تاهت الكلمات والعبارات، وتلعثم اللسان، وتوقف القلم عن الكتابة لبرهة من الوقت، بعد مشاهدة حجم الدمار الهائل الذي حل بمنطقة الشعف شرق مدينة غزة، نتيجة إلقاء المقاتلات الحربية الإسرائيلية براميل متفجرة لأول مرة منذ حروبها في قطاع غزة على بيوت المواطنين لتسويها أرضًا.

أخذتُ أتنقل بين ركام وركام حتى أصل إلى شهود عايشوا لحظات الزلزال إن صح القول، والذي هزّ أرجاء المنطقة كافة، حتى باتت الطرق متقطعة وملتوية، بفعل كثافة الغارات الإسرائيلية برًّا وجوًّا وبحرًا، فكان الشاب محمد الصواف صاحب المنزل المدمر، واقفًا فوق أنقاضه يسترق النظر يمينًا ويسارًا.

عشرات المنازل، التي كانت عبارة عن طوابق يقطنها الأطفال والنساء والرجال، اختلطت معالمها برائحة الدخان، وآثار النيران المشتعلة، لتبقى شاهدة على ما اقترفته آلة الحرب الإسرائيلية، بحق المدنيين في غزة، والذين باتوا أهدافًا مشروعة لإسرائيل وفق خططتها التي أعدتها للحرب!

قلت في نفسي، كيف عاش من كان يقطن داخل هذه المنطقة تلك اللحظات العصيبة، وكيف تمكن الآخر من الهروب جراء القذائف العشوائية التي تنهال على كل شيء متحرك وساكن فوق الأرض، لتردد بين لحظة وأخرى: “كانت هنا منطقة اسمها الشعف”!

إذن هي صورة أولية لما شاهدته مراسلة “ساسة بوست” في غزة، بعد زيارتها الميدانية، للمناطق المنكوبة خلال العدوان الإسرائيلي الذي دكَّ كل محافظات وقرى وبلدات وأحياء القطاع، دمار طال اليابس والأخضر، والشجر والبشر.

الصمود والتحدي

محمد الصواف – صاحب منزل مدمر في الشعف

محمد جاء إلى منطقته المنكوبة، بعدما أعلنت الأطراف المتفاوضة المجتمعة في القاهرة، مرة أخرى عن هدنة مؤقتة لمدة اثنتين وسبعين ساعة، تتخللها مباحثات مكثفة حول مطالب الفلسطينيين المشروعة كشروط لإنهاء العدوان مع الطرف الإسرائيلي بعد أن دخل شهره الثاني.

ورغم الدمار الذي طال منزل محمد وأعمامه الثلاثة، إلى جانب بيت ابن عم والده، إلا أن معاني الصمود والتحدي أصبحت هي اللغة الجارية على ملامح وجهه، وهو يقول: “كل ما نملكه يهون فداء للمقاومة وتضحياتها، وبيتنا المكون من خمس طوابق سنعيد بناؤه أجمل مما كان، المهم أن مقاومتنا شرف لنا”.

يستذكر محمد لحظة القصف الشديد على منطقته قائلاً: “منذ خطف الجندي الإسرائيلي آرون شاؤول، أغارت المقاتلات الحربية غارات مفاجئة على منازل المواطنين، لتسارع أسرتنا وكل جيراننا وأهالي الحي بالهروب إلى مكان آمن، تحت حمم القذائف وصواريخ الطائرات العشوائية”.

بمجرد ما أعلنت إسرائيل عن هدنة مؤقتة في أول أيام الحرب، وإذا بالعائلات النازحة تتسارع للذهاب إلى بيوتها لتفقدها، ظنًّا منهم أنها بخير، لكنهم صدموا للوهلة الأولى، بعد أن شاهدوا الدمار والخراب يحل بها، ليطلقوا عليها منطقة الشعف المنكوبة، مثل الشجاعية وخزاعة.

في طريقي للمنطقة، استوقفني الحاج أبو محمد، ليرصد عن قرب ما حلّ ببيته وبيت جيرانه، وعلامات الحسرة والألم تلازمه، حيث إن بناء بيته لم يمض عليه سوى ثلاثة أعوام، وقال: “صحيح أن المال معوض، لكن هذا تعب عمري كله، وحتى الآن أنا مثقل بالديون، لا أعرف لمن أشكي همي، وهل سيسمعني أحد من العالم؟!”.

مكيال الظلم

الحاج أبو محمد يستذكر ما جرى في المنطقة

الخمسيني أبو محمد فر من المنطقة في العشرين من تموز الماضي بصحبة أطفاله الصغار، وسط ظلام دامس يخيم على كل أرجاء الحي، وقد أضاف قائلاً: “ظننت أن القيامة اقتربت في غزة، وقلت في نفسي ربما هذه الحرب القاضية لنا في غزة، فكل الصواريخ كانت عشوائية ولا تفرق بين ما هو مدني أو عسكري، حجر أو بشر، حتى الحيوانات نالت نصيبها من هذا الإجرام البربري”.

حينما سألته عن رسالته، وماذا يمكن أن يقول من فوق ركام منزله، أجاب: “لا أريد شيئًا من العالم الذي يكيل كل الأمور بمكيال واحد وهو مكيال الظلم والاستبداد، العالم يتفرج علينا ولا يحرك ساكنًا، ولا أدري كم هي أعداد الشهداء والجرحى التي يريدها في غزة، حتى يتحرك؟”.

بجانب البراميل المتفجرة، والتي باتت شاهد حي، على سياسة الاحتلال التدميرية يقف الأطفال، يحاولون أن يتفقدوا شيئًا من منازلهم، بعدما تاهوا في معالمها وأماكنها، حتى أن الطفل محمد حمادة ابن العشرة الأعوام، وقف لدقائق معدودة يستذكر بيته، فيقول: “في كل مرة عندما آتي للمنطقة أنسى أين كان البيت، فحجم الدمار قضى على كل شيء جميل في البيت، لا أعرف ما الذنب الذي اقترفته عائلتي حتى تكتب من النازحين؟”.

هل من مجيب؟!

الطفل محمد حمادة يشير إلى مكان منزله المدمر

وأضاف محمد: “لو أن هذا الدمار والزلزال حدث في إسرائيل لقامت الدنيا ولم تقعد، أما نحن فليس علينا أن نقاوم العدو الذي دخل أرضنا، تبًا لهذا العالم الذي يحرمنا من أبسط حقوقنا الكريمة، ألا يحق لنا العيش بكرامة، والتنقل بحرية؟”.

ويقول أهالي المنطقة إن عظم إنجازات المقاومة الفلسطينية وتضحياتها وتمسكها بخيارات الشعب المنصوص عليها دوليًّا، هونت عليهم كل شيء، بعدما فقدوا الأهل والأحبة، والبيوت.

عرض التعليقات
تحميل المزيد