ما إن وضعت الحرب أوزارها في غزة وهدأ صوت الرصاص، بالتزامن مع اتفاق وقف إطلاق النار الذي توصل إليه الجانبان الإسرائيلي والفلسطيني، و الذي شهد نهاية لعملية الجرف الصامد، وإرجاء مناقشة بعض الملفات العالقة كالميناء البحري والمطار، حتى برزت العديد من التساؤلات إزاء مواقف كافة الأطراف على الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، خاصة ما يتعلق منها بحسابات المكسب والخسارة جراء هذه الحرب التي اندلعت وخلفت وراءها أكثر من 2100 قتيلًا فلسطينيًا، و70 قتيلًا إسرائيليًا، بخلاف الدمار الذي أصاب البنية التحتية في قطاع غزة، والشلل الذي أصاب قطاعات الحياة في ذات القطاع.

صحيفة فايننشال تايمز رصدت في مقال لها، نشر في السابع والعشرين من شهر أغسطس للكاتب جون ريد، الأطراف التي دعتها بالأطراف الرابحة من حرب غزة، وتلك التي خسرت جراء هذه الحرب، و التي وصفتها بأكثر الحملات الدموية على قطاع غزة منذ عام 2009.

اولًا: الرابحون

حماس

Palestinians take part in the grand celebrations organized by the Hamas movement on the occasion of what it calls its victory over Israel after 8 weeks of fighting in Gaza . ( Ahmed Hjazy )

 

عانت حركة المقاومة الإسلامية وقبل عملية الجرف الصامد كثيرًا من مأساة العزلة السياسية، وحالة الإفلاس الاقتصادي التي بدت واضحة في عجزها عن دفع الرواتب الشهرية للموظفين المدنيين، وهو ما دفعها اضطرارًا آنذاك إلى المصالحة مع العدو اللدود لها وهي حركة فتح. وعليه، فقد فتحت الحرب الأخيرة في غزة المجال واسعًا أمام الحركة لتصدر المشهد من جديد، خاصة مع نجاحها في مجابهة الجيش الإسرائيلي، أحد أفضل الجيوش النظامية في العالم، بفضل الصواريخ التي دأبت الحركة على إطلاقها، والتي بثت الرعب والهلع في جميع أنحاء إسرائيل، ودفعت المواطنين الإسرائيليين إلى الالتجاء إلى المخابئ، ناهيك عن توقف الرحلات الجوية في مطار بن جوريون على مدار يومين خلال شهر يوليو الماضي.

وعلى الرغم مما تعرضت له ترسانة حماس للصواريخ من دمار، وهدم العديد من الأنفاق، إلا أن اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل كان بمثابة النصر الذي حققته الحركة في نظر مؤيديها. فحماس لا زالت قادرة على إطلاق الصواريخ تجاه البلدات الإسرائيلية، كما هو الحال مع موقفها عقب عملية عامود السحاب التي شنها الجيش الإسرائيلي على قطاع غزة في عام 2012. كما أنه لا توجد أية دلائل على ضعف التأييد الذي تتمتع به الحركة بين قاطني قطاع غزة في الوقت الراهن.

اليمين الإسرائيلي

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

 

في الوقت الذي بدأت فيه العمليات العسكرية في غزة، شرعت الأطراف المنافسة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نيتنياهو في شن حملة دعائية ضده أقرب ما تكون إلى الحملات الانتخابية. وتركزت هذه الحملات على انتقادات واسعة لنيتنياهو في ظل مطالب ودعوات بضرورة اتخاذ مواقف أكثر صرامة من قبل الحكومة الإسرائيلية ضد حماس. وهي الدعوات التي أطلقها أفيجدور ليبرمان، وزير الخارجية القومي المتطرف، والذي طالب بإعادة احتلال غزة، وصولًا إلى دعوات بإنهاء المحادثات مع حماس باعتبارها منظمة إرهابية من قبل نفتالي بينيت، وزير الاقتصاد الإسرائيلي، وكان من بين الوزراء  الذين دعوا من قبل دائرة نتنياهو الداخلية من مستشاري الأمن للتصويت على اقتراح وقف إطلاق النار يوم الثلاثاء.

ومع افتراض صحة استطلاعات الرأي، فإن عملية الجرف الصامد قد كشفت بدورها عن النهج المتشدد الذي باتت تتبناه الغالبية العظمى من الإسرائيليين تجاه دول الجوار العربية، خاصة حينما يتعلق الأمر بالقضايا الأمنية، وهو ما يشي باتجاه المزيد من الأصوات ناحية اليمين المتطرف مع الانتخابات الإسرائيلية المقبلة.

نظام القبة الحديدية

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

 

كشفت عملية الجرف الصامد عن مدى ما يتمتع به نظام القبة الحديدية، الذي يتم تمويله من قبل الولايات المتحدة، من رصيد استراتيجي قادر على تغيير قواعد اللعبة. وبالرغم من أن الصواريخ التي أطلقتها حماس وغيرها من الجماعات المقاتلة في غزة قد تجاوزت 4600 صاروخًا، إلا أن هذه الصواريخ والتي استهدفت البلدات الإسرائيلية بما فيها العاصمة تل أبيب، لم تسفر إلا عن مقتل ستة من المدنيين في المناطق المحاذية لقطاع غزة.

ووفقًا لسلاح الجو الإسرائيلي، تجاوزت نسبة نجاح النظام الدفاعي الصاروخي 90%، وهو ما دفع شركة رافائيل، وهي الشركة التي تتولى مهمة صناعة القبة الحديدية، إلى القول بأن هناك المزيد من الاهتمام بمنتجات الشركة بشكل خاص في أعقاب الجرف الصامد، وسط تكهنات بأن يستقطب النظام الدفاعي عملاء في أماكن تخضع لتهديد الصواريخ قصيرة المدى مثل كوريا الجنوبية، أو دول أوروبا الوسطى.

ثانيًا: الخاسرون

بنيامين نيتنياهو

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

 

علىالرغم من الدعم الكبير الذي تلقاه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نيتنياهو مع انطلاق الشراراة الأولى لحرب غزة، والذي بلغ ذروته شعبيًا بالتوازي مع إرسال القوات البرية إلى قطاع غزة لتدمير الأنفاق، سواء كان هذا الدعم موجة لنيتنياهو شخصيًا أو لأهداف العمليات العسكرية التي تمثلت في كسر شوكة حماس، ووقف إطلاق الصواريخ من غزة، غير أنه وبعد مرور سبعة أسابيع من الحرب البرية، انقلب السحر على الساحر مع تصاعد حدة الانتقادات التي واجهها نيتنياهو من كافة ألوان الطيف السياسي في البلاد، نظرًا لاتفاقيات وقف إطلاق النار المتتالية. وبلغت ردود الفعل المناوئة لرئيس الوزراء ذروتها في مناطق جنوب إسرائيل التي تعرضت لوابل عنيف من الصواريخ، وهو ما دفع البعض من الخبراء في إسرائيل إلى القول بأن الجرف الصامد شكلت البدايات الأولى للحملات الانتخابية في إسرائيل.

محمود عباس

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

 

لا يزال بإمكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس أن ينضم لكتيبة الرابحين في حرب غزة فقط إذا نجح في الدفع بمشروع المصالحة مع حماس نحو الأمام، مع إجراء انتخابات لتنصيب حكومة وحدة وطنية في كل من الضفة وقطاع غزة. ورغم محاولات الرجل لتقمص شخصية رجل الدولة خلال الصراع، وإعلانه عن اتفاق وقف إطلاق النار في خطاب متلفز، إلا أن ذلك لا يحول دون التأكيد على أنه وفي كثير من الأحيان، بدت مواقف عباس ورفقائه في الضفة الغربية هامشية إذا ما قورنت بمواقف شعب غزة وقادة حماس الذين بذلوا من دمائهم الكثير. ويبقى أن نشير إلى أن الأشهر المقبلة ستكشف عن مدى قدرة عباس على امتلاك اليد العليا في فلسطين، خاصة في ظل مشاعر الإحباط التي تنتاب الشعب الفلسطيني بالتزامن مع العراقيل الإسرائيلية لعملية السلام، والآفاق الاقتصادية السيئة. كما أن الاحتفالات الصاخبة التي شهدتها القدس الشرقية المحتلة عقب الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار كشفت عما تحظى به استراتيجية حماس للكفاح المسلح من تأييد واسع خارج غزة.

الولايات المتحدة

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

 

لم يكن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري يومًا ما شخصية محبوبة في إسرائيل، حتى أن مشاعر الكراهية تجاه الرجل تضاعفت في أعقاب عملية الجرف الصامد التي شهدت حملات انتقاد واسعه ضده على خلفية الجهود التي بذلها لإنفاذ مبادرة وقف إطلاق النار التي كانت قد تبنتها كل من قطر وتركيا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد