لا تنفك الأدلة على كذب البنتاغون واحتياله الذي لا يزال يلقي بظلال من الحيرة لدى العديد من المراقبين، لدرجة أنه يصعب علينا فهم أو حتى مجرد تصور كم تكلف حروب الولايات المتحدة، تلك الحروب التي من الواضح أنها لا تعود بالنفع سوى على المجمع الصناعي العسكري وآلة القتل الأمريكية. فبالتأكيد لم يستفد دافعو الضرائب الأمريكيين من شن تلك الحروب، واستنزاف ما تبقى من الطبقة المتوسطة المصابة بالإحباط. فضلاً عن أن الجنود الذين يقاتلون ويموتون في تلك الحروب لصالح إمبراطورية الولايات المتحدة لا يجنون إلا المتاعب، وخاصة أولئك الباقون على قيد الحياة من قدامى المحاربين الذين ينتهي بهم الأمر مشوهين وجرحى جسديًا وعاطفيًا مدى الحياة، أو آلاف العائلات الذين يعانون من الحزن. وفوق كل ما سبق، فإن حروب الولايات المتحدة لم تفد الدول التي تغزوها أمريكا. تلك الدول المدمرة لا تزال تعاني البؤس من الحروب التي لم تكف الولايات المتحدة عن شنها. فقد أودت حرب أمريكا على العراق وحدها بحياة أكثر من مليون ونصف المليون مواطن عراقي. كما أن العيوب الخلقية ومعدلات الإصابة بالسرطان تزداد جيلًا بعد جيل. ومع عدم وجود نهاية محتملة لتلك الحرب في الأفق، فلا يزال العراق ينزف، حيث قتل أكثر من 9000 شخص العام الماضي وحده بعد رحيل القوات الأمريكية. فلم يستفد أحد على الإطلاق في هذا العالم من الحرب باستثناء مجموعة واحدة – المتعاقدون مع وزارة الدفاع وشركات صناعة الأسلحة.

قبل عام نشرت دراسةلجامعة هارفارد أظهرت تقديرًا لتكلفة حربي العراق وأفغانستان على حساب دافعي الضرائب الأميركيين بمبلغ يتراوح بين 4-6 تريليون دولار. والآن تأتي أخبارمن أفغانستان تشير إلى أن ما يصل إلى 1.2 مليار دولار من الذخيرة يجري تبديدها. وتأتي تقديرات الاستنزاف هذه بعد أن ارتفعت كلفة إعادة الإعمار في البلاد لتصل إلى تكلفةباهظة على دافعي الضرائب الأمريكيين قدرها 100 مليار دولار ولا تزال في ارتفاع مستمر.

إن المشكلة الكامنة خلف إهدار وزارة الدفاع لأكثر من مليار دولار على الرصاص والصواريخ هي سوء إمساك الدفاتر. فأحدث حلقات هذا الفشل الذريع هي امتداد لمشكلة قديمة جدًا يعاني منها البنتاغون تتمثل في الإنفاق غير المحدود. وقد أدى العجز البيروقراطي من طرف كبار قادة الجيش بقيامهم بممارسات فاسدة وتزوير محاسبي لتكاليف حربي العراق وأفغانستان إلى استنزاف الاقتصاد الأمريكي. تومكاربر، السيناتور الديمقراطي من ولاية ديلاوير الذي يرأس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية كان قد ذكر:

“على الرغم من سنوات من الجهد، فإن أفرع الجيش والقوات البحرية والقوات الجوية لا تزال تفتقر الفعالية في فعل شيء أساسي مثل تبادل الرصاص الزائد. يظهر تقرير مكتب المحاسبة الحكومية بوضوح أن أنظمتنا العسكرية العتيقة تهدر الملايين من الدولارات في شراء الذخيرة”.

وعلى الرغم من الوعود المتكررة بتحويل هذا النظام الذي عفا عليه الزمن إلى نظام آلي، لا تزال وزارة الدفاع تهدر أموال دافعي الضرائب باستخدام المعدات العتيقة، وذلك عبر سوء تخزين الأسلحة التقليدية التي تبلغ قيمتها 70 مليار دولار.

إن وزارة الدفاع تهدر الكثير من المال هنا، وذلك جزئيًا بسبب عدم كفاءة معداتها المتقادمة، ولكن رغم الميزانية الهائلة، فقد فشلت في الاستثمار في تحديثات هامة لنظام التسليم الذي يقوم على المعداتالقديمة. جزء من المشكلة هو أن قسم المحاسبة في البنتاغون ليس لديه آلية داخلية قادرة على تتبع أمواله الخاصة.

على مدى عقود، عانت وزارة الدفاع الامريكية من الاحتيال والفساد في قضية طال أمدها. فلسنوات عديدة كانت عمليات السرقة والنهب في الجيش الأمريكي شائعة في كل شيء يمكن تصوره، بدءًا من إهدار 9 ملياردولار في العراق، إلى أكثر من نصف مليار دولار على معدات مفقودة ومسروقة في العراق، إلى الممارسات المحاسبية الاحتيالية المعروفة بتزييف السجلات حتى تطابق سجلات وزارة الخزانة الأمريكية. وحقيقة أن قلة أو انعدام آليات الرقابة سمح فقط باستمرار هذه السرقة الهائلة لسنوات مع إفلات تام من العقاب.

استنادًا إلى تقرير صدر في نوفمبر الماضي، حدد جوناثان تورلي مدى الغش والخداع الذي يضرب الجيش الأمريكي في مقال بعنوان “فسادالبنتاغون: دراسة جديدة تكشف إخفاء البنتاغون إهدار تريليونات في صورة أموال ومعدات مفقودة”. تشير الدراسة بإيجاز إلى أنه تتفشى ممارسات احتيال في الجيش تعرف باسم “سد الفجوات”، باعتبارها محاولة يائسة لإخفاء الثقب الأسود الذي يهدر عبره البنتاغون تريليونات من أموال دافعي الضرائب. يزعم البنتاغون عدم وجود سجل دقيق للأموال المنفقة. كما قدر مكتب محاسبة في كولومبوس، أوهايو تابع لوزارة الدفاع والمالية ودائرة المحاسبة بوجود أخطاء تقدر بنحو 1.59 تريليون دولار من بينها 538 مليار دولار في سد الفجوات.

بين عامي 2003-2011، أهدر الجيش الأمريكي بشكل لا يصدق 5.8 ملياردولار من الإمدادات مما خلف الوحدات في جبهات القتال دون معدات إنقاذ الحياة. ومما زاد الطين بلة أن التريليونات الخاصة بالمعدات المفقودة جرى إعادة طلبها مجددًا، مما يضاعف نهب أموال دافعي الضرائب.

يطلب من كل وكالة فدرالية بموجب القانون – باستثناء وزارة الدفاع – أن تخضع إلى نظام مراجعة محاسبية سنوي. وقد أعطت ثغرة البنتاغون تفويضًا مطلقا لسرقة أموال دافعي الضرائب الأميركيين وإهدار 8.5 تريليوندولار منذ عام 1996، وهو التاريخ التي توقفت عنده عمليات التدقيق على حسابات البنتاغون فجأة.

إن عمليات غسل الأموال التي تجريها البنوك لصالح أباطرة صناعة الأسلحة هي في مأمن أيضًا من المساءلة. وبسبب هذه الثغرة نفسها، يعمل المجمع الصناعي العسكري أيضا على غسل أموال المخدرات القذرة من خلال البنوك. كما أن حملة التخويف والتشجيع على الحروب التي روج لها السياسيون والجنرالات تترجم إلى جرائم ضد الإنسانية ما كانت لتقع لولا الدعم المباشر من الحكومة الأمريكية. وبالتالي، فهو نظام عالمي فاسد أخلاقيًا يبيح السرقة والفساد والدمار بشكل غير محدود.

وبينما أجبر مواطنو الولايات المتحدة على إنقاذ البنوك والشركات وفي نفس الوقت تحمل فواتير الحرب، فإن استنزاف الاقتصاد والطبقة الوسطى، يجبر الأميركيين الآن على نحو متزايد للتكيف مع حقبة جديدة من التقشف والمشقة المالية. في الوقت نفسه، نمت ميزانية الدفاع إلى جانب السرقة المستمرة على مدى السنوات الـ30 الماضية. إن الولايات المتحدة تنفق المزيد من المال على آلتها العسكرية أكثر من بقية دول العالم مجتمعة. حيث أنفقت أكبر 10 قوى عسكرية في العالم ما مجموعه 1.19 تريليوندولار على التمويل العسكري في عام 2011، وكان من بينها 58 في المئة تخص الولايات المتحدة.

بانتشار عالمي لا مثيل له في كل قارة بأكثر من 1000 من المنشآت العسكرية الأمريكية في جميع أنحاء العالم، يزيد الإنفاق العسكري للولايات المتحدة عن القوة التي تليها في الإنفاق العسكري وهي الصين بنسبة تقترب من 6 إلى 1. وتواجه امبراطورية الولايات المتحدة حاليًا انخفاضًا في النمو بعد خوض الحروب السرية القذرة التي لا يمكن الانتصار فيها في جميع أنحاء العالم، مع دين داخلي لا يمكن سداده، وفي حين أن مواطنيها يعانون من طغيان دولة بوليسية عسكرية في الداخل، فإن جنون هذا المسعى واضح والانهيار الاقتصادي قادم لا محالة.

أنفقت الولايات المتحدة 60.45 مليار دولار في إعادةإعمار العراق في حين أن ما تم إنفاقه على إعادة الإعمار في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية بما يكافئ قيمة الدولار الحالية كان 35 مليار دولار 1946-1952. بدأت ألمانيا إنشاء شركة فولكس فاجن في عام 1949 ولم تنظر أبدًا إلى الوراء، حيث ظلت لعدة عقود الأمة الاقتصادية الأقوى في أوروبا. للأسف أصبح العراق وأفغانستان أسوأ حالًا بكثير مما كانا عليه قبل الغزو الأمريكي، ولا يبدو مستقبلهم مشرقًا جدا. ولا حتى مستقبل أمريكا.

حتى عند إجراء فحص خاطف للشركات التي تتربح من الحرب والتي تشكل المجمع الصناعي العسكري، فإن ذلك يفضح عمليات إهدار المال تلك، فالكسب غير المشروع والرشوة التي ارتكبتها كل من لوكهيد وبوينج وجنرال إلكتريك ورايثيونز وهالبرتون وإكسون يدفع إلى استنزاف الدم الأمريكي في حروب النفط. وقد فصل وليام هارتونغ ظاهرة النمو المتضاعف لمجموعة مختارة من تلك الشركات على حساب الشعب الأمريكي في دراسة بعنوان “إعادة مراجعة للمجمعالصناعيالعسكريالأمريكي: أنماطالتحولفيالعقودالعسكريةللحقبةالتيتلتالحاديعشرمنسبتمبر” وجاء فيها:

“إن العديد من تلك الشركات التي استفادت من زيادة الإنفاق العسكري كانت من كبار المتعاقدين التابعين لوكالات الأمن الأخرى ذات الصلة. على سبيل المثال، لم تكن شركة لوكهيد مارتن أكبر المتعاقدين مع البنتاغون فقط، ولكنها أيضا حلت في المرتبة الأولى من بين المتعاقدين مع وزارة الطاقة؛ والمرتبة الثامنة في وزارة الأمن الداخلي (احتلت بوينغ المرتبة الأولى)؛ والمرتبة الثانية لدى وزارة الخارجية والمرتبة الثالثة في الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء (ناسا). ولا تمثل تلك العقود إلا جزءًا بسيطًا من مستويات المكافأة التي تمنحها وزارة الدفاع الأمريكية. على سبيل المثال، أنفقت وزارة الأمن الداخلي 13.4 مليار دولار على العقود في السنة المالية في 2008، وأنفقت ناسا 15.9 مليار دولار، وأنفقت وزارة الخارجية 5.5 مليار دولار، وأنفقت وزارة الطاقة 24.6 مليار دولار”.

اسم اللعبة هو السرقة. تبدأ من المعدات المبالغ في ثمنها إلى أوامر استبدال المعدات الناجمة عن اللوازم المسروقة أو المفقودة التي “تبرر” مضاعفة الأرباح عدة مرات، إلى إبرام عقود دون عطاءات، إلى رشوة السياسيين الفاسدين، إلى فساد الجنرالات برفقة الكونغرس بصياغة قرارات حرب لا حاجة لها في كثير من الأحيان، إلى الجنرالات المتقاعدين الذين أصبحوا أباطرة لتجارة الأسلحة، إلى منتجات رديئة التصميم.

إن الأرواح التي فقدت بسبب الحروب الأمريكية لها أسباب صادمة بما يكفي. وبالنظر إلى أن نتائج الإخفاقات في العراق وأفغانستان لا تختلف عن الهزيمة العسكرية في فيتنام، فأمريكا ليس لديها ما تظهره سوى الخزي والعار، مع ارتفاع تكاليف إزهاق الأرواح، وصرف أموال لا تحصى لزيادة المشقة والمعاناة والألم. رغم ذلك لا تزال طبول الحرب الأمريكية تدق بصوت عال، لإثارة المزيد من الحروب التي تقاتل فيها وتخسرها في أماكن مثل أوكرانيا وسوريا وإيران، ويحتمل أن تقاتل روسيا وتثير الحرب العالمية الثالثة. والسؤال هنا: أليس هناك حد للبؤس والألم الذي ضرب كل ركن من أركان العالم من قبل الإمبراطورية الأمريكية المتداعية بقيادة حفنة من المرضى النفسيين العازمين على تدمير العالم؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد