في حين تجتاح المليشيات أنحاء ليبيا مستولية على مساحات شاسعة من الإقطاعيات منفذة العديد من الاغتيالات وأعمال عنف أخرى، كان حل المشكلة الذي نفذته وقادته الولايات المتحدة، هو عمل مجموعة مسلحة أخرى.

يقول كاتب المقال “نيك تورز” إنه أرسل بريدًا للمتحدث الرسمي باسم القيادة الإفريقية الأمريكية (أفريكوم –وهي قوات موحدة مقاتلة تحت إدارة وزارة الدفاع الأمريكية هي مسئولة عن العمليات العسكرية الأمريكية وعن العلاقات العسكرية مع 53 دولة إفريقية في إفريقيا عدا مصر – المترجم).

وسأله في البريد عما إذا كانت أمريكا تدرب سرًّا مقاتلين ليبيين في جزر الكناري (جزر تابعة لإسبانيا في المحيط الأطلسي –  المترجم)، وعما إذا كانت تنتوي عمل ذلك إذا لم تكن تفعله بالفعل، فكانت إجابته أنه مندهش للغاية من ذكر جزر الكناري وأنه لم يسمع بهذا من قبل وتساءل أين سمع الكاتب بهذا.

صورة أرشيفية للقائد العام ﻷفريكوم الجنرال ديفيد رودريجيز

يقول الكاتب إنه في الحقيقة تم ذكر هذه المهمة الغامضة في جزر الكناري الإسبانية في بيان رسمي  للقائد العام ﻷفريكوم الجنرال ديفيد رودريجيز في خريف 2013، ولشهور تالية، ربما تم تأجيل المهمة بأكملها من أجل مهمة تدريبية يتم تنفيذها بالكامل في بلغاريا، ولكن الوثائق أظهرت ولع العسكرية الأمريكية بالحلول البسيطة للمشاكل المعقدة، وهو ما حلله الكاتب في مقال آخر بأنه قد يتسبب في نكسة في إفريقيا وما ورائها وهو أيضًا ما يطرح أسئلة جدية عن الوسائل المتكررة التي تنتهجها الولايات المتحدة لوقف العنف الذي تسببت أفعالها في إشعاله في المقام الأول.

فقد ترنحت ليبيا وسط فوضى متزايدة منذ أن ساعدت الولايات المتحدة في إسقاط الديكتاتور معمر القذافي بهجمات جوية وصاروخية ضد أهداف النظام وبدعم لوجسيتي ضخم لشركاء التحالف، والآن المجموعات المسلحة – التي ينتمي بعضها للمجاهدين- تجتاح أنحاء ليبيا مستقطعة قطاعات واسعة من الأراضي ومنفذة لسلسلة اغتيالات وأعمال عنف أخرى، وكان الحل الذي قدمته الولايات المتحدة وحلفائها ردًّا على هذا الموقف المتأجج هو زرع مجموعة مسلحة أخرى في دولة تمتلئ بالمليشيات بالفعل!

نشأة المليشيات

بعد سقوط القذافي في 2011، قدمت الكثير من المليشيات لمدن ليبيا الكبرى لملء الفراغ الأمني الذي سببه انهيار النظام القديم متسببة في تحدٍ للحكومة المركزية الجديدة، في بنغازي وحدها، نشأت سلسلة من هذه المجموعات المسلحة، وفي 11 سبتمبر 2012، شهدت هذه المدينة – التي تعتبر مهد الثورة الليبية – هجومًا من أعضاء جماعة أنصار الشريعة المناوئة للغرب ومجموعات مسلحة أخرى على البعثة الأمريكية ومرفق تابع للسي آي إيه قريب منها، وخلال هذه الاغتيالات – التي قُتل فيها السفير  الأمريكي وثلاثة أمريكيين آخرين- تم طلب المساعدة من المليشيات المحلية والتي لو كانت تدخلت لأنقذت حياة هولاء ولكنهم اختاروا عدم التدخل.

 

في العام التالي، استمر تأثير المليشيات في الازدياد على أنحاء ليبيا بالإضافة للفوضى التي صاحبتهم، في أواخر 2013 قام المتظاهرون والعصابات المسلحة بمطاردة بعض هذه الميلشيات في المدن الليبية وذلك بعد قيامهم بهجوم مسلح على المدنيين، ومع تدهور الموقف، سجلت هيومن رايتس ووتش اغتيالات بالجملة لقضاة ووكلاء نيابة وأعضاء من الشرطة مما أضعف كثيرًا قوات الأمن الضعيفة بالفعل.

وكان الحل الأمريكي لكل هذا العنف: مزيد من الرجال المسلحين

صورة أرشيفية للأدميرال وليام مكرافن رئيس قيادة العمليات الخاصة الأمريكية


مواجهة النار بالنار

صرح الأدميرال وليام مكرافن، رئيس قيادة العمليات الخاصة الأمريكية، في نوفمبر 2013 في مكتبة رونالد ريجان الرئاسية أن الولايات المتحدة سوف تساعد ليبيا بتدريب من خمسة آلاف إلى سبعة آلاف من القوات التقليدية إلى جانب قوات مكافحة الإرهاب، وقال: “إنه يجب علينا افتراض بعض المخاطر في أثناء محاولتنا لإيجاد طريقة جيدة لبناء قوات الأمن الليبية التي لا تقودها الميليشات“.

بعدها بقليل، أفردت واشنطون بوست تقرير
بأن رئيس الوزراء الليبي علي زيدان -الذي تم إسقاطه مؤخرًا – قد تقدم بطلب للولايات المتحدة أن تدرب قوات الأمن الليبية، وكان هذا  بالتزامن مع تقرير رسمي لوكالة التعاون الأمني التابعة للبنتاجون- والتي تختص بالتنسيق لشراء ونقل المعدات العسكرية خارج الولايات المتحدة – تخطر فيه الكونجرس بطلب ليبي لحزمة تدريبية تكلفتها 600 مليون دولار يكون هدفها تهيئة من 6000 إلى 8000 جندي من قوات الأمن العام.

شمل الاتفاق- طبقًا للوثيقة الرسمية – خدمات لمدة ثماني سنوات من أجل التدريب على تسهيلات الاكتفاء والتطور، والتدريب الشخصي والتدريب على استخدام المعدات، بالإضافة إلى 637 بندقية أم-4 وذخيرة للسلاح الصغيرة وخدمات دعم تقنية ولوجيسيتية من الحكومة الأمريكية وملابس عسكرية مع بعض العناصر الأخرى لبرنامج الدعم.

بالإضافة إلى جهود جنود الأمن العام، يتم تدريب آلاف من المقاتلين الليبيين عن طريق قوات الأمن في المغرب وتركيا وبريطانيا وإيطاليا، وكذلك يأمل الجيش الليبي أن يتم تخريج عشرة آلاف مقاتل جديد من ليبيا سنويًّا.

وفي حين أكد الأديميرال ماكرافن على أهمية بناء قوات الأمن الليبية؛ حيث لا يتم إدارتها من المليشيات إلا أن الكثير من المتوظفين من أجل قوات العام سيتم في الحقيقة أخذهم من هذه المليشيات، وسوف يتم تدريب هذه القوات في بلغاريا كما نشر على نطاق موسع.

وكما قال مسئول رسمي في الخارجية الأمريكية للكاتب في إيميل فإنهم يقومون بالتنسيق لمهمة البعثة التدريبة مع الشركاء الأوروبيين وبعثة دعم الأمم المتحدة في ليبيا والتي عرضت أيضًا مساعدات غير عادية لقطاع الأمن في الحكومة الليبية. ومن المتوقع أن يبدأ هذا التدريب في بلغاريا في 2014 وسيستمر لسنوات عدة.

وحتى الآن لا يوجد أي تقارير أو تأكيدات عن خطط لتدريب المليشيات الليبية في جزر الكناري الإسبانية والتي تم ذكرها مع نوفو سيلو في بليجريا في خريف 2013 في الوثيقة التي أعدها القائد العام ﻷفريكوم والتي حصل على تومديزباتش (وهي المؤسسة التي يرأس الكاتب تحريرها – المترجم)، وقد أصرت الكثير من المصادر الرسمية من وزارة الخارجية أنهم لا يعرفون أي شيء عن التدريب في جزر الكناري كما أخبر المتحدث الرسمي ﻷفريكوم الكاتب بالمثل، وعندما قام الكاتب بإرسال الوثيقة المختصرة له – والتي تم ذكر جزر الكناري فيها – رد عليه بأن هذه كانت فكرة مبدئية ولم تتم مشاركتها مطلقًا مع الجنرال ريديجوز ولكن تم مشاركتها مع عدد من القادة الكبار في البنتاجون.

