ما أن تطأ قدماك أرض مجمع الشفاء الطبي في مدينة غزة، حتى تأخذك عيناك للنظر يمينًا وشمالاً إلى عشرات العائلات الفلسطينية النازحة من منطقة الشجاعية عقب المجزرة التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في العشرين من الشهر الماضي، ليصبح المجمع الملجأ الآمن لهم.

افترشت هذه العائلات التي سمت نفسها بـ” المنكوبة” كل زاوية من زوايا المجمع في خيم صغيرة جدًا، لتختلط آهاتهم وآلامهم مع أنات المرضى والجرحى الموزعين على أقسام الباطنة والقلب والجراحة، وسط ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة للغاية.

“ساسة بوست” تجولت داخل مشفى الشفاء الطبي، والتقت بعضًا من الأسر النازحة، والتي عبرت عن سخطها وغضبها من الحالة التي وصلت إليها، بالتزامن مع حالة الصمت العربي والدولي اتجاه معاناتهم المتفاقمة يومًا بعد يوم.

ظروف قاسية

مجرد ما أن رأت السبعينية “أم عبد الله حمام” مراسلة “ساسة بوست”، حتى انهارت باكية لدقائق معدودة، مستذكرة خلالها لحظة أن دكت الطائرات والدبابات الإسرائيلية أرض الشجاعية دون سابق إنذار، لتحول مساكن المواطنين الآمنين إلى ركام فوق رؤوسهم.

خمس ساعات ونصف متواصلة، وإسرائيل تقصف الحارات والشوارع، وعائلة “حمام” المكونة من خمسين فردًا تحتمي في غرفة واحدة، وسط انقطاع التيار الكهربائي والمياه، لتبقى الإضاءة الملازمة للصورايخ والقذائف الملقاة فوق البيوت هي من تنير المنطقة!

 

عائلة حمام وهي تطهو داخل الخيمة

وتقول الحاجة وعلامات الحسرة عليها: “شعرت أنا وأولادي والأطفال أن الدبابات وصلت لبيتنا، فأخذنا ننطق الشهادتين، ونصرخ مع الأطفال، عل أحد يسمعنا، لكن لا مجيب”، وقد طالبت في الوقت نفسه منظمات حقوق الإنسان والمؤسسات الدولية بكشف جرائم إسرائيل ضد الأطفال والنساء.

ما إن انتهت إسرائيل من قصفها المؤقت لساعات معينة في منطقة الشجاعية، حتى سارعت الحاجة “أم عبد الله” وعائلتها وجيرانها بالهرب إلى منطقة أكثر أمنًا، لكن الحارات كلها تحولت إلى أشباح، لتضطر حينها أن تسير مشيًا على الأقدام مسافة ثمانية كيلو مترات، لتستقبلهم مشفى الشفاء نازحين مشردين إلى وقت غير معلوم، وليس جرحى لإسعافهم.

لم تتمكن العائلة كغيرها من مئات العائلات النازحة من أخذ أمتعتها وحاجياتها الأساسية، مما زاد الأوضاع سوءًا، فمعظمهم يفرش ألواحًا كرتونية للنوم عليها، وبعضهم يرمي بجسده المنهك أرضًا، وآخرون يتجولون داخل غرف المشفى، علهم يجدون متسعًا لهم بين أسر المرضى والجرحى.

أما عن أكلهم وشربهم، فمنذ نزوحهم من المنطقة وأهل الخير يرسلون لهم معلبات من الجبنة واللبنة، إلى جانب جمعيات خيرية تبرعت بمساعدات عينية تسد رمق جوعهم وعطشهم لأيام معدودة فقط، وبعضها لساعات، لكثرة العائلات المشردة.

انتشار الأمراض!

طفل يغسل أواني الطعام بالقرب من الخيمة

تخشى إحدى بنات “أم عبد الله” انتشار الأوبئة لعدم وجود مياه صالحة للشرب، وبسبب اكتظاظ السكان، وشح الخدمات الموفرة لهم، مضيفة: “مر أسبوعان ونصف على مجزرة الشجاعية ونحن نقيم حتى الآن داخل مشفى الشفاء، والأولاد رائحتهم كريهة جدًا لعدم وجود مياه للاستحمام، فإلى متى سيبقى حالنا هكذا؟!”.

أما الأطفال، فتبددت أحلام الأمس، وطموحات المستقبل، ليبقى واقعهم مرهون بأمن وأمان يبحثون عنه منذ شهر، فعلاء ابن الثانية عشر ربيعًا، لم يطلب سوى أن يرجع إلى بيته المقصوف ويعيد بناءه، حتى تعود ملامح الحياة فيه من جديد.

يذكر الطفل علاء لحظة أن باغتت إسرائيل ضرب الشجاعية صراخ الأطفال من عائلته وجيرانه، مردفًا: “ظلام دامس جدًا، وأصوات انفجارات تأتي من كل جهة، حتى جاء الصبح وهربنا من البيت بعد أن شاهدنا الدمار والخراب قد حل بالبيت والبيوت من حوله”.

ألواح من الكرتون

عائلة أم زهير فرحات النازحة من الشجاعية

في زاوية أخرى من زوايا المجمع والقريبة من تجمع الصحفيين، التقت مراسلة “ساسة بوست” عائلة “أم زهير فرحات”، والنازحة من منطقة الشجاعية، فمعاناتها لم تختلف كثيرًا عن سابقتها، وإن كانت أكثر همًّا، كونها تفترش الأرض أكياسًا من النايلون والكرتون، لعدم تمكنهم من أخذ أغراضهم الملقاة في الشوارع بعد قصف منزلهم.

“أم زهير” الطاعنة في السن تعاني من أمراض مزمنة، كانت تتلقى على أثرها العلاج، لكن بعد أن قصف المنزل واختلطت الأوراق الثبوتية لأمراضها مع الركام، قالت: “أخشى أن تتضاعف أمراضي، ولم أملك ثمن أي علاج في الوقت الحالي، بعدما كنت أملك بيتًا يأويني ومعي أولادي وأحفادي، أما الآن فلا حول ولا قوة لنا إلا بالله”.

بينما “أم محمد” زوجة ابنها، والتي احمرت وجنتاها لشدة حرارة الشمس الملازمة لخيمتها، لفتت إلى أنها تخشى الذهاب إلى منطقتها “المنكوبة” عقب الإعلان عن هدنة إنسانية لساعات معينة، كونها لا تأمن غدر إسرائيل كما جرى في هدنات سابقة، وباغتت المواطنين وقصفتهم دون أي مبرر.

عرض التعليقات
تحميل المزيد