تعتبر الاستفادة من النفايات واحدة من أبرز التحديات الاقتصادية والبيئية التي تواجه العالم الحديث، وذلك في ظل تزايد المخلفات التي أصبحت عبئًا ثقيلًا على دول المنطقة، ولعل لبنان كان مثالًا صارًخا على ذلك عندما خرجت تظاهرات «طلعت ريحتكم» في 2015. ورغم أن المنطقة العربية خاصةً تتعامل مع النفايات على أنها أزمة، تعتبر دول أخرى في العالم النفايات كنزًا اقتصاديًّا يدر مليارات الدولارات.

ومُؤخرًا كشفت الصين الرائدة في مجال تدوير النفايات، عن خطة جديدة لإعادة تدوير 350 مليون طن من النفايات، وذلك بحلول 2020، إذ تهدف الخطة إلى إعادة تدوير 23 مليون طن من النفايات البلاستيكية، ونصف كل ما لديها من نفايات ورقية خلال الـ3 سنوات القادمة، فيما تخطط بكين أيضًا لبناء نحو 300 محطة لتحويل القمامة إلى طاقة، بالإضافة إلى بناء أكبر معمل لمعالجة النفايات، وتحويلها إلى طاقة في العالم.

الاتجاه الصيني قابله خمول، وتأخر ملحوظ من جانب المنطقة العربية في مجال إعادة تدوير النفايات والاستفادة منها، ولم يقف الأمر عند هذا الحد؛ بل كان الاتجاه عكسيًّا؛ إذ أصبحت النفايات من أكبر الأزمات التي تواجه كثيرًا من المدن العربية، فيما باتت أيضًا أهم مصادر الأمراض السرطانية، إذ تقدم النائب في البرلمان المصري محمد فرج عامر ببيان عاجل بشأن عدم الرقابة على إعادة تدوير الفوارغ البلاستيكية التي تسبب الأمراض السرطانية، مُوضحًا أن الخطورة تكمن في انتقال مركبات العبوة الأولية البتروكيماوية للغذاء المعبأ داخلها، وهو ما يؤدي إلى التسمم أو إتلاف الأعضاء الداخلية للإنسان.

في نفس الاتجاه نشرت صحيفة الأهرام المصرية الرسمية تقريرًا بعنوان «سرطان علي المائدة.. إعادة تدوير مخلفات طبية لتصنيع الأطباق والملاعق»، نقل عن عامل بمصنع بلاستيك في منطقة العكرشة بأبو زعبل قوله إن «المصانع تستقبل المخلفات بكافة صورها، وتفصل المواد البلاستيكية عن الورقية، في حين تقوم بمزج مادة البولي إيثيلين علي البلاستيك لتعطي له رونقًا، وتعيد