غموض يكتنف المشهد في قطاع غزة، رغم وجود مؤشرات عدة تذهب نحو تطويق التصعيد، وعدم الانجرار نحو حرب مفتوحة مقابل توقعات محدودة بعدوان إسرائيلي قوي.

فالليلة الماضية كانت قاسية على غزة عندما اختلطت أصوات الرعد والمطر مع القصف الإسرائيلي الذي نال من عدة مواقع للمقاومة في شمال وجنوب القطاع، وجاء ذلك ردًّا على قيام “سرايا القدس”، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، بقصف أكثر من 130 صاروخًا وقذيفة على مستوطنات إسرائيلية محاذية لقطاع غزة، الجهاد الإسلامي التي أطلقت على هذه العملية اسم “كسر الصمت”، وقالت إنها جاءت في سياق الرد الأولي على جرائم العدو الصهيوني في الضفة المحتلة وقطاع غزة والتي كان آخرها اغتيال ثلاثة من مجاهدي سرايا القدس شرق خان يونس الإثنين الماضي.

وأكدت سرايا القدس أن لديها خطة كاملة بالتوافق مع فصائل المقاومة على كيفية توسيع الرد على العدوان الإسرائيلي في حال تصاعده، بحيث إن هذه العملية ستبقى مستمرة متى استمر العدوان، وهي العملية التي ستأخذ أشكالاً جديدة حسب ما ذكره بيان سرايا القدس.


الموقف الإسرائيلي

الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، حمّل – في تصريح عبر صفحته على “تويتر” – حركة “حماس” مسئولية إطلاق الصواريخ من قطاع غزة، وقال: “إنه رغم أن التقييمات تشير إلى أن الجهاد الإسلامي يقف خلف إطلاقها إلا أن حماس بصفتها الجهة المسيطرة في القطاع تتحمل كامل المسئولية عما يجري في قطاع غزة وتداعياته”.

وبحسب مصادر عسكرية في دولة الاحتلال فإنه ليس لدى الاحتلال نية للتوجه إلى تنفيذ حملة عسكرية على غرار عملية عمود السحاب, وإنما من الممكن توجيه ضربة مؤلمة بشكل محدود كما قالت تلك المصادر, أما قائد المنطقة الجنوبية في دولة الاحتلال فقال: “ليس لدينا نية لضبط النفس تجاه أي عملية إطلاق صواريخ من غزة”, واصفًا عملية إطلاق الصواريخ الأخطر منذ انتهاء عملية عمود السحاب.


عودة للتهدئة

ورغم أن كل الاحتمالات واردة إلا أن طبيعة الرد الذي نفذته المقاومة ممثلة في سرايا القدس هو رد محسوب، وكذلك رد الاحتلال الذي ركز حتى الآن على مواقع للمقاومة خالية بلا إصابات، أي أن الطرفين يمارسان تصعيدًا مدروسًا ومحدودًا، فتقديرات الخبراء تقول إن المواجهة ستكون محدودة إلا إذا سعت إسرائيل لاغتيال النشطاء والقادة الفلسطينيين.

وطالما أن كتائب القسام وحماس لم تعلنا الهجوم على الاحتلال، فإن دولة الاحتلال أيضًا غير معنية بفتح حرب شاملة مع غزة، رغم تهديدات ليبرمان بإعادة احتلال قطاع غزة.

وكانت حكومة غزة قد قالت إن الفصائل الفلسطينية الحريصة على مصلحة الشعب تلتزم الآن بالتهدئة مع الاستعداد للرد على أي اعتداء إسرائيلي، أما الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي، زياد النخالة، فقال: “إن المقاومة وقعت على اتفاق وقف إطلاق نار وليس على استسلام وستُظهِر قدراتها الصاروخية في وجه العدو”.

رد محدود

الكثير من المحللين والمراقبين يرون أن الأمور ستبقى في مجال الشد والجذب دون أن تتطور إلى أبعد من ذلك طالما لم تحدث هناك أضرار في المنشآت والأرواح والكوارث الإنسانية التي من شأنها أن تغير مسار التصعيد وتقلبه إلى حرب مفتوحة.

ويتوقع الكاتب والمحلل السياسي، هاني حبيب، أن يكون التصعيد الإسرائيلي محدودًا طالما بَقيَ مستوى القصف بهذا المستوى دون إحداث أي كوارث في الأرواح أو البنايات والمنشآت، وقد ينحصر القصف في تصعيد إسرائيلي محدود، مضيفًا أن الأمور في قطاع غزة ليست بحاجة إلى حالة حرب واسعة قد تؤدي إلى كوارث إنسانية .

أما على الجانب الإسرائيلي، فقد قالت مراسلة الإذاعة الإسرائيلية للشئون السياسية: “إن هناك ثلاث احتمالات للرد, الأول: هو عدم الرد على الهجمات والاكتفاء بالقول إنها جاءت ردًّا على عملية الاغتيال لقادة الجهاد, والثاني: هو القيام برد موضعي يضمن عدم جر المنطقة للتصعيد طالما بقيت الأحداث عند هذا المستوى, والثالث: أن إسرائيل ستضطر إلى رد قوي وغير مسبوق إذا استمرت الأحداث بالتصاعد”.


عدوان كبير

في ظل الأزمة التي تعيشها دولة الاحتلال الإسرائيلي وخصوصًا تهديدات الأحزاب اليمينية بالانسحاب من الائتلاف وإفشال الحكومة، يتوقع محللون سياسيون آخرون، أن دولة الاحتلال ستسعى للبحث عن مخرج من خلال ملف غزة لإخراجها من لعبة المفاوضات وتحميل المسئولية الكاملة للسلطة الوطنية الفلسطينية في إفشالها لتتجنب الإحراج أمام المجتمع الدولي.

ويؤكد المحلل السياسي والباحث في الشأن الإسرائيلي، توفيق أبو شومر، أن دولة الاحتلال تعتبر ملف غزة ملفًا وظيفيًّا بالنسبة لها، وقد تستخدمه لعدة مناحي أهمها إفشال المفاوضات والضغط على المفاوض الفلسطيني، وجعل غزة كيانًا إرهابيًّا كما تدّعي إسرائيل بأنه يطلق الصواريخ على المستوطنين الآمنين.

وأكد أبو شومر أنه لا يستبعد أن تستخدم إسرائيل ملف غزة وتستدرج بعض الفصائل لعملية عسكرية كبيرة على قطاع غزة من خلال القصف المتبادل, الأمر الذي سيرفض فيه الفلسطينيون المفاوضات كليًّا وسيطالبون السلطة الوطنية الفلسطينية بقطع المفاوضات مع الإسرائيليين، وبهذا تخرج إسرائيل خارج اللعبة وبدون إحراج مع المجتمع الدولي، وحينها سيُعلّن للعالم أجمع أن السلطة الفلسطينية هي من رفضت المفاوضات ..



عرض التعليقات
تحميل المزيد