اختلطت معالم حارات وأحياء وأزقة المناطق الشرقية لمدينة غزة مثل الشجاعية والزيتون والشعف والتفاح برائحة البارود المنبعث من كل مكان، لتكون شاهدة على ما اقترفته آلة الحرب الإسرائيلية من دمار وخراب طال كل شيء فيها.

فما إن توصلت المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي إلى هدنة مؤقتة لمدة اثنتين وسبعين ساعة بوساطة مصرية، بدأت في الثامنة من صباح الثلاثاء وانتهت في الثامنة من صباح اليوم بعدما فشلت مفاوضات القاهرة، تسارعت العائلات النازحة إلى تفقد بيوتها وممتلكاتها، فوجدتها كومة من الحجارة.

ألم وأمل

خيمة نصبتها عائلة الغولة مقابل منزلها المدمر في غزة

مقابل منزله المدمر والمكون من أربعة طوابق نصب عادل الغولة من سكان منطقة الشعف شرق غزة، خيمة بصحبة أشقائه وجيرانه الذين يشاركونه المصاب نفسه، وهو في حيرة من أمره أين سيذهب بعائلته وأطفاله بعد دمار المنزل.

لم يكن الغولة يتوقع تدمير منزله، حتى أنه ومع بداية الحرب في السابع من تموز الماضي ظل في بيته، لكن دخول قوات الاحتلال بريًّا إلى الحدود الشرقية لمنطقته في الأسبوع الثاني من الحرب، دفعه إلى الخروج منها، ظنًّا منه أن سيعود إليها، لكن صواريخ وقذائف العدو قضت على كل شيء.

بمجرد إعلان الاحتلال بالتوافق مع المقاومة عن تهدئة إنسانية في الأسبوع الثاني من الحرب، وتحديدًا بعد ساعات قليلة من مجزرة حي الشجاعية في العشرين من تموز الماضي، حتى هرع الغولة للاطمئنان على بيته فوجد شظايا بعض الصواريخ قد تناثرت فوقه، لكن لم يتضرر كثيرًا، فعاد إلى مكانه، وهو يدعو الله أن يسلمه وبيته.

يومًا بعد يوم تشتد الحرب، والضربات الإسرائيلية على غزة برًّا وبحرًا وجوًّا، والقلق يسيطر على عائلة الغولة، حتى تواترت إليها أخبار بأن جزء من منزلها قد تعرض للقصف، بعد أن دمرت المقاتلات الحربية منزلاً لجيرانهم.

تهدئة إنسانية أخرى أعلنتها إسرائيل لساعات، مكنت العائلة من رؤية منزلها المدمر جزئيًّا، وبعد أيام قليلة تم تدمير المنزل عن بكرة أبيه، لتفجع الأسرة بما حل بها من خراب ودمار وخسارة في الممتلكات، خاصة وأنها فقدت “ورشة الحداد”، التي كانت تعتمد عليها وأسر أخرى.

يتساءل صاحب المنزل عادل، وقد بدت علامات الغضب والاحتقان عليه، قائلاً: “أي ذنب اقترفناه حتى تشرد العائلة بأطفالها ونسائها وكبارها؟ لكننا سنعيد بناءه من جديد إن شاء الله، والحمد لله أن العائلة بخير”.

أكثر ما صدم العائلة هو تدمير الطائرات الإسرائيلية لمصنعها الذي يعد مصدر رزقها الوحيد، لتبدأ وقتها حالة التشرد والنزوح غير المسبوقة في تاريخهم، فيضيف هنا عادل قائلاً: “عشنا حربين في غزة قبل هذه الحرب، لكن الدمار الذي حل بنا وبأسر كثيرة في القطاع، لم يكن له مثيل في الحروب السابقة”.

بالقرب من منزل الغولة، تم قصف المشفى الوحيد في المنطقة، وهو مشفى الوفاء الطبي، بعد أن هددت المخابرات الإسرائيلية جميع العاملين فيه بضرورة إخلائه تمهيدًا لقصفه، دون أي مبررات تذكر، فما كانت إلا سويعات قليلة وقُصف، إلى جانب دار المسنين المقابلة له.

آثار الدمار التي لحقت بمشفى الوفاء الطبي ودار المسنين

حال عائلة “أبو منذر العجلة” لم تكن أفضل من سابقتها، ففجعت هي الأخرى، بالدمار الهائل الذي طال منزلها، لتبقى عائلتها نازحة في مدارس غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” وسط أوضاع معيشية واقتصادية صعبة للغاية، خاصة مع تفاقم أزمتي الكهرباء والمياه، وانقطاعهما بشكل كامل مع بدء الحرب على غزة.

يقول الستيني أبو منذر في لقاء مع “ساسة بوست”: “خسرت نصف مليون دولار في شركتي الصناعية، وبذلك أكون أنا وأبنائي وأشقائي قد فقدنا مصدر رزقنا الوحيد في غزة، بعدما كنا عمالاً داخل إسرائيل نعمل ليل نهار، لنبني مستقبل أولادنا، لكن إسرائيل هدمت كل جهدنا في لحظة واحدة”.

بصمت ينظر الحاج أبو منذر إلى بيته، ومكان عمله، الذي حولهما الاحتلال إلى كومة من الحجارة والرمل، يتفقد يمينًا ويسارًا في حاجياته، لكنه لم يفلح في العثور سوى على آثار لشظايا إسرائيلية وقذائف مدمرة.

الحاج أبو منذر العجلة داخل شركته المدمرة

أما عن سبب استهداف الاحتلال لمنزله وشركته الصناعية، أضاف أبو منذر: “الاحتلال منذ أن تم خطف الجندي شاؤول أرون في المنطقة القريبة من بيتنا صب جنونه على السكان، وأخذ يلقي بحممه الصاروخية على البيوت، والأناس الآمنون داخلها دون سابق إنذار”، داعيًا في الوقت نفسه أن يحمي الله المقاومة، وأن تذلل أمامها كل العقبات من أجل تلبية مطالب الناس في غزة.

المعدات التي تتضمنها شركته الصناعية، ضخمة وكثيرة، ولا مثيل لها في غزة كما يقول، فباتت أجزاؤها المتناثرة شاهدة على هول الدمار الذي حل بمنزله، وقد أضاف أن: “كل الماكينات التي كانت في شركتي تم استيرادها من إيطاليا وبريطانيا وإسرائيل، بأسعار غالية جدًا، وقبل بدء الحرب، جلبت بضاعة عن طريق معبر “كرم أبو سالم” التجاري، لمواصلة العمل، لكن المحتل قتل كل شيء عندنا”.

أما عائلة قنديل، التي فقدت ثمانية عشر منزلاً بعد أن أغارت عليها المقاتلات الإسرائيلية، ودمرتها تدميرًا كاملاً، تعيش حالة من اليأس والإحباط والنزوح، كغيرها من آلاف الأسر المنكوبة في غزة.

أمجد قنديل، واحد ممن تدمر منزله الذي لم يمض على بنائه سوى عامين، لتأتي هذه الحرب وتقتل أحلام أطفاله في التنعم ببيت مستقل لهم، وتبقيهم مشردين بين الأقارب.

آثار قذيفة الدبابة الإسرائيلية على منزل قنديل

اصطحب الثلاثيني قنديل مراسلة “ساسة بوست” في جولة لمنزله المدمر لرصد الصورة عن قرب، فكان لألعاب الأطفال نصيبًا من شظايا الصواريخ، وكذلك مكاتبهم الدراسية التي باتت أثرًا بعد عين.

أمجد قنديل داخل بيته المدمر

تنفس أمجد والعامل في إحدى المؤسسات الخاصة بغزة الصعداء، وأخذ يرسل رسالته للعالم قائلاً: “على كل دول العالم أن تتقي الله في شعب غزة، وأن تناصر المقاومة، وأن تعي جيدًا أن كل ما نملك فداء للوطن، ونحن شعب نحب الحياة والعيش بكرامة”.

إذن، هذا غيض من فيض، ممن سجلت “ساسة بوست” شهاداتهم خلال الحرب المتواصلة على غزة، لتضاف إليهم الآلاف من الأسر التي تحمل الهم نفسه، في رسالة واضحة أن سكان قطاع غزة يعيشون أوضاعًا صعبة للغاية في ظل ظروف اقتصادية وسياسية معقدة.

ويشار إلى أن الحرب على غزة دمرت 10604 منزل و132 مسجدًا وكنيسة واحدة، و11 مقبرة إسلامية ومسيحية بشكل كلي وجزئي، فضلاً عن نزوح ما يقارب النصف مليون لمدارس الوكالة وغيرها.

 

حصاد العدوان

عرض التعليقات
تحميل المزيد