يجلس رجل في الستين من العمر مرتكزًا على سور حديقة حبيب ثامر الشهيرة وسط تونس العاصمة، يحاول سعد بوغديري الذي يحتمي من أشعة الشمس الحارقة بقبعة تراثية صنعت من القش أن يشغل وقته بمراقبة المارين، تارة ينظر إلى وجوه وضعت الكمامة الطبية وأخرى يراقب طفلًا يلهو في المكان.

بعد مضي ما يقارب السنوات العشر على الثورة التونسية (2011)، يريد بوغديري كغيره من عموم التونسيين أن ينعم بوضع اقتصادي جيد، إذ أن نسبة البطالة التي بلغت في عام الثورة 13%، وصلت اليوم إلى 18%، فيما تراجع الدينار التونسي من 1.17 مقابل الدولار قبل الثورة إلى 2.73 الآن، أي أقل من نصف قيمتها السابقة، يقول بوغديري: «في الماضي كانت الأسواق تمتلئ بمنتجات من الخارج، والآن لا يوجد شيء».

المفارقة التي قد تبدو غريبة على البعض، أن الرجل الذي عمل 14 عامًا عاملًا بارعًا في القصر الرئاسي في عهد الرئيس التونسي الذي أسقطته الثورة زين العابدين بن علي، لا يوجد لديه اهتمامات في الشأن السياسي التونسي، لذا هو لا يعلم الآن ما الذي حدث في قصر قرطاج الرئاسي في الأيام القليلة الماضية، إذ تمخض عن صراع سياسي تونسي ولادة الحكومة الثالثة في هذا العام، فرغم الصعوبات الجمة التي نالت من حكومة هشام المشيشي وبعد 17 ساعة من نقاشات الثقة في الجلسة التي انطلقت صباح الأول من سبتمبر (أيلول) الحالي، حصلت الحكومة التي احتاجت فقط لـ109 صوت لتنال ثقة المؤسسة التشريعية على 134 صوت من أصل 217 صوت.

ما يهم بوغديري والتونسيين من تلك الحكومة التي عجزت سابقتها عن معالجة مشاكل البلاد، هو تحقيق جملة إنجازات عاجلة، تنقذ اقتصادهم الذي أصيب بالشلل بسبب ارتفاع الديون وتدهور الخدمات العامة، وانتشار جائحة فيروس كورونا العالمي، لكن جملة من المشاكل السياسية تهدد هذه الحكومة وتجعل البعض يعتبرها «ولدت ميتة». 

ما الفرق بين حكومة المشيشي والحكومات السابقة؟

في منتصف يوليو (تموز) الماضي، قدمت أكبر الكتل البرلمانية عددًا (54 نائبًا) حركة النهضة لائحة بسحب الثقة في البرلمان التونسي من حكومة إلياس الفخفاخ التي اتهمتها بقضايا فساد، مباشرة استبق الرئيس التونسي قيس سعيد تحركات البرلمان التونسي التي ستمكن حركة النهضة حسب الدستور من حق تشكيل حكومة في حال سحبت الثقة، فطلب من الفخفاخ التعجيل بتقديم استقالته، وبالفعل استقال الفخفاخ وسجل سعيد انتصار على الأحزاب التونسية بترشيحه وزير الحكومة الأول في الحكومة المقبلة دون اتفاق مع الكتل السياسية في مجلس النواب، فوقع اختياره على وزير الداخلية في الحكومة المستقيلة هشام المشيشي (46 عامًا).

الربيع العربي

منذ شهرين
«ميدل إيست آي»: انقلابات وأحزاب بالوكالة.. ماذا تفعل الإمارات في تونس؟

في العاشرة والنصف من مساء 24 أغسطس (آب) 2020، أي في الموعد الأخير لتشكيل الحكومة حسب الدستور أعلن المشيشي عن تركيبة الحكومة الثانية التي يتم تشكيلها في الأشهر الستة الأخيرة، تضمنت 25 وزيرًا وثلاث كتاب دولة، وفي كلمته أمام البرلمان آنذاك لن يفوت المشيشي فرصة التذكير بأن البلاد تمر بمرحلة مفصلية تحتاج تقديم حلول عاجلة لبلد يعاني من وضع اقتصادي خطير في ظل جائحة كورونا، ودعم حديثه بأرقام حول الديون، فالحكومة مطالبة بدفع 15 مليار دينار سنويًّا لسداد الديون، وكذلك تراجع الاستثمار إلى 13% في الوقت الذي كان فيه سنة 2010 أكثر من 24%.

ما ميز هذه التركيبة عن سابقاتها، أنها حكومة كفاءات مستقلة عن الأحزاب التونسية، وهي ميزة ضربت بقوة ما أراده الرئيس التونسي حين اختار المشيشي، ففيما اختار الأخير رجال حكومته من الإداريين والموظفين والأساتذة الجامعيين دون تاريخ سياسي، لم تعجب هذه التركيبة الرئيس سعيد الذي تدخل في اختيار البعض، كما حدث مع اختيار وزير الثقافة وليد الزيدي الذي أعلن المشيشي عن نيته استبداله فيما عجل سعيد لاستقباله وتأكيد ثقته به ليكون ذلك بمثابة إصرار على إلقائه ضمن التركيبة مخالفًا لرغبة المشيشي، كذلك كان الأمر مع اختيار وزير الداخلية توفيق شرف الدين الحقوقي غير المعروف في الأوساط الحزبية والذي يفضله سعيد، فهو بالنسبة للمشيشي عقبة لأن أحزابًا هامة كحزب «قلب تونس» أو «حزب النهضة» تعارض تعينه لأنه شخصية غير محسوبة على الأحزاب.

حكومة «أمر واقع»

حاول الرئيس سعيد قطع الطريق على احتواء المشيشي من طرف الأغلبية البرلمانية، على أمل أن يتمكن من استبعاد الوزراء غير المرغوب فيهم أو منعدمي الكفاءة من وجهة نظره في تشكيلة المشيشي، لكن في أول تحدّ لهذه الحكومة، استطاع المشيشي تجاوز مشكلة اعتراض الأحزاب الرئيسية في البرلمان على مسار تشكيل حكومته لحكومة الكفاءات من غير المتحزبين، فنال ثقة أكبر حزبين في جلسة التصويت التي انعقدت في الأول من سبتمبر (أيلول) 2020، وبذلك انضم الحزب الأول في البرلمان النهضة إلى حزب «قلب تونس» وحزب «حركة تحيا تونس» وكتل برلمانية أخرى في منح الثقة للمشيشي.

فوز المشيشي بالثقة خلال جلسة بالبرلمان التونسي في تونس العاصمة يوم 2 سبتمبر 2020

لم يكن أمام تلك الأحزاب خيارات أخرى، فهي مع فقدانها عامل الزمن السياسي وما تبشر به استطلاعات الرأي من غلبة لخصومها السياسيين في حال أجريت انتخابات مبكرة، أمام خيارات سيئة، أولها بقاء الحكومة المستقيلة المتهم رئيسها الفخفاخ بملفات تضارب مصالح وفساد لمدة أربعة أشهر إضافية إلى حين إجراء الانتخابات المقبلة، كما تدرك الأحزاب التونسية أنه في هذا الوقت لا تتحمل البلاد عدم الاستقرار السياسي في وقت تعاني البلاد من أزمة (كوفيد 19)، وأن تأخير خطة الانتعاش الاقتصادي عبر عدم الاستقرار السياسي هو أمر يترتب عليه تلقائيًّا تأخير عملية التفاوض بشأن حزمة المساعدة الدولية التي تشتد الحاجة إليها والتي تعتمد عليها تونس.

ولن يتوانى المشيشي عن الحديث عن هذه الخيارات في جلسة منح ثقة الأحزاب لحكومته، إذ قال إن «تشكيل الحكومة يأتي في ظل عدم استقرار سياسي، بينما قدرة الشعب على الصبر بلغت حدودها»، ومضى يحدد أولويات عمل حكومته قائلًا إنها: «ستكون معالجة الوضع الاقتصادي والاجتماعي ووقف نزيف المالية العمومية وبدء محادثات مع المانحين والبدء في برامج إصلاح من بينها إصلاح الشركات العامة وبرنامج الدعم».

والأهم أن هذه الحكومة التي نالت تحفظات شديدة من تركيبتها لكونها حكومة غير سياسية، استطاعت كما اسلفنا نزع ثقة البرلمان أمس بعد جلسة مطولة استغرقت نحو 17 ساعة، حيث منحت الثقة لحكومة المشيشي بأغلبية 134 صوتًا مقابل 67 صوتوا ضدها، وعقب هذا التصويت عجل المشيشي بالتأكيد على العمل مع مختلف القوى السياسية، لضمان تنفيذ الأولويات الاقتصادية والاجتماعية والأهم أنه رفض اتهام بعض النواب له بـ«خيانة» الرئيس سعيّد، فقال إن هذه الاتهامات لا معنى لها.

«أرجل من طين» هل تستمر حكومة المشيشي؟

كجدار سميك من الخرسانة، تقف جملة من التحديات أمام حكومة المشيشي، إذ أن فرص نجاح حكومة تكنوقراطية بحتة تبدو قاتمة لكون المشاكل التي تعاني منها تونس سياسية في الدرجة الأولى، ويتطلب حلها في ظل محدودية موارد تونس والركود العالمي معجزة حقيقية.

رئيسة حزب الدستور الحر (الدستوري) عبير موسى                          

في المقام الأول، يعد اختيار مجموعة من التكنوقراط أو الخبراء ذوي الخبرة السياسية المحددة معضلة صعبة أمام أي حكومة تحتاج إلى نفوذ سياسي، فبينما ركزت صراعات الخلاف السياسي السابقة في تونس على الانقسام بين العلمانيين والإسلاميين أو الإصلاح الاقتصادي، تأتي هذه الحكومة بتوترات متجذرة أكثر في تقسيم السلطات بين الرئيس والبرلمان.

ويعرف أن تحقيق التوازنات السياسية بين السلطة التشريعية الممثلة في ترويكا البرلمان (حركة النهضة، حزب قلب تونس، ائتلاف الكرامة) التي يقودها زعيم الحركة راشد الغنوشي وبين مؤسسة رئاسة الجمهورية ممثلة في قيس سعيد لن تكون مهمة سهلة أمام هذه الحكومة، أما في حال انكب المشيشي على التفاهم مع النهضة بغية ضمان مواصلة حكومته عملها للأربع سنوات القادمة، من المتوقع أن يخلق ذلك توترًا مع سعيد وسينفخ من جديد في الخلاف بين البرلمان والقصر الرئاسي، مما يعني تعميق الأزمة السياسية وتعطيل مهام إنقاذ الاقتصاد.

كذلك تطل الأزمة الاقتصادية المتفاقمة على التونسيين بشكل غير مسبوق، فحسب المعهد الوطني للإحصاء فإن نسبة البطالة وصلت إلى 18%، فيما وصلت نسبة الفقر لـ15.2%، ذلك مع ارتفاع نسبة التضخم الاقتصادي لتصل إلى سالب 21.5-%، ويعتقد المراقبون أنه في حال عجز المشيشي – الذي لن تقدم حكومته حتى الآن برنامج عمل للأربع سنوات القادمة – عن صنع حلول عاجلة خلال الأشهر القليلة المقبلة تجلب ميزانية للدولة بواسطة تشجيع نسق الاستثمار ودعم التوجه نحو التصدير لجذب العملة الصعبة ستكون تونس أمام معضلة ضخمة سياسيًا واقتصاديًا، فعلى سبيل المثال، يعد العمل في ملف البترول من أعقد الأمور بسبب تشابك العديد من الأطراف في سيرورة الإنجاز فيه، حيث تجمع الحلقة سلسلة من نقابات وعروش وسياسيين ورجال أعمال بالمناولة واتحادات عاطلين.

في النهاية، تبقى التخوفات الأهم في حال خاض الوسط السياسي التونسي صراعًا جديدًا من رموز النظام السابق وبقايا الحزب الحاكم المنحل أو أنصار الإمارات في تونس، فحسب أرقام آخر استطلاع رأي أجرته مؤسسة «سيجما كونساي» بالتعاون مع جريدة المغرب نشر في 14 أغسطس 2020، فإن: «الحزب الدستوري الحر بقيادة عبير موسي سيتصدر المشهد الانتخابي إذا ما تمت الدعوة لانتخابات تشريعية جديدة بنسبة 35.8% من نوايا التصويت بفارق 14 نقطة عن حركة النهضة التي يتزعمها راشد الغنوشي والتي ربما لن تحصل سوى على 21.9%».

المصادر

تحميل المزيد