وفي هذا التقرير نسلط الضوء على أبرز الفرص الضائعة على الثورة السورية، وكيف صب وجود تنظيم الدولة في بشكل مباشر أو غير مباشر في مصلحة الأسد، وبالأخص عندما انشغل المجتمع الدولي بمواجهة عسكرية مع التنظيم لا الأسد من خلال تسليط الضوء على المواقف العربية والدولية تجاه الأزمة السورية وكيف كانت وكيف أصبحت بالخص بعد ظهور التنظيم:

مرور الوقت تتأزم الأوضاع الإنسانية في سوريا منذ اندلاع الثورة في 2011، ويبدو أن التخلص من نظام بشار الأسد أضحى أكثر صعوبة، وتضيع الفرص على الثورة السورية، وتواجد تنظيم الدولة في سوريا يغير من المعادلة، ليركز المجتمع الدولي على مواجهته عسكريا بدلا من مواجهة الأسد ونظامه، ويكتفي معارضو الأسد من الأطراف الدولية بمعارضته إعلاميا وسياسيا واستشاريا وتدريبيا وربما ماديا دون مواجهة عسكرية حقيقية للأسد أو مليشياته.

وفي هذا التقرير نسلط الضوء على أبرز الفرص الضائعة على الثورة السورية، وكيف صب وجود تنظيم الدولة في بشكل مباشر أو غير مباشر في مصلحة الأسد، وبالأخص عندما انشغل المجتمع الدولي بمواجهة عسكرية مع التنظيم لا الأسد من خلال تسليط الضوء على المواقف العربية والدولية تجاه الأزمة السورية وكيف كانت وكيف أصبحت بالأخص بعد ظهور التنظيم:

(1) مصر.. إسقاط مرسي وصعود السيسي

Egyptian President Mohamed Morsi gives a press conference following a meeting with the German Chancellor at the Chancellery in Berlin on January 30, 2013. Morsi's visit will focus on bilateral cooperation as well as the situation in Egypt, where almost a week of violence has left more than 50 people dead, Egypt's official news agency MENA said. AFP PHOTO / ODD ANDERSEN (Photo credit should read ODD ANDERSEN/AFP/Getty Images)

«نحن مع الشعب السوري وضد حاكمها الذي يقتل الأطفال والشيوخ ويغتصب النساء.. الشعب السوري ينادينا ونحن نقول له لبيك يا سوريا، ولن يغمض لنا جفن ولن تستقر أجسادنا في مضاجعها حتى نرى السوريين الأحرار يقيمون دولتهم الموحدة على ترابها».

كلمات صاح به الرئيس المصرئ السابق محمد مرسي في 15 يونيو 2013 وعلم الثورة السورية مرفوع وراءه، معلنا بوضوح الموقف المصري المعادي لنظام الأسد والمؤيد للثورة القائمة ضده، في مؤتمر جاء تحت عنوان “الأمة المصرية في دعم الشعب السوري” وأكد مرسي في خطابه: “نحن ضد النظام الحالي في سوريا ولا مجال لوجوده بعد كل ما ارتكبه من جرائم ضد شعبه.. ونحن مع مبدأ الحفاظ على وحدة الأرض السورية، وضد تقسيمها. وضد التدخل الأجنبي سياسيا كان أو عسكريا”، منتقدا دور حزب الله في دعم الأسد داخل سوريا، وتعدى الموقف المصري المعادي للأسد مجرد التصريحات ليصل إلى إعلان مرسي يومها قطع العلاقات الدبلوماسية مع الأسد بإغلاق السفارة السورية بالقاهرة واستدعاء القائم بالأعمال المصري في دمشق.

ربما لم يتطور الموقف الإعلامي المصري الداعم للثورة السورية في عهد مرسي إلى تحركات حقيقية .. لكن مجرد الدعم السياسي المصري لم يستمر طويلا، فبعد أقل من 20 يوم عزل الجيش مرسي في بيان 3 يوليو بعد احتجاجات شعبية ضخمة مناهضة لمرسي بدأت منذ 30 يونيو، وفي 7 يوليو 2013 أعادت مصر علاقتها الدبلوماسية مع سوريا وفتحت سفارات البلدين مرة أخرى.
وبدلا من انشغال مصر بمواجهة الأسد أعادت العلاقات الدبلوماسية معه، وارتكز الاهتمام المصري عقب بيان 3 يوليو 2013 بمحاربة “التنظيمات الإرهابية” مقتربة من موقف روسيا أقوى حليف دولي للأسد، وهو تقارب بدا جليا في قمة الدول العربية التي استعان فيها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي برسالة الرئيس فلادمير بوتين حول رأيه في الأزمة السورية، وفكرة الحل السياسي الذي يتضمن الأسد والذي يقدم محاربة “التنظيمات الإرهابية” على مواجهة الأسد.

(2) السعودية .. تحالف إسلامي لمحاربة الإرهاب

«روسيا سلحت النظام السوري الذي يفتك بشعبه، وهذا النظام فقد شرعيته، وروسيا تتحمل مسؤولية كبيرة في مأساة الشعب السوري، روسيا تقترح حلولا سلمية وهي مستمرة بتسليح النظام السوري».

هكذا رد وزير الخارجية السعودي السابق سعود الفيصل بغضب على رسالة بوتين التي استعان السيسي بها، موضحا الموقف السعودي تجاه سوريا، وبالفعل تعارض السعودية بوضوح نظام بشار الأسد دبلوماسيا، وكاد الأمر أن يصل لمواجهة عسكرية فبعد وصول الملك سلمان لحكم السعودية أعلن سعيه لتكوين تحالف “سني” ل”مواجهة الخطر الشيعي المتزايد في المنطقة بالإضافة إلى مواجهة تنظيم الدولة”، وحولت السعودية بعض آمالها على أرض الواقع بتدخل عسكري عربي سني لمحاربة “الحوثيين” الشيعة في اليمن وهو ما لم يحدث في سوريا.

خلال الأشهر الأخيرة تزايدت الضغوط الدولية على المملكة العربية السعودية لتركيز أولوياتها نحو محاربة تنظيم الدولة الإسلامية بدلا من التركيز على دعم الفصائل المناهضة للأسد. مؤخرا أعلنت السعودية عن تشكيل “تحالف إسلامي عسكري” يتكون من 34 دولة إسلامية لمحاربة “الإرهاب” “انطلاقًا من أحكام اتفاقية منظمة التعاون الإسلامي لمكافحة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره، والقضاء على أهدافه ومسبباته، وأداءً لواجب حماية الأمة من شرور كل الجماعات والتنظيمات الإرهابية المسلحة، مهما كان مذهبها وتسميتها، والتي تعيث في الأرض قتلا وفسادًا، وتهدف إلى ترويع الآمنين”، بحسب البيان الرسمي.

وأفاد الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد السعودي وزير الدفاع أن” التحالف الجديد لا يستهدف تنظيم الدولة الإسلامية فقط، بل سيحارب الظاهرة في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي”، مؤكدا استهداف التحالف لمحاربة الإرهاب في سوريا “بالتنسيق مع الشرعية في هذا المكان والمجتمع الدولي”، وهنا مربط الفرس فمع وجود خلاف دولي في تحديد “الشرعية” في سوريا، يتوحد المجتمع الدولي بأكمله في محاربة تنظيم الدولة هناك، وهو ما قد يشير إلى أن التحالف الإسلامي إذا ما شارك عسكريا في سوريا سيواجه “تنظيم الدولة” وليس الأسد، وما يدعم ذلك أيضا أن المملكة نفسها تشارك في “التحالف الدولي” الذي تقوده أمريكا ويواجه تنظيم الدولة هناك.

ليس من الواضح أن المملكة العربية السعودية قد غيرت من مواقفها تجاه المطالبة برحيل الرئيس السوري بشار الأسد، إلا أن المؤكد أنها صارت تخضع لضغوط أكبر من أجل صرف جزء كبير من حربها ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ومع التحول في المواقف الدولية التي صارت أكثر “ليونة” تجاه الأسد مع صعود تنظيم الدولة ثم التدخل لروسي في سوريا، فإن المملكة ربما تجبر على تقديم بعض التنازلات في مواقفها أيضا.

(3) بريطانيا ترفض محاربة الأسد وتقبل مواجهة “التنظيم”

بعد استخدام نظام الأسد السلاح الكيماوي في قتل شعبه، أُثيرت ضجة دولية تنتقد استخدام بشار للكيماوي وترددت عبارات الإدانة والانتقاد باستخدامه الأسلحة الكيماوية المحرمة دوليا، ولم يتعد الغضب الدولي التصريحات الإعلامية والدبلوماسية دون اتخاذ اجراءات عسكرية في مواجة الأسد، فيما عدا بريطانيا التي اتخذ رئيس وزرائها ديفيد كاميرون قرارا بمواجهة الأسد عسكريا في 2013 ولكن البرلمان البريطاني رفض آنذاك.

وفي ديسمبر 2015، وافق البرلمان البريطاني على قرار الحكومة البريطانية في المشاركة في الهجمات الجوية الموجهة ضد تنظيم الدولة بالداخل السوري، وقد كان هذا القرار محل جدل بالداخل البريطاني ولكن ساعد بريطانيا على اتخاذ ذلك القرار هجمات باريس التي تبناها تنظيم الدولة، وبعدما كان كاميرون يرى ضرورة رحيل الأسد “فورا” إلى قبول بلاده بقاء الأسد لفترة غير طويلة.

(4)أمريكا من رحيل الأسد فورا إلى الإشادة بالدور السياسي الروسي!

«على بشار الأسد أن يرحل فورا»

تصريح تردد على ألسنة المسؤولين الأمريكيين منذ بداية الأزمة وهكذا كان الموقف السياسي وأكد الرئيس الأمريكي باراك أوباما سلفا بضرورة رحيل الأسد للتخلص من تنظيم الدولة، وعلى الأرض السورية تركز أمريكا ضرباتها لمواجهة تنظيم الدولة لا الأسد أو حلفائه من المليشيات المسلحة، من خلال التحالف الدولي الذي تقوده أمريكا وتشارك فيه عدد من الدول العربية، وهي: السعودية، والأردن، والإمارات، وقطر، والبحرين، ذلك التحالف الذي بدأ غاراته الجوية في 23 سبتمبر 2014 لتبلغ عدد غاراته منذ ذلك التاريخ حتى نهاية نوفمبر المنصرم 2944 غارة جوية في سوريا، ونفذت أمريكا أكثر من95 % من تلك الغارات، وأسفرت الغارات حتى نهاية نوفمبر – بحسب المرصد لحقوق الإنسان – عن مقتل ما لا يقل عن 3952 شخص، بينهم 250 مدنيا، منهم 66 طفلا دون سن الـ 18، بالإضافة إلى 136 مقاتلا من جبهة النصرة، و10 مقاتلين من جيش السنة، وكان لتنظيم الدولة الحظ الأوفر من قتلى تلك الهجمات بـ 3547 قتيلا على الأقل من عناصر التنظيم، فضلا عن مقتل قيادي في التنظيم هو وزوجته و4 من أطفاله، ومعتقل كان في أيدي التنظيم.

ويبدو أن الموقف الأمريكي شهد تراجعا نسبيا في قضية الأسد الذي ترى ضرورة رحيله دون التمسك ب”فورية” رحيله كما أشادت أمريكا مؤخرا بالدور السياسي لروسيا – حليف الأسد الأقوى – بوصفه ب”البناء” منتقدة التدخل العسكري، كما أن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف لفت إلى “أن واشنطن أصبحت تدرك أن الإرهاب في الشرق الأوسط أخطر بكثير من الرئيس السوري بشار الأسد، ومما كان عليه الرئيس العراقي الراحل صدام حسين والعقيد الليبي الراحل معمر القذافي”. وهو أمر لم تعلنه أمريكا بشكل رسمي، ولكنه لو صدق لأظهر مدى اقتراب أمريكا من الموقف الروسي تجاه الأسد كما أن ذلك يدعمه محاربة أمريكا للتنظيم عسكريا دون مواجهة مماثلة مع الأسد!

(5) روسيا كانت ستتخلى عن الأسد في 2012!

«السفير الروسي بالأمم المتحدة فيتالي تشوركين اقترح عدم تزويد المعارضة بالأسلحة، وفتح حوار بين المعارضة والحكومة السورية يفضي إلى خروج لائق للرئيس السوري بشار الأسد».

هكذا كشف الرئيس الفنلندي السابق مارتي أتيساري -الحائز على جائزة نوبل للسلام عام 2008 – تفاصيل محادثة دارت بينه وبين السفير الروسي في إطار مقابلة أجراها مع سفراء الدول الأعضاء بمجلس الأمن عام 2012، ويقول “مارتي” أنه نقل ذلك الاقتراح لدول أمريكا وبريطانيا وفرنسا ولكن لم يصدر عنهم أي ردود فعل رسمية بهذا الخصوص، لافتا إلى أن “حكومات هذه الدول كانت واثقة من سقوط نظام الرئيس بشار الأسد، ولم تعتقد أنه من الضروري البحث عن تسوية سياسية آنذاك”.

ورفض السفير الروسي “فيتالي” التعليق على هذا الأمر مشيرا أن الأمر كان يتعلق ب”محادثة خاصة”، كما لم تصدر أي تصريحات رسمية من سفراء الدول التي ذكرها “مارتي” ولكن أفادت مصادر مقربة منها برفض المعارضة السورية لذلك الاقتراح.

“من الصعب تصديق أن تشوركين كان يتحدث بلسان موسكو، وحتى لو سمعت تصريحا رسميا من الرئيس فلاديمير بوتين بشأن هذا الحل المقترح، فأعتقد أن الأمر لن يكون سوى مناورة تهدف إلى الحفاظ على الأسد وتعويضه بقائد من النظام نفسه”.

هكذا علق السفير البريطاني السابق في الرياض جون جينكينز على ما كشفه الرئيس الفنلندي، وربما يجد جون ما يدعم رأيه بشأن “المناورة الروسية” ولكن ما كشفه الرئيس الفنلندي يظل فرصة كان من الممكن استغلالها في إيجاد حل للأزمة السورية التي وصلت لعامها الخامس.

نشرت تلك المعلومات صحيفة الجارديان البريطانية في 15 سبتمبر 2015، وبعدها بأسبوعين – 30 سبتمبر بدأت روسيا غاراتها الجوية في سوريا لمحاربة “تنظيم الدولة” و”الجماعات الإرهابية”، وعلى تلك الأهداف المعلنة، جاء التدخل الروسي لتثبيت أركان الأسد ومحاربة المعارضة.

ودائما ما يؤكد الغرب أن 20 % فقط من الغارات الروسية تواجه “تنظيم الدولة”، في الوقت الذي تذهب 80% من تلك الضربات ضد معارضي الأسد والمدنيين، بحسب وجهة نظر أمريكا وبريطانيا.

وأعلن المرصد السوري لحقوق الإنسان -في نهاية ديسمبر – عن حصيلة 3 شهور من الغارات الروسية في سوريا، وكشف أن تلك الغارات أسفرت عن مقتل 2371 مدنيا ومقاتلا، وتبين من خلال التقرير أن عدد المدنيين الذين قتلوا بسبب تلك الضربات أكبر من قتلى “تنظيم الدولة”؛ إذ قـٌتل 792 مدنيا، من بينهم 180 طفلا و116 سيدة، في الوقت الذي أسفرت الغارات الروسية عن مقتل 655 من مقاتلي تنظيم الدولة، وتصدر عدد قتلى فصائل إسلامية معارضة حصيلة القتلى ب924 قتيلا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد