في كل حرب تشنها قوات الاحتلال الإسرائيلي على غزة، يكون الأطفال الحلقة الأبرز في الاستهداف، دون أي مبررات تذكر، حتى باتت سياسة آلة الحرب الإسرائيلية في الحرب الأخيرة التي مازالت متواصلة على القطاع للشهر الثاني على التوالي هي إيقاع العدد الأكبر في صفوف الأطفال والنساء، ليدفع هؤلاء المدنيون الفاتورة الباهظة.

وكان للأطفال في هذه الحرب النصيب الأكبر من بين الفئات المختلفة بين شهيد وجريح، وحتى تكتمل الصورة، تجولت مراسلة “ساسة بوست” داخل أقسام مشفى الشفاء الطبي بغزة، لتعاين عن قرب مأساة ومعاناة الأطفال، حيث ينتظر جلهم السفر للخارج لتلقي العلاج، لضعف الإمكانات والقدرات الطبية في غزة.

في إحدى الغرف يرقد الأشقاء الثلاثة من عائلة وهدان شمال القطاع على الأسرة، وملامح وجوههم البريئة قد اختفت، جراء تناثر شظايا الصواريخ وحمم القذائف عليهم، فوجوههم محترقة، وأقدامهم ملفوفة بالشاش الأبيض لشدة احتراقها.

فاجعة الأم

الزميلة بثينة اشتيوي ترصد مأساة أطفال وهدان

لم يعلم هؤلاء الأشقاء” مصعب، عمر، محمد، والذين تتراوح أعمارهم ما بين العامين إلى الخمسة أعوام، أن والدتهم قضت شهيدة، ووالدهم غادر القطاع إلى مصر لتلقي العلاج بعد أن تدهورت صحته إثر الإصابة البالغة، خاصة وأنه فقد ساقه خلال القصف الذي استهدف عائلته.

طيلة أيام الحرب، وقبل استهداف المنزل، يتنقل الوالد مع أطفاله الذين يقطنون في بلدة بيت لاهيا شمال القطاع من منطقة إلى أخرى، بحثا عن الأمن والأمان، لاسيما وأن منطقته كانت مسرحًا للاشتباكات التي دارت بين رجال المقاومة الفلسطينية وقوات الاحتلال الإسرائيلي.

لاذ “أبو مصعب” بالفرار من بيته، إلى إحدى مدارس غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” ظنًا منه أنها أكثر أمنًا من غيرها، إلا أن طائرات الاحتلال باغتته وألقت صاروخًا واحدًا على الأقل داخل ساحة المدرسة، لينجو بأعجوبة من الاستهداف.

لكن طائرات الاحتلال لحقته مرة أخرى في منزل أحد أقربائه، ليصاب إصابة بالغة، وتبتر قدمه، وينقل إلى إحدى مشافي مصر، فيما استشهدت زوجته على الفور، وأحرقت أجساد أطفاله الثلاثة “مصعب، عمر، محمد”، فضلا عن استشهاد اثنين آخرين من نفس العائلة.

عائلة وهدان ليست وحدها من تعاني مرارة الألم والفراق، فعائلة بدران التي تقطن مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، لها هي الأخرى حكاية مع الغدر صباح يوم الأربعاء الماضي، حينما كان أطفالها يلهون في بيتهم، لتفاجأهم حمم إسرائيل وهي تنزل عليهم كالمطر دون سابق إنذار.

“أم أحمد بدران” والدة لتسعة من الأطفال أصيبوا جميعهم إصابات بين بالغة ومتوسطة، منهم من يرقد في مشافي غزة نظرًا لصعوبة إصابتهم، ومنهم من يتلقى العلاج في مشافي المنطقة الوسطى، وسط شح الإمكانات الطبية المتزامن مع الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع منذ ثماني سنوات.

احتبست أم أحمد دمعتها، وأخذت تتذكر ما حدث لحظة القصف، قائلة:” فجأة سمعت صوت الزجاج يتناثر، وأخذت أنادي على أولادي واحدًا تلو الآخر، لكن لا مجيب، فسارعت إلى غرفهم وكانت الدماء قد غطت وجوههم، وطفلي محمد يناديني، ماما، أنا مش شايف حاجة!”.

أمنية وسط عجز!

الطفل محمد بدران

” محمد بدران” البالغ من عمره ثمانية أعوام، لم تفلح عائلته بالاحتفال بنجاحه الباهر في المدرسة وحصوله على المرتبة الأولى في الصف الثالث الابتدائي، نظرًا لتدهور الأوضاع في غزة، مع اشتداد الحرب، لينتظر وأسرته التي وعدته انتهاء الحرب ومن ثم الاحتفاء بتميزه!

جاء القدر سريعًا لعائلة بدران، لتفجع الأم برؤية أطفالها التسعة مصابين أمام عينيها، لتصاب بانهيار، وصراخ يعلو بيتها، ومن ثم يسارع الجيران بحمل أطفالها ونقلهم إلى المشفى، بعدما عجزت عن تلبية رغباتهم في حملهم وإنقاذهم حين بدأت الشظايا تنخر في عظمهم.

محمد يسمع ولكنه لا يرى، كون إصابته المباشرة كانت في وجهه، بيد أن أمه تعلق آمالا كثيرة في عودة بصره من جديد، بعد أن لمح إليها أحد الأطباء بإمكانية ذلك، في حال غادر القطاع، وتلقى علاجًا يليق بإصابته، حيث سيغادر بعد يوم إلى إحدى مشافي الضفة المحتلة بصحبة شقيقته الكبرى إيمان التي تعاني كسورًا شديدة في قدميها.

لا مجيب

على الجناح الآخر، ترقد الطفلة حنين البكري من سكان مخيم الشاطئ غرب غزة على سرير، وسط حالة صحية صعبة للغاية، فهي تعاني من حروق شديدة في الوجه، وكسور في اليدين والقدمين، نتيجة إصابتها المباشرة من الصاروخ الذي ألقي على منزلها مطلع الأسبوع الجاري.

تسأل ذات الأعوام التسعة حنين بين الحين والآخر عن أمها، ولماذا لم تأت للمشفى لمواساتها، وتضميد جرحها النازف، فضلا عن إلحاحها بضرورة إحضار شقيقاتها إليها لتقبلهم وتطمأن أنهن بخير، ويقفن إلى جانبها، لكن هذه الأسئلة لا مجيب لها، كون الأم استشهدت واثنتين من شقيقاتها أيضًا، إلى جانب إصابة معظم العائلة بجراح بين متوسطة وخطيرة.

حنين ستغادر قطاع غزة، متوجهة إلى دولة اسكتلندا لتلقي العلاج، بعدما جاءتها التأشيرة، بيد أن الخشية تلازم ذويها في حال استمر معبر رفح البري بالإغلاق، وعدم السماح للحالات الإنسانية العاجلة منها تحديدًا بالسفر.

وخلال ثلاثين يومًا من العدوان بلغ عدد الشهداء الفلسطينيين 1875 من بينهم 426 طفلًا و255 امرأة، فيما بلغ عدد الجرحى 9563 جريحًا منهم 2877 طفلًا و1927 امرأة.

وأفاد المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان عن نزوح 475 ألف مواطن لجأ 254 ألفًا إلى مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين”الأونروا”، فيما تم تدمير10604 منزلًا، و132 مسجدًا
وكنيسة واحدة و11 مقبرة إسلامية ومسيحية بشكل كلي وجزئي.

ويأمل سكان قطاع غزة مع بدء سريان اتفاق التهدئة المؤقت بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية برعاية مصرية، لمدة اثنتين وسبعين ساعة، والذي دخل يومه الثاني، أن يأتي بثمار ناضجة ميدانيًا وسياسيًا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد