يشهد ملف الحرب اليمنية تطورات على صعيد الحرب والسياسة، لكن بعيدًا عن مسار هذه التحولات، فإن المدنيين يدفعون، بطرق مباشرة وغير مباشرة، تبعات للحرب الدائرة بين قوات التحالف العربي

يشهد ملف الحرب اليمنية تطورات على صعيد الحرب والسياسة، لكن بعيدًا عن مسار هذه التحولات، فإن المدنيين يدفعون، بطرق مباشرة وغير مباشرة، تبعات للحرب الدائرة بين قوات التحالف العربي، التي تقودها المملكة العربية السعودية من جهة، والحوثيون من جهة أخرى.

وتتنوع الأثمان المدفوعة ما بين انعدام الأمن، وتقييد حركة التنقل والاستهداف الدائم من قبل الجانبين، وأخيرًا بتفشي الأوبئة في البلد الذي يعاني نظامه الصحي مشاكل حتى قبل بدء الحرب.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية بالأمس، الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) 2016 تسجيلَ ثماني حالات لأطفال مصابة بوباء الكوليرا في حي واحد في مدينة صنعاء، تم حجزهم وعلاجهم في مستشفى السبعين وذلك نقلًا عن وزارة الصحة اليمنية، كما ذكر البيان الذي نقلته «بي. بي. سي» ، والذي ذكر معاناة الأطفال من ضعف وجفاف شديدين.

وقالت جولين هارنيس، ممثل منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، إن تفشي الوباء يواجه الأطفال خاصة بخطر أكبر، يضاف إلى الأخطار المحيطة بهم، بخاصة مع انهيار النظام الصحي في البلاد التي وصفها البيان بأنها أفقر دول الشرق الأوسط، ينهار مع استمرار الصراع.

وبحسب اليونيسيف، فهناك 1.5 مليون طفل يعانون سوء التغذية، حالة 370 ألف منهم بالغة السوء، وهو الذي بدأ مع بداية الحملة العسكرية لقوات التحالف بقيادة السعودية في مارس (آذار) 2015 .

وكانت وزارة الصحة، التابعة لقيادة الحوثيين، قد أعلنت في السادس من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، ظهور ثلاث حالات لمرض الكوليرا. وقالت إن الحالات المكتشفة قليلة وتحت السيطرة، إلا أن تطورات الوضع المعلنة بالأمس تشير إلى عكس ذلك.

ويقول عبدالسلام المداني، وكيل الوزارة لقطاع الصحة؛ إن زيادة ملحوظة في حالات الإسهال عن المعتاد، وذلك بحسب بلاغات مكتب الترصد الوبائي بمكتب الصحة بأمانة العاصمة، جعلت فريقًا من المختصين ينتقل للمستشفى للكشف عن الحالات، وهو ما أدى إلى اكتشاف الحالات المصابة، مشيرًا إلى أن حالات الكوليرا المسجلة هذا العام ليست الأولى، بحسب اليمن مونيتور.

ويأتي تفشّي الكوليرا لمشكلة جديدة تواجه معيشة الأطفال في اليمن الذي يعاني صراعًا وحربًا على الأرض ومن السماء، ليكون أطفاله مهددين بالاستهداف والانتهاك بحقهم من قبل قوات التحالف وقوات الحوثيين، فقد أدرج الأمين العام للأمم المتحدة سابقًا، بان كي مون، الحوثيين وقوات التحالف ضمن قائمة سوداء لقتلهما مئات الأطفال في اليمن، بالإضافة إلى تلك المشاكل التي كان يعانيها سلفًا، كونه من أفقر اقتصادات الدول العربية.

الحرب تلاحق المدنيين

الكوليرا ليس الأثر الوحيد الذي يعاني منه اليمنيون أطفالًا وكبارًا من جرّاء الحرب، فتداعيات القصف على اليمن من قبل قوات التحالف والحرب الأهلية لا تتوقف عن التجدد، ففي الأمس، نقلت «بي. بي. سي» عن مسؤول في الأمم المتحدة، أن قوات التحالف شنت ضربة جوية على مجلس عزاء في صنعاء، خلّف أكثر من 140 قتيلًا وأكثر من 500 جريح.

وعلّق جيمي ماجولدريك، ممثل المنظمة في اليمن؛ على الهجوم بأنه «هجوم مرعب»، وقال للصليب الأحمر أن يحضّر 300 كيس لحفظ الجثث، وبينما حمّلت حكومة الحوثيين مسؤولية الهجوم للمملكة العربية السعودية، التي تقود قوات التحالف في ضرباتها ضد الحوثيين منذ مارس (آذار) 2015، نفت السعودية مسؤوليتها.

ويعتقد أن عددًا من المتمردين الحوثيين وقياداتهم قد قتلوا في الغارة الجوية، ويقول مراسل «بي.بي.سي» إن تواجدهم في العزاء يفسر السبب وراء الاستهداف، في الوقت الذي تواجد فيه عدد كبير من المدنيين، بينما تنفي السعودية علاقتها بالضربات الجوية مرجحة وجود «مسببات أخرى» لما حدث.

وليست هذه المرة الوحيدة التي تتهم فيها قوات التحالف بشن غارات على مدنيين، ففي أغسطس (آب) الماضي، طالب الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، بالتحقيق في واقعة استهداف مدرسة يمن بغارة جوية أسفرت عن مقتل عشرة أطفال على الأقل وإصابة آخرين، في الوقت الذي اتهمت فيه الأمم المتحدة التحالف قبل الغارة الجوية على مدرسة باستهداف المدنيين، وهو ما ينفيه التحالف.

وبحسب تقرير صدر عن المركز اليمني للحقوق والتنمية في سبتمبر (أيلول) الماضي حول عدد ضحايا غارات قوات التحالف خلال 560 يومًا من بدئها وصل إلى 29070 قتيلًا وجريحًا، بينهم 2397 طفلًا قد قتلوا، و2201 جرحوا، و1751 قتيلًا من النساء، 1806 من الجرحى نساء، كما دمرت الغارات، بحسب التقرير، 375468 منزلًا، و
620مخزن غذاء، وغيرها من المرافق المدنية.

انهيار النظام الصحي

هذا ويواجه النظام الصحي في اليمن مشاكل قد تؤدي إلى انهياره أو توقفه في ظل الحرب، فقد كشف تقرير «المستجدات الاقتصادية والاجتماعية في اليمن» الصادر عن وزارة التخطيط والتــعاون الدولي في سبتمبر (أيلول) 2015، أن الحـرب المتصاعــدة في البلد أدّت إلى تدمير نحو 54 مرفقًا صحيًا، جزئيًا أو كليًا، منها 25 مستشفى و11 مركزًا صحيًا و11 مستوصفًا في 11 محافظة، ما أثّر بشدة في تقديم الرعاية الطبــيــة للسكّان، بخاصة المحتاجين الى إجراء جراحات فورية في المناطق المتأثّرة بالصراع.

ومن بين تداعيات الصراع على النظام الصحي التي ركّز عليها التقرير الحكومي، إعلان وزارة الصحة العامة والسكان اليمنية أن المرافق الصحية في 11 محافظة غير قادرة على تقديم الرعاية الصحية، وهي أبين وعدن والبيضاء والضالع والجوف وحجة ولحج وصعدة وشبوة وتعز ومأرب، بالإضافة إلى ذكر التقرير أن نحو 25% من المرافق الصحية تعمل بشكل جزئي أو لا تعمل.

وكانت منظمة الصحة العالمية في بداية هذا الشهر قد حذرت أن الحرب سببت آثارًا وصفتها بالكارثية على النظام الصحي، والذي كان يعاني من مشاكل قبل الحرب، وذلك عبر صفحتها على موقع التغريدات القصيرة تويتر، وكانت المنظمة قد قالت في تغريدة سابقة إن 274 مرفقًا صحيًا في 16 محافظة شملها المسح تعرضت لأضرار مادية (69 تضررت كليًا و205 جزئيًا)، بحسب يمن مونيتور.

وحذر المتحدث باسم منظمة الصحة العالمية في أغسطس (آب) 2015، طارق جاسارفيتش؛ من بدء توقف النظام الصحي في اليمن عن العمل، وأن الظروف الحالية تعيق المدنيين من الوصول إلى الرعاية الصحية المنقذة للحياة.

وطلبت منظمة الصحة العالمية 151 مليون دولار أمريكي لتلبية الاحتياجات الصحية للنازحين داخليًا حتى نهاية عام 2015، غير أنها تلقت فقط 23 مليون دولار أمريكي، مما أدى إلى وجود فجوة في تمويل 85%.

وقال جاسارفيتش إن هناك حوالي 15.2 مليون شخص، من بينهم 1.2 مليون من المشردين داخليًا بحاجة إلى الخدمات الصحية والمساعدات المنقذة للحياة في اليمن، وخاصة في عدن، وأبين، وتعز وصعدة.

توافقت هذه التصريحات مع ما قلته منظمة أطباء بلا حدود، في أبريل (نسيان) الماضي، على لسان حسن بوسنين ممثل المنظمة في البلاد، في إطار إعلان جهود المنظمة للمساعدة في الجهود الصحية، يقول بو سنين: «إن أكبر التحديات التي تواجه أطباء بلا حدود في اليمن هي عدم مقدرتنا على توسيع عملنا الطبي في كل المستشفيات في اليمن وتوفير الموارد البشرية اللازمة لتغطية الاحتياج الذي نشأ بسبب الحرب»، مضيفًا أن النظام الصحي في اليمن يحتاج إلى إعادة تأهيل، وهو ما يفوق قدرات المنظمة، بجسب موقع يمنيون.

عرض التعليقات
تحميل المزيد