تجزم معظم وسائل الإعلام الإسرائيلية بمختلف مضامينها أن إسرائيل خرجت من الحرب الأخيرة على غزة منهمكة، ولم تحقق شيئًا من أهدافها التي اتخذتها وسيلة للدفاع عن مواطنيها داخل المستوطنات المحتلة، مثل هدم الأنفاق، والقضاء على المقاومة الفلسطينية، حسب زعمها.

لذلك، فإن تداعيات الحرب في إسرائيل لم تنته بعد، فأخذ الحديث يجري حول استعداد الساسة الإسرائيليين والعسكريين للمرحلة المقبلة، والمتمثلة في المواجهة القضائية الدولية التي تحمل في طياتها نصوصًا تثبت أن الاحتلال ارتكب جرائم حرب ضد الأطفال والنساء وكبار السن.

ولعل صمت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فور إعلان وقف إطلاق النار في قطاع غزة بين جيشه والمقاومة الفلسطينية دليل واضح على فشله الذريع في تحقيق ما كان يصبو إليه، لا سيما وأنه اتخذ قرار وقف إطلاق النار وحده، وبمشاورة بعضًا من وزرائه، حسب ما يقول المحللون.

تأثير سلبي

وتعقيبًا على ذلك، قالت صحيفة يديعوت أحرنوت: “إن إسرائيل منهمكة بعد انتهاء الحرب على قطاع غزة، باستكمال استعداداتها للمواجهة القضائية الدولية غير السهلة، المتوقعة مع لجنة شاباس التي شكلتها الأمم المتحدة للتحقيق في مسألة احتمال ارتكاب إسرائيل جرائم حرب في غزة، إضافة لمواجهة الشكاوى التي يمكن تقديمها ضد إسرائيل إلى محكمة الجنايات الدولية في لاهاي، وأوامر الاعتقال التي قد تصدر في العديد من دول العالم ضد السياسيين والضباط الإسرائيليين الذين شاركوا في الحرب”.

ونقلت الصحيفة عن النائب العسكري العام، الجنرال داني عفروني، قوله: “إن حصول مثل هذه الخطوات قد يؤثر سلبًا على مكانة إسرائيل في العالم، مشيرًا إلى أن المعركة قاسية، لأن أعداء إسرائيل سيستخدمون قوانين الحرب في محاولة لنزع الشرعية عن إسرائيل”.

وأضاف: “أن الجيش الإسرائيلي يفحص الأمور ويحاول استخلاص الدروس من الأحداث التي شهدت حالات استثنائية وأخطاء، وأسفرت عن إصابة مدنيين فلسطينيين، زاعمًا أن الحرب ترافقت باستشارة قانونية ثابتة”.

من جهتها، أكدت وزيرة القضاء الإسرائيلي تسيبي ليفني، أن الجهاز القضائي الإسرائيلي سيدافع عن كل جندي وسياسي شارك في العملية، موضحة أن الاستشارة القانونية في المجلس الوزاري المصغر، تعتبر درع الدفاع الأفضل في فترة ما بعد الحرب، معربة عن أملها بأن يحاكم العالم إسرائيل بناء على قيمها.

أمر مستبعد

ليس هذا فحسب، فتداعيات الحرب امتدت إلى الولايات المتحدة الأمريكية الداعم الأقوى للاحتلال الإسرائيلي، حيث نقل موقع “روتر نت” العبري عن السفير الأمريكي السابق في “إسرائيل” مارتن إنديك قوله: “إن حرب غزة عمّقت النفور بين الإدارة الأمريكية ورئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو”.
وجاء موقف الإدارة الأمريكية بعد التجاذبات بين الإدارة الأمريكية وحكومة الاحتلال، ورفض نتنياهو لمبادرات الإدارة الأمريكية لوقف إطلاق النار وتعنته على موقفه.

وفي صحيفة هآرتس وصف الكاتب موشيه آرنس العدوان على قطاع غزة بأنه حرب استنزاف خطيرة على إسرائيل، مستبعدًا أن يتمكن أحد من نزع سلاح حماس سواء كانت الأمم المتحدة أو مصر أو السلطة الوطنية الفلسطينية.

وأضاف آرنس: “أنه في بدء الأسبوع الثامن من عملية “الجرف الصامد” تتدهور العملية لتصبح حرب استنزاف، فحماس تطلق في كل يوم مئات القذائف الصاروخية التي تهدف إلى إصابة السكان المدنيين في  إسرائيل، حسب قوله.

فجوة كبيرة

وتشهد المقالات التي تنشر في الصحف الإسرائيلية على أن قلة قليلة جدًّا في إسرائيل ترى في الاتفاق إنجازًا، وبعض الوزراء من الذين يميلون إلى عدم المكابرة يأملون أن تتضح في وقت قريب معالم نتائج الحرب، وهل هي حققت أي ردع للمقاومة في غزة. معلقون كثر تحدثوا عن تعادل، وآخرون قالوا إن الطرفين «انتزعا» التعادل بصعوبة.

وكان قد ترسخ اعتقاد بأن الحروب غير المتماثلة “أي بين دولة وتنظيم أو بين جيش ومنظمات مسلحة” إذا لم تنتصر الدولة أو الجيش فهي مهزومة، وإذا لم يهزم التنظيم أو المنظمة فهو منتصر.
وتبرر هذه المعادلة الفرحة في غزة والغضب في إسرائيل، إذ كيف يتعادل فريقان أحدهما من الدرجة الممتازة والآخر من الدرجة الثانية، ولا يهم هنا عدد الأهداف التي سجلها كل طرف، صحيح أن الخسائر لدى الفلسطينيين في الأرواح والأملاك أكبر بكثير جراء امتلاك إسرائيل قوة نارية هائلة لا تقارن بما تملكه فصائل المقاومة في غزة، ولكن خسائر إسرائيل المعنوية والاقتصادية والسياسية أكبر بكثير.

وتحت عنوان “نتنياهو انتهز الفرصة وهرب” كشف المراسل السياسي لـ “هآرتس” باراك رابيد كيف قرر نتنياهو وقف النار من دون تصويت داخل الحكومة، مشيرًا إلى أن سلوكه طوال أيام الحرب الخمسين أظهر كم هي كبيرة الهوة بين التصريحات والوعود التي أطلقها وبين الواقع.

 فرئيس الحكومة الذي تحدث بأقوى لغة ضد حماس، أنهى المواجهة معها بأضعف شكل، وكل ما أراده هو تحقيق وقف للنار تقريبًا بأي ثمن، وعندما لاحت الفرصة لفعل ذلك ببساطة أخذ الاتفاق وهرب.
ولفت رابيد إلى أن الخطة المصرية التي قبلتها إسرائيل لم تمنحها أية إنجازات، والأمر الوحيد الذي تباهى به المتحدثون بلسان رئيس الحكومة هو أنهم منعوا حماس من تحقيق إنجاز برفض مطلب الميناء والمطار ودفع الرواتب.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد