذ الإيراني.

وأكد الشيخ فيصل رفضه للتشكيل لقناعته أن الدول تريد محاربة إيران بدماء أبناء درعا وقال «من يريد محاربة إيران فليذهب هو ومن معه، ناصحًا الشباب بعدم الالتحاق بهذا التشكيل، مضيفًا أن رأس النظام السوري هو من أتى بإيران إلى سوريا، وهو موظف صغير لدى الروس، وكانت إيران دائمًا ما تحتج أنها أتت بطلب من النظام»، مضيفًا أن روسيا التي لها ثقل سياسي ودولي، واستطاعت الدخول إلى سوريا وفرض رغباتها داخليًا ودوليًا فإنها تستطيع إخراج إيران «باتصال هاتفي فقط» مع الحكومة الإيرانية، «ولا تحتاج لتشكيل جيوش لذلك».

حتى بعد موت سليماني.. إيران لديها خطة

بعد تسريب معلومات عن قرب الإعلان عن تشكيل «جيش الاستقرار» في الجنوب بدأت إيران بتحركاتها في المنطقة، فمن بين تلك التحركات، وحسب حديث الشيخ على الغبشة لـ«ساسة بوست» قامت إيران بتوزيع جميع ميليشياتها على القطع العسكرية التابعة للنظام من بينها الفرقة الرابعة والخامسة والثالثة والتاسعة والأولى، وعقدت العديد من اللقاءات والاجتماعات، والتي ترأسها في البداية قاسم سليماني، القائد السابق لميليشيا الحرس الثوري الإيراني على مدار أسبوع كامل في مدينة جباب بريف درعا الشمالي وحضرها كل من الحاج «رشيد عبد الهادي»، والحاج «مرتضى الحسين».

وأوصت هذه اللقاءات بضرورة إقامة تشكيل جديدة تابعة لإيران من أبناء الجنوب السوري تحت مسمى «المقاومة الإسلامية» في جنوب سوريا، تتضمن فقط على عناصر شيعة من المحافظات الأربع دمشق ريف دمشق والقنيطرة ودرعا وتتبع مباشرة للحرس الثوري، وتجنيد المئات من الشبان.

ووفق مهدي بَزي المنتمي حديثا لـ«المقاومة الإسلامية»، فإن هذا التشكيل تم على يد كل من الحاج «أبي علي الحراكي»، وهو لبناني الجنسية ومسؤول المكتب السياسي لميليشيا «حزب الله» بجنوب سوريا، والحج «مرتضى الحسين»، عضو المكتب السياسي للحزب، وهو شيعي سوري الجنسية من محافظة دير الزور، والحاج «منير شغيناني» مسؤول ملف مرتفعات الجولان في ميليشيا «حزب الله»، والحاج «رشيد عبد الهادي» مسؤول ميليشيا «حزب الله» في القطاع الشرقي وهو شيعي سوري من دير الزور.

وأكد «بَزي» أنه بعد موت قاسم سليماني أصبح عدد المتطوعين في صفوف المليشيات المدعومة من إيران في ازدياد، فانتسب منذ سيطرة النظام على المنطقة إلى فبراير (شباط) ما يقارب 4500 عنصر. إضافة لأكثر من 500 عنصر كانوا قد انضموا لصفوف تلك المليشيات بين عامي 2012 – 2015، من أبناء العائلات الشيعية المتواجدة في محافظة درعا.

إذًا إلى أين وصلت ترتيبات المعركة المنتظرة الآن؟

يرى خبير الدراسات الدفاعية اللواء المتقاعد الدكتور فايز الدويري أنه من الناحية الاعلامية، «فإن الحكومة والجيش السوري لهما السيطرة في الجنوب السوري، لكن في واقع الامر فإن الميليشيات الشيعية التابعة لإيران والقوات الروسية هي المسيطرة على الجنوب السوري وأطراف الجولان»، منوهًا إلى أن وجود ميليشيات إيرانية و«حزب الله» التابع لإيران بخاصرة الأردن «يعني أن الأردن سيكون محل استهداف، وهذا يرتب عبئًا أمنيًا وعسكريًا على الأردن».

الربيع العربي

منذ أسبوعين
10 أسباب تشرح لك كيف تحولت «الثورة السورية» إلى واقع مرير

في وقت ليس ببعيد، وتحديدًا في الخامس من أبريل (نيسان) 2019 ادعت ميليشيا تبدو ظاهريًا موالية للنظام السوري وتطلق على نفسها تسمية «المقاومة الشعبية في المنطقة الشرقية» أنها نفذت هجومًا صاروخيًا على القوات الأمريكية. وفي اليوم التالي، أصدرت ميليشيا «لواء الباقر» التي تعمل تحت قيادة النظام بيانًا أعلنت فيه الجهاد ضد القوات الأمريكية والقوات الحليفة لها في سوريا. وتردد أن للجماعتين علاقات مع إيران: فـ«لواء الباقر» يخضع لتوجيه طهران أكثر من بشار الأسد، في حين يعتقد أن «المقاومة الشعبية» جبهة إيرانية أيضًا. وتشير هاتان الحالتان وغيرهما إلى أن الميليشيات الشيعية الموالية للنظام السوري كما يُطلق عليها تسير بشكل متزايد على خطا الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ مما يطرح تهديدًا أكبر حتى لمصالح الولايات المتحدة وحلفائها.

الأيام القليلة التي سبقت إعلان الولايات المتحدة مقتل قاسم سليماني، وما تلى عملية الاغتيال من أحداث وتطورات، تشير إلى أن الولايات المتحدة عازمة على إنهاء الوجود الإيراني والقضاء على حلم الطريق البري الذي يربط العاصمتين الإيرانية واللبنانية عبر طريق يمر من دمشق، وهو ما يعني أن الأيام المقبلة ستشهد مزيدًا من التوترات والتصعيد المتبادل بين الجانبين الأمريكي والإيراني على الأراضي السورية حتى وإن هدأ الأمر قليلًا مع رياح فيروس «كورونا»؛ ما ينذر بمزيد من التعقيدات في المشهد السوري الذي يقترب من إتمام عامه التاسع على التوالي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد