لم تكد تهدأ أصوات الصواريخ الإسرائيلية التي انهمرت على قطاع غزة خلال الحرب الأخيرة، حتى علت أصوات التراشق الإعلامي والتصريحات المتبادلة بين حركتي “حماس وفتح” حول عدة موضوعات ذات الشأن الداخلي الفلسطيني، والمتعلقة أصلا ببنود ما تم الاتفاق عليه في جولات المصالحة نيسان الماضي.

رواتب موظفي غزة، إعمار غزة، إدارة المعابر، التجاوزات الميدانية، كلها موضوعات أثارت نعرات الفرقة والانقسام الذي ما لبث أن انقشع ليله عن الفلسطينيين لتعود الذاكرة بهم لما كانت عليه الأحوال خلال السنوات القليلة الماضية.

أرضية هذه التراشقات الإعلامية تمثلت في اللقاء الذي جمع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل برعاية سمو أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني في الدوحة إبان الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل في السادس والعشرين من الشهر الماضي.

ما نفث من تسريبات عن ذلك اللقاء يوضح أزمة ثقة واضحة ما بين الطرفين تتفاقم يوما بعد يوم، في النوايا الكامنة وراء أعمالهما تجاه القضية الفلسطينية بأكملها، إلا أن نزيف الدم في غزة أوجد ستارة تغطي ما يجري في كواليس السياسة الداخلية بين الأشقاء.

المتتبع لما جرى خلال الفترة الماضية، يجد أن إسرائيل قد أشعلت فتيل تلك الأزمة بين الحركتين، بإعلانها القبض على 93 كادرًا في حركة حماس بتهمة التحضير للانقلاب على السلطة الفلسطينية في الضفة المحتلة بهدف إتاحة سيطرة حركة حماس على تلك المناطق الخاضعة لحكم السلطة.

دحض الرواية

خالد مشعل بصفته قائدًا لحركة حماس تعهد بتقديم الاعتذار للرئيس محمود عباس في حال ثبت صدق الرواية الإسرائيلية بأن حركته تقود انقلابًا على السلطة الفلسطينية، مع تأكيده التام على كذب وافتراء هذه الرواية، التي لا أصل لها أساسًا وفق حديثه.

تغنّى الشعب الفلسطيني خلال العدوان الإسرائيلي على غزة بتوحد وفده المفاوض في القاهرة، فرحًا بتوحد المقاومة الفلسطينية عسكريًا وسياسيًا، إلا أن تلك الفرحة لم تدم طويلًا بعد تراشق إعلامي بين رئيس الوفد الفلسطيني عزام الأحمد ورئيس وفد حركة حماس موسى أبو مرزوق بعد إنجاز اتفاق وقف إطلاق النار.

هذا التراشق تمثل بحديث الأحمد عبر فضائية فلسطين بأنه كاد أن يضرب أبو مرزوق خلال أحد الاجتماعات الداخلية للوفد الفلسطيني بالعاصمة المصرية القاهرة، ليرد بعدها بأيام موسى أبو مرزوق عبر فضائية الأقصى التابعة لحماس بأنه قال للأحمد: “يبدو أن الكرسي الذي تجلس عليه أكبر منك، لا تستطيع أن تلملم القضايا”.

وأضاف: “أنه هدد بالانسحاب إلا أن الأحمد طالبه بالبقاء لأنه لا يستطيع فعل شيء بدون وفد حماس وفق قول أبو مرزوق”.

لملمة الأوراق

وفي حلقة أخرى من مسلسل التراشق الإعلامي، قال الرئيس محمود عباس خلال اجتماع للجنة التنفيذية لحركة فتح في رام الله: “إن حركة حماس أقامت حكومة ظل في قطاع غزة، وسرقت المساعدات المقدمة للشعب الفلسطيني مقيمةً سوقًا سوداء في القطاع لبيع تلك المساعدات، واستنكر ما قامت به المقاومة الفلسطينية من إعدام لعدد من المتعاونين مع إسرائيل في محاكمات ثورية”.

حركة حماس رفضت كل هذه الاتهامات لها، وبدّت أكثر حرصًا على لملمت أوراق البيت الفلسطيني مجددًا بدعوة رسمية وجهتها لحركة فتح بضرورة إرسال وفد بأقصى سرعة لإنهاء كل الملفات العالقة وأولها تولي حكومة التوافق مهامها بشكل كامل في مناطق قطاع غزة، فيما قالت بعض المصادر الإعلامية أن حركة فتح تحضرت لإرسال الوفد خلال الأيام القادمة.

جفاء طفيف بين الطرفين قد يؤخر تنفيذ ما تم الاتفاق عليه مع إسرائيل برعاية مصرية في اتفاق وقف إطلاق للنار، يهدف لتخفيف الوضع الإنساني في قطاع غزة، لتعلق أغلب القضايا بتواجد نفوذ حكومة التوافق بشكل فعلي سواء على معبر رفح والحدود المصرية الفلسطينية لكي يتم فتحه، أو بدء الإعمار وإدخال مواد عبر معابر إسرائيل مع قطاع غزة.

سكان القطاع الذين ما زالوا يلملمون في جراحهم بعد حرب طاحنة شنتها إسرائيل عليهم دامت لـ 51 يومًا، أصابتهم حالة من التشاؤم جراء هذا التراشق الإعلامي، وتركزت أولوياتهم على موعد بدء إعادة إعمار ما دمرته آلية الحرب الإسرائيلية، والذي يرونه قد يتأخر بفعل حالة التشرذم الداخلي التي بدأت تطفو على السطح من جديد.

أزمة متجددة!

وما أثار الخلاف من جديد بين الطرفين هو قرار إلغاء الحكومة الفلسطينية في الضفة المحتلة أمس لوزارة الأسرى وشؤون المحررين بهيئة تشرف على أوضاع الأسرى وذويهم، الأمر الذي اعتبرته حماس تنكرًا لبنود المصالحة واستخفافًا بمعاناة الأسرى.

إضافة إلى تجدد أزمة رواتب موظفي حكومة حماس السابقة في غزة، حيث تؤكد حكومة التوافق الجديدة أنه لا موعد محدد لصرفها، فيما موظفي السلطة يتقاضون رواتبهم شهرا بعد شهر، وبالتالي فإن الحكومة تقول إنها ستعد لجنة للنظر في المسألة في غضون أربعة شهور.

وكانت “فتح وحماس” قد أعلنتا في الثالث والعشرين من إبريل الماضي التوصل إلى طي صفحة الانقسام بينهما، والاتفاق على تولي رامي الحمد الله، رئيس حكومة التوافق المقبلة، ومن ثم إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني بعد 6 شهور مباشرة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد