تحطمت خلال العدوان الحالي على غزة أكذوبة المعايير الأخلاقية التي يروج الاحتلال لها لدى الرأي العام العالمي، فأعداد الشهداء وأعمارهم، ومشاهد المدارس والمساجد والمستشفيات والمنازل المدمرة على رؤوس ساكنيها كانت كفيلة بوضع حد للدعاية الإسرائيلية، التي قابلتها المقاومة بانضباط قل نظيره.

وعلى عكس استهداف المدنيين من قبل الاحتلال ركزت المقاومة قصفها على المواقع والحشودات العسكرية، كما أنها أعطت تحذيرات مسبقة للمستوطنين في المناطق المحاذية للقطاع.

ليس هذا فحسب، فمع اتساع دائرة العدوان تثبت المقاومة يومًا بعد يوم أنها تدير معركة أخلاقية على غرار السياسية والعسكرية، لا سيما بعد مطالبتها شركات الطيران الأجنبية بوقف رحلاتها إلى مطار اللد.

سقف الهزيمة

 

 

 

 

فمنذ ما يزيد عن شهر ونصف وقطاع غزة يتعرض لأشرس عدوان بربري وهمجي تنفذه الآلة العسكرية الإسرائيلية ضد كل أشكال الحياة في القطاع الصامد، فالقتل والتدمير هما الهدف الرئيس لهذه الحرب، اعتقادًا من صناع الموت والقرار السياسي في حكومة الاحتلال بأن إلحاق أكبر قدر من الخسائر البشرية والمادية في أوساط الفلسطينيين بين الحين والآخر سيردعهم، ويبقيهم تحت سقف الهزيمة النفسية، كما ألمح إلى ذلك وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي موشي يعلون.

وبفعل ذلك تتحرك كل مؤسسات الاحتلال، و”أخلاق” الجيش الإسرائيلي لا يمكن الحكم عليها من خلال ما يتبجح به الناطقون العسكريون باسمه، أو المحللون السياسيون، أو إعلامّيو وسياسيو إسرائيل الذين يظهرون عبر وسائل الإعلام المختلفة وفي مقدمتها الإعلام الاسرائيلي، وإنما ممارسات الجيش على أرض الواقع هي التي تمنح الاحكام قيمتها، سلبًا أو إيجابًا.

وبالتالي فإن استهداف وقتل وجرح آلاف المدنيين الأبرياء وتدمير بيوتهم وممتلكاتهم، وقصف المنشآت الأكاديمية والدينية والصناعية والحكومية والزراعية وغيرها، والقضاء على المصادر المساعدة على الحياة كافة من مياه وكهرباء ومستشفيات، كل ذلك يشير إلى أن ما يجري على الأرض من مذابح ومجازر بحق المكان والسكان لا يعدوا كونه حرب إبادة جماعية تشن على الشعب الفلسطيني.

 

دقة الأهداف

 

 

 

 

 

ومع هذا يسارع إلى إطلاق وإلقاء آلاف الأطنان من القذائف والصواريخ المتفجرة فوق بيوتهم دافنًا المئات منهم تحت الركام، ومخلفًا آلاف الجرحى والبيوت المدمرة، والأدهى من هذا كله أن صفارة الإنذار “الأخلاقية” التي يحذر من خلالها هؤلاء الأبرياء لا تمنحهم ثانية واحدة للنجاة، لأنها مجرد صاروخ تحذيري محدود الانفجار، حتى وإن انتزع بمعيته بعض الأرواح، يتبعه بعد عدة دقائق “أبطال سلاح الجو” بإلقاء حمولتهم “الدفاعية” من عشرات الصواريخ الأمريكية الصناعة والتمويل، والتي يزن أقلها الطن الواحد من المتفجرات.

قرابة الستين عائلة فلسطينية، تم إبادتها بشكل كامل، أو شبه كامل، والذريعة “الأخلاقية” لهذه الجريمة، أن البيت استهدف بسبب وجود أحد أفراده الذي يخطط لإلحاق الأذى بالمواطنين الإسرائيليين، فهل يوجد منزل إسرائيلي واحد لا يحتوي على جندي عامل أو في قوات الاحتياط، يشارك أو يعد نفسه للمشاركة في قتل الفلسطينيين في قطاع غزة، أو حيثما أتيحت له الفرصة لذلك؟! فكيف يمكن نعت صواريخ المقاومة التي لم تقتل سوى ثلاثة مدنيين؟

مهلة كافية

 

 

 

 

 

فحجم الرأس المتفجر لأكبر صاروخ فلسطيني لا يتعدى (20 كجم)، أما الصاروخ الإسرائيلي فيتجاوز الـ(1000 كجم)، بمعنى آخر، كل الصواريخ الفلسطينية التي استخدمت حتى الآن، يقابلها عشرة صواريخ إسرائيلية من بين الآلاف التي سقطت فوق بيوت غزة ورؤوس قاطنيها، فالصاروخ الحقيقي الذي يصعب نزع فتيله هو الكراهية، والكراهية لا تزول إلا بزوال الاحتلال بعد جيل أو جيلين على الأقل!!

في المقابل استخدمت المقاومة الفلسطينية استراتيجية حربية إعلامية من الطراز الأول، وهو تحذير المدنيين الإسرائيليين من التجمع أو العودة لمنازلهم قبل إطلاق صواريخ المقاومة، وهذا ما وضحه أبو عبيدة الناطق باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام، حينما حذر المدنيين الإسرائيليين من العودة لمنازلهم والبقاء بالقرب من الملاجئ، وعدم التجمهر، وكان المثير للمفاجأة أن تعطي المقاومة المهلة الكافية لهم من أجل تحذيرهم.

وهذا كان قوة إعلامية رادعة لما تقول عنه إسرائيل بأنها تحذر المواطنين الفلسطينيين قبل قصفهم بدقائق فقط، وبذلك أصبح الإسرائيليون يعتمدون على خطابات المقاومة بدلاً من وسائل الإعلام الإسرائيلي الخادعة لهم، وهذا ما أكدته غالبية الصحف العبرية التي أوردت أن سكان المستوطنات أصبحوا يتنظروا خطابات أبو عبيدة من أجل التعرف على طبيعة سير حياتهم، إضافة إلى أن مثل هذا التحذير يجعل المقاومة الفلسطينية في منأى عن المحاسبات الدولية الجائرة التي تتهم المقاومة باستهداف المدنيين.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد