استخدمت الممالك والإمبراطوريات الشهيرة منذ قديم الزمان حيوانات مختلفة في حروبها مثل الخيول والإبل، لكن أكثرها تأثيرًا وتجهيزًا كان الفيل، ذلك الحيوان الذكي القوي الذي لم يقتصر دوره على نقل المحاربين فحسب، إنما جرى اعتباره جنديًا مقاتلًا في صفوف الجيوش.

ففي حال إذا ما تخيلنا قطيعًا من الفيلة قادم إلى مدينة معينة يضرب الأرض بأرجله، وينشر في الفضاء صوته الجهير، سندرك أثر هذا المشهد في إخافة الطرف الآخر، وبشكل عملي تستطيع الفيلة نقل المعدات الحربية والإمدادات لمسافات طويلة، لكن كيف تحولت الأفيال من العيش في الغابات إلى خوض غمار أعتى المعارك الحربية، هذا ما سنتعرف عليه في رحلة تاريخية ممتعة.

الفيل الحربي: مدرعة حيوانية

مثلها مثل أي معدة حربية خضعت الفيلة الحربية لعمليات تجهيز وتطوير؛ حتى تكون أكثر ملاءمة لأجواء الحروب، فمثلًا كانت ترتدي ملابس عسكرية على هيئة دروع تحمي رؤوسها، إلى جانب إمكانية إضافة غطاء سميك فوق ظهر الفيل يحمي جوانبه، أما الأنياب فوضعت بها شفرات حادة أُطلق عليها سيوف الفيلة، والتي كانت تخترق في طريق الفيل أي شيء يقابله، وأضافت بعض الجيوش السم إلى هذه السيوف لتجعل تأثيرها قاتلًا، وعُلقت على الأفيال الأجراس لتضيف ضوضاء مصاحبة لصوت الفيلة.

عُرف الهنود بمهاراتهم في تجهيز دروع الأفيال التي كانت تشمل قناعًا للوجه يغطي الأذنين والجذع، وجُهزت بثقوب تسمح للعيون بالرؤية بشكل جيد وللأنياب بالبروز، وضم الدرع جسد الفيل نفسه الذي يغطيه حتى ركبتيه، وصُنعت هذه الدروع من مربعات الصلب المنسوج عليها القماش أو الجلد، وفي بعض الأحيان تكون مصنوعة من قماش مُبطن أو جلد دون وجود الصلب.

مترجم: لغز حير العلماء عقودًا.. لماذا لا تصاب الأفيال بالسرطان؟

وتمتلئ المتاحف الموجودة في أرجاء الهند مثل المتحف الوطني في نيودلهي، بنماذج رائعة لدرع الفيل الحربي يظهر عليها الفن والإتقان، فبعضها غُطي بالأحجار الكريمة والمجوهرات، ونُسج قماش بعضها الآخر بالخيوط الذهبية.

تجهيز الفيل الحربي

بالطبع لم يُنسَ حماية الفيل من الأخطار التي قد يتعرض لها أثناء المعركة، فقد كان هناك فريق صغير من المشاة لحماية أرجله من الاستهداف، لأنه إذا ما جُرح الفيل فهذا يعني انفجار قنبلة مدمرة؛ فلا يمكن التنبؤ بما سيفعله والأضرار التي سيوقعها في الجانبين، لذلك كان هناك تصرف متعارف عليه في حال إذا ما جُرح الفيل الحربي، وهو استخدام مسمار معدني ومطرقة لاختراق دماغه وقتله فورًا.

أما التأثير الأساسي للفيلة في الحرب يعد تأثيرًا نفسيًا، فهذه الوحوش الضخمة كانت تخيف الجنود والخيول، وحتى رائحتها يمكن أن تدفع الخيول غير المستعدة إلى التدافع، وكانت تستخدم كذلك لإخافة الفيلة في الصفوف المعارضة، وتمتعت بالقدرة على تدمير أي أعمال ميدانية دفاعية بتحطيمها وسحقها، فالفيل الحربي يوصف بأنه كرة مدمرة متحركة يبلغ متوسط ارتفاعها مترين ونصف ووزنها ما يقارب من خمسة أطنان، تسير بسرعة تصل إلى 16 كم/ ساعة.

البداية كانت في معركة حربية هُزمت فيها الفيلة

بدأ استخدام الفيلة من جانب البشر منذ ما يقرب من 4 آلاف عام في الهند، إذ قامت الأفيال هناك بأعمال زراعية مثل إزالة الأشجار وتمهيد الأراضي سواء للبناء أو للزراعة، وأظهرت في هذه المهام قابلية للتدريب والطاعة إلى جانب قوة غير عادية؛ لذا يمكن القول إن تلك البداية الجيدة كانت مؤشرًا لاحتمالية دمج الفيلة في المعارك الحربية.

ولم تكن جميع الفيلة تصلح للاستخدام العسكري، فالذكور مثلًا هي المفضلة عن الإناث؛ وذلك لعدوانيتها الفطرية، ومن المعلومات المثيرة للاهتمام عن الفيلة الإناث أنها تميل إلى التراجع عندما تواجه فيلًا كبيرًا في السن من الذكور، وهو بالطبع أمر غير مرغوب في ساحة المعركة، ويُثبت لنا من ناحية أخرى التقارب الكبير بين مجتمعات الفيلة والبشر.

رقيق ويحترم كبار السن.. رحلة للتعرف إلى الفيل أكثر الحيوانات إثارة لتعاطف البشر

وقد تنوعت طرق نصب فخاخ الأفيال ومن أكثرها إبداعًا ما فعله سكان وادي إندوس في الهند، بحفرهم خندقًا مائيًا يضعون عليه جسرًا يصل إلى جزيرة ترابية، تُجمع فيها فيلة إناث ينجذب إلى رائحتها الذكور، فيذهبون إليها وبمجرد وصولهم إلى الجزيرة يُزال الجسر، ويُحتجزون تمهيدًا لاستخدامهم في الحروب.

وأهم عناصر الجذب بالنسبة للفيلة الحربية الحجم الذي يختلف من نوع إلى آخر، فطول فيل السافانا الأفريقي يبلغ 10 أقدام، بينما أفيال شمال أفريقيا تكون أصغر قليلًا من أفيال الغابات بطولها البالغ ثمانية أقدام، وإذا ما ذهبنا إلى آسيا سنجد أن طول الفيل يتراوح بين سبعة إلى 12 قدمًا، لكن الحجم لم يكن دائمًا كافيًا للانتصار فالاستراتيجية الموضوعة للمعركة وطريقة تدريب الفيلة تلعب دورًا مؤثرًا.

الفيلة الحربية في إحدى المعارك

تعد معركة جوجميلا أول معركة حربية مُسجلة في المراجع التاريخية لاستخدام الفيلة العسكري، وقد وقعت عام 331 قبل الميلاد في شمال العراق بين الإسكندر الأكبر والزعيم الفارسي داريوس الثالث، وانضم فيها حوالي 15 فيل من الأفيال الآسيوية إلى صفوف داريوس، وكان المنطقي أن يفزع جنود الإسكندر لتلك المخلوقات الضخمة التي اقتحمت ميدان المعركة، إلا أن ذلك لم يحدث وكان الانتصار حليف الإسكندر نتيجة تكتيكاته الحربية الذكية، واستفاد درسًا لا يُنسى من استحداث الفيلة سلاحًا حربيًا، لذلك ضم لاحقًا حوالي 100 فيل حربي إلى جيشه.

استخدمت في حروب ما قبل وبعد الميلاد

تأتي الفيلة التي استخدمها القائد القرطاجي هانيبال في مقدمة الفيلة الحربية وأقدمهًا أيضًا، فقد خاضت غمار الحرب البونيقية الثانية التي دارت بين عامي 218 و202 ق.م، لكن رغم شهرتها فالكثير من المصادر التاريخية تبالغ في دورها، إذ أن معظمها مات أثناء عبور جبال الألب المتجمدة ولم يبق منها سوى عدد قليل، ووجودها لم يكن إيجابيًا سوى في معركة نهر تريبيا أول المعارك التي دارت في الحرب المذكورة، فلاحقًا في المعركة النهائية أحضر الرومان أبواقًا لترويع الأفيال مما أدى إلى تراجعها ودخولها مرة أخرى في صفوف الجيش القرطاجي، وهو ما كان سببًا رئيسيًا في هزيمة هانيبال للحرب عام 202 ق.م.

من أجل متعة الصيد.. هل سيحرم ترامب البشر قريبًا من تبادل صور الفيلة اللطيفة؟

بالطبع لا يمكن نسيان حادثة عام الفيل باعتبارها من أهم الحوادث التي شاركت فيها الفيلة ضمن الجيوش المقاتلة، وتعود تفاصيلها إلى عام 570 ميلادية عندما حاول أبرهة الحبشي حاكم اليمن آنذاك تدمير الكعبة؛ بهدف إجبار العرب وقريش على الذهاب إلى كنيسته التي بناها في اليمن، بعدما دعاهم إلى زيارتها فلم يهتموا بدعوته مما أشعل غضبه وأدى لخروجه بجيش عظيم ضمن قواته فيلة ضخمة الحجم، وعندما اقترب من مكة هرب أهلها إلى الجبال خوفًا من أبرهة وجنوده، مما دفعه لسؤال عبدالمطلب جد الرسول محمد عن سبب انصرافهم عن الدفاع عن الكعبة فأخبره بأنها لها رب يحميها، وقد ظهر ذلك عندما رفضت الفيلة التقدم نحو الكعبة بقيادة الفيل محمود الذي يعتبر من أشهر الفيلة في السير وكتب التاريخ.

الفيلة في الحرب البونيقية الثانية

من الحروب التي شاركت فيها الفيلة أيضًا حرب سلطنة دلهي ضد الإمبراطورية المغولية بقيادة تيمور خان عام 1398 ميلاديًا والتي انتهت بهزيمة الجيش الهندي، وحتى اليوم تتعدد الأقاويل عن كيفية تمكن تيمور خان من مواجهة 120 فيلًا حربيًا، لكن أبرز الأساطير تؤكد أنه وضع خطة محكمة من خلال تحميل الجمال بأكبر قدر ممكن من الخشب والتبن، وعندما تهم الفيلة بالهجوم يُضرم الجنود النار في القش ويضربون الجمال بعصي حديدية، فيجعلها ذلك تركض بسرعة في وجه الأفيال، التي أُصيبت بالذعر وسحقت الكثير من الجنود الهنود نتيجة الفوضى التي عمت أجواء المعركة.

لم تكن هذه آخر المعارك التي ساهمت فيها الفيلة الحربية؛ فقد استمرت في الوجود إلى جانب الجنود حتى زمن قريب، ومن ذلك اعتماد بريطانيا على الفيلة في تكوين جيوشها الاستعمارية، ومنها جيش شركة الهند الشرقية البريطانية الذي ضم 1500 فيل حربي، ساهموا في حمل القوات البريطانية وإمداداتها خلال تمرد سيبوي عام 1857، وبعد مرور سنوات كثيرة استخدم المسلحون الأفيال لنقل الإمدادات والجنود عبر الغابات خلال حرب فيتنام التي دارت من عام 1955 إلى 1975.

لوحات الغوريلا كوكو مقابل 350 دولار.. حيوانات فنانة ترسم وتنحت وتعزف الموسيقى

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!