كما أخبر المتحدث الرسمي الكاتب بأن المعلومات تم تغييرها مرات عديدة بعد عرض هذه الشريحة ومن المتوقع أن تتغير قبل البدء في أي تدريب فعلي وقام بتحذير الكاتب من الاعتماد على هذه الوثائق، ويضيف الكاتب بأن المتحدث الرسمي كذلك تهرب من الرد على سؤاله إذا ما كانت التغيرات المستقبلية قد تشمل العودة لاختيار جزر الكناري مرة أخرى واحتج بعدم الإجابة على أي أسئلة مستقبلية في هذا الشأن، وفي نفس الوقت ظهر مستند أمريكي إفريقي آخر يوضح أن هناك موقع تدريبي آخر يتم إعداده ليبدأ في أواخر ديسمبر.

يقول الكاتب إن وزارة الخارجية وأفريكوم لم يشرحا قط لماذا تغيرت الخطط بشأن التدريب في جزر الكناري ولا من الذي قام بهذا القرار ومتى، وكذلك لم تجب الحكومة الليبية على التساؤلات الكثيرة عن أماكن التدريب والمعلومات المتعلقة بها.

 

شريحة من محاضرة عن البعثة التدريبية لقوات الأمن العام فى ليبيا والتي تم ذكر فيها أن التدريب سيتم فى جزر الكناري الأسبانية بالاضافة إلى نوفو سيلو فى بلغاريا..المصدر https://www.middleeasteye.net/sites/default/files/styles/wysiwyg_large/public/images/1.jpg?itok=Wm0i70Oc

 

يوم التدريب

وأيًّا ما كان مكان التدريبات، فإن الولايات المتحدة طورت خطة من أربع مراحل لبناء قطاع الأمن الليبي بالكامل، وطبقًا لتقارير رسمية حصلت عليها تومديزباتش فإن قوات المشاة الأولى للجيش سوف تخدم كعنصر قيادة لجهود تدريب قوات الأمن العام الليبية، وذلك كجزء من تعاون وزارة الخارجية الأمريكية مع وزارة الدفاع.

وحاليًا يتم الانتهاء من الاتفاقيات مع الشركاء المحليين ويتم اختيار الليبيين الذين سيتولون مناصب قيادية كخطوة تمهيدية لعملية التدريب، وبعد هذا سيقوم الجيش الأمريكي بالبدء بتدريب ليس فقط قوات الأمن العام ولكن أيضًا قوات أمن الحدود وقوات مكافحة الإرهاب الخاصة (مؤخرًا أخبر القائد العام ﻷفريكوم لجنة الخدمات المسلحة بمجلس الشيوخ الامريكي أن الولايات المتحدة سوف تبني ما أسماه “قوات العمليات الخاصة الليبية”)، وستشمل المرحلة الثالثة من البرنامج تطوير إمكانيات الوزارات الليبية للعدل والدفاع والداخلية وتقوية أجهزة تدريب الأمن الليبي قبل أن يتم الانسحاب في المرحلة الرابعة لتقتصر المهام على مراقبة القوات التي دربتها الولايات المتحدة وحلفائها والتأكد من كفاءتها.

 

خطة الحكومة الأمريكية لبناء فطاع أمن ليبيي متكامل..المصدر https://www.middleeasteye.net/sites/default/files/styles/wysiwyg_large/public/images/2.jpg?itok=Pz-mgW7g

وعلى الرغم من أن التقارير أشارت إلى أن التدريب في نوفوسيلو سيبدأ في هذا الربيع، إلا أن المصادر الرسمية في وزارة الخارجية أخبرت تومديزباتش أن الخطط التفصيلية لم يتم الانتهاء منها بعد، وقد ظهر تقرير صحفي أنه طبقًا لمصدر عسكري – رفض الإفصاح عن اسمه – فإن فريق عمل صغيرًا من الجنود الأمريكيين يستعد للتوجه الآن لليبيا للبدء في التجهيزات لجزء التدريب في بلجيريا.

وفي الجدول الزمني الذي تم عرضه بواسطة القوات الأمريكية في إفريقيا كجزء من محاضرة في ديسمبر 2013 تم التنويه أن موقع نوفوسيلو سيكون جاهزًا للمتدربين في وقت ما من الشهر الماضي، فبمجرد ما يتم تجهيز أجهزة استشعار الاتصالات والأمن، سيكون المجال معدًا لاستقبال الدفعة الأولى من المتدربين الليبيين، واقترح الجدول الزمني أن يكون هذا بحلول بداية مايو.

وعلى الرغم من أن الجدول الزمني الذي حصل الكاتب عليه يمكن اعتباره نسخة مبدئية من الجدول الزمني إلا أنه لديه بعض الشكوك أن البرنامج سيبدأ قريبًا، الكاتبة بالدور أوضحت أن موافقة ليبيا الرسمية على التدريب ربما سيتم الحصول عليها هذا الشهر، وذلك على الرغم من أن القائد العام ﻷفريكوم أوضح في بيان صحفي للبنتاجون أن الحكومة الليبية يجب أن تشارك في تمويل البرنامج التدريبي وكذلك أكد مصدر رسمي ليبي لتومديزباتش أن التدريب لم يبدأ بعد.

 الجدول الزمني لتدريب القوات العامة الليبية ...المصدر  https://www.middleeasteye.net/sites/default/files/styles/wysiwyg_large/public/images/3.jpg?itok=0HHZVzc2 ترجمة : ساسة بوست

الجدول الزمني لتدريب القوات العامة الليبية …المصدر
https://www.middleeasteye.net/sites/default/files/styles/wysiwyg_large/public/images/3.jpg?itok=0HHZVzc2
ترجمة : ساسة بوست

 

وقد عبر بعض الخبراء عن شكوكهم في فعالية البرنامج، فمثلًا في أواخر 2013، قام بنجامين نيكلز
– وهو أستاذ باحث في التهديدات العابرة للأوطان ومكافحة الإرهاب في مركز إفريقيا للدراسات الإستراتيجية – بإثارة عدد من المشاكل الشائكة، من بينها: تحديات فحص وغربلة المتقدمين من مليشيات ليبية حالية، صعوبة إدماج مجوعات مختلفة حزبية وفئوية فى قوة واحدة من دون تسييس تجمع التدريب، والمهمة الشاقة المتمثلة في استنباط طريقة لدمج قوات الأمن العام في الجيش الليبي الحالي مما قد يؤدي لكثير من الفوضى، ولذلك فإن نيكلز كتب أنه “لكن مع كل هذه المخاطر فإن صعوبات التنفيذ تبدو هينة مقارنة بمشاكل أخطر بكثير على المستوى الفكري”، فحتى الآن تبدو الخطط لقوات الأمن العام غير متصلة بمشاريع نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج ومشاريع إعادة إصلاح قطاع الأمن وكلاهما حيوي لمستقبل ليبيا.

وقد أوضح بيرني سيبي – خبير في شئون إفريقيا الغربية الشمالية في جامعة بريطانية – لتومديزباتش في إيميل أن إدماج المليشيات في قطاع أساسي للأمن قد يقضي على قوة المليشيات الحالية، ولكنه أيضًا ينطوي على مخاطر جدية؛ حيث يمكن أن تتسلل عناصر حزبية في قلب أجهزة الأمن الليبية مما يضعف قوتها مستقبلاً، وأضاف أن استخدام القوة لا يمكن تجنبه لفرض القانون الذي أصبح مهددًا باستمرار في ليبيا، ولكنه يعتقد أن كل جهود تنمية قطاع الأمن لابد تكون وفقًا لرؤية واضحة، ويعتقد أنه بدون هذا قد يتم حل المشكلة مؤقتًا ولكنه لن يتم تحقيق السلام والاستقرار على المدى الطويل.

في نوفمير 2013، أوضح فيدريك وريني – وهو خبير متخصص في الشأن الليبي – أن المشروع قد يبدو معقولًا نظريًّا ولكن الحقيقة قد تكون شيئًا آخر تمامًا، ويرى أنه ليس واضحًا كيفية تشكيل القوات وتفاصيل التدريب وكيفية رؤية المدنيين الليبيين لكل هذا وكذلك القدرة على التعامل مع تهديدات شتى.

في الصيف الماضي، قامت مجموعة صغيرة من قوات العمليات الخاصة الأمريكية بإنشاء معسكر تدريب خارج العاصمة الليبية – طرابلس – لنخبة من 100 رجل ليبي من قوات مكافحة الإرهاب والذي تم اختيارهم شخصيًّا بواسطة رئيس الوزراء السابق (علي زيدان)، وفي الوقت الذي يقضي فيه الأمريكان وقتًا آمنًا في منازلهم، قامت مليشيات غير معروفة بمداهمة المعسكر مرتين في حراسة الجيش الليبي وسرقوا أعدادًا كبيرة من الأجهزة الأمريكية المتقدمة، من ضمنها مئات الأسلحة والمسدسات وبنادق إم-4 وأجهزة للرؤية الليلية وأجهزة ليزر متخصصة، ولهذا تم إنهاء جهود التدريب وإغلاق المعسكر الذي استولت عليه المليشيات.

ما يحدث هو أحدث المشاكل في سلسلة مساعدات الولايات المتحدة وجهودها التدربية في الشرق  الأوسط الكبير وإفريقيا، هذه السلسلة التي تتضمن مساعي وصمت بالفضائح فى العراق وأفغانستان، وكذلك البرنامج الذي أخرج ضابطًا قاد الانقلاب الذي أسقط الحكومة المنتخبة فى مالي بالإضافة إلى ثمانية أشهر من الجهود التدريبية في الكونغو بواسطة قوات العمليات الخاصة الأمريكية والتي أفرزت كتبية كوماندوز قامت بعدد هائل من عمليات الاغتصاب والعمليات الوحشية الأخرى تبعًا لتقرير للأمم المتحدة، وهذا هو مجرد قمة جبل الجليد من أمثلة أخرى عديدة حول العالم.

الإجابة؟

ربما لم تدرب الولايات المتحدة أي رجال مسلحين ليبيين في جزر الكناري ولكنها خططت لخلق مجموعة مسلحة أخرى وإدماجها في ليبيا الممتلئة بالمجموعات المسلحة بالفعل وهذه الخطة تمضي قدمًا فى طريق محفوف بالمخاطر.

وقد سيطرت المليشيات ﻷكثر من نصف عام على أكبر ثلاثة موانئ في ليبيا، وقام أشخاص مسلحون بقتل الكثير من المتظاهرين الغير مسلحين، وقام آخرون بإخلاء مدن كاملة من سكانها، ويعمل آخرون مع العصابات الإجرامية لتهريب المخدرات وخطف الأطفال من أجل الفدية بالاضافة للتورط في تجارة غير مشروعة للاتجار في البشر، وما زال البعض يقوم باعتقالات عشوائية وممارسة التعذيب بالإضافة لكونهم مسئولين عن الكثير من القتلى المحتجزين، وقام الرجال المسلحون بقتل الأجانب واستهداف المهاجرين الأقباط وقتال المجموعات الداعمة للحكومة، وقام البعض بالهجوم على منشآت حكومية وليدة، على سبيل المثال، قام مسلحون بتفجير مبنى البرلمان الوطني الشهر الماضي مما دفع أعضاءه للاجتماع في فندق (ويبدو أن  الاعتداء قد أثارته مجموعة غير معروفة قامت بالهجوم على اعتصام معادٍ للبرلمان وقامت بخطف بعض المتظاهرين).

بعض المليشيات لها صفة شبه رسمية وتدين بالفضل لبعض أعضاء البرلمان. وميليشات أخرى يتم الصرف عليها لتدعم سقوط الحكومة الليبية. وقد وردت تقارير عدة بتورط هذه الحكومة في انتهاكات موسعة تتضمن اعتقالات دون مراعاة الأصول القانونية والملاحقات الأمنية للقضاء على حرية الإعلام، فى الوقت الذي فشلت فيه فى إلغاء قوانين عصر القذافي التي من ضمنها كما ذكرت هيومين رايت واتش العقوبات البدنية والجلد عقابًا على الزنا والقذف وبتر الأطراف.

يتفق معظم الخبراء أن ليبيا تحتاج إلى مساعدة لتقوية الحكومة المركزية وفرض القانون، كما قالت مديرة هيومن رايتس ووتش لشئون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إنه ما لم يركز المجتمع الدولي في احتياج ليبيا لمساعدات عاجلة لنظامي القضاء والأمن، فإن ليبيا ربما ستعاني من انهيار لمؤسساتها الأمنية الضعيفة مما سوف يتسبب في تدهور حقوق الإنسان في البلاد، ولكن كيف يتم فعل هذا، هو الذي يبدو غير واضحًا.

صرحت آن باترسون – رئيسة مكتب شئون الشرق القريب في وزارة الخارجية الأمريكية – للجنة الخدمات المسلحة في الكونجرس بأن الزملاء في وزارة الدفاع يخططون لتدريب من 5000 إلى 8000 من قوات الأمن العام، وأن الولايات المتحدة ستقوم بفحص أمني دقيق للمتدربين المشاركين في البرنامج ولكن الأدميرال ويليام ماكرفنى – زميلها في وزارة الدفاع – اعترف أن بعض القوات التي سيتم تدربيها من المحتمل ألا يكون سجلها الأمني نظيف تمامًا.

في أعقاب الفشل الذريع للصراعات في العراق وأفغانستان، تبنت الولايات المتحدة نموذجًا للقتال يركز على تكنولوجيا الطائرات بدون طائرين وقوات العمليات الخاصة وقبل هذا كله التدريب على الحرب بالوكالة من أجل تحقيق أهداف الأمن القومي الأمريكي من مالي إلى سوريا.. وقريبًا جدًّا في ليبيا.

لا توجد بالطبع إجابات سهلة، كما أوضح بيرني سيبي فإن الولايات المتحدة من الدول القليلة في العالم التي تمتلك الموارد اللازمة لتنفيذ عمليات ضخمة مثل تدريب قوات أمن جديدة لدولة على حافة الحرب الأهلية مثل ليبيا، ولكن الولايات المتحدة عانت بصورة متكررة من قلة الذكاء وعدم القدرة على التعامل بكفاءة مع المتغيرات المحلية والإقليمية التي تتضمنها هذه العمليات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، كما عانت الولايات المتحدة من جرعات هائلة من التفكير السطحي والتخطيط الضعيف، وأرفد سيبي أن هذا بالفعل قرار خطير قد يزيد من الارتباك في موقف عنيف بالفعل.

فمثلاً الفشل في تصور عواقب تدخل الولايات المتحدة الأخير في ليبيا أدى إلى كسر البلاد وألقى بها في دوامة من العنف راح ضحيتها بعض الأمريكيين (ضمن آخرين) بينما ساعدت في زعزعة استقرار البلاد المجاورة والوصول بسهولة للمجموعات الإرهابية المحلية والمساعدة في تهريب الأسلحة التي أشعلت الصراعات الإقليمية الموجودة بالفعل، حتى إن أماندا دوري، نائب مساعد وزير الدفاع للشؤون الإفريقية، اعترفت في تقرير صحفي حديث للبنتاجون أن تداعيات إسقاط القذافي اتضح أنها أسوأ بكثير مما تم توقعه في ذاك الوقت. وإنه من الواقعية الاعتراف بأن الجهود المحدودة الأولية لتقوية قوات الأمن الليبية كانت فشلًا مدقعًا انتهى بتحسين وليس القضاء على قوة المليشيات.

يختم الكاتب المقال بقوله إن بالطبع لا توجد دولة تستطيع أن تفعل كل شيء بطريقة صحيحة ولكن هناك دولة واحدة عندها مقدرة مخيفة على فعل الأشياء بطريقة خاطئة، ثم يتساءل: سواء كان المكان خارج طرابلس أم في بلغاريا أم في جزر الكناري أو أيا ما كان، هل من الصحيح أن تكون هذه الدولة هي المسئولة عن عملية دقيقة لبناء قوات أمن متماسكة لمحاربة العنف والمجموعات المسلحة الطائفية؟ هل يجب فعلاً خلق قوات منفصلة يتم تدريبها بعيدًا عن وطنها بواسطة أجانب وتم جذب أعضائها من مليشيات سببت زعزعة استقرار ليبيا في الأساس؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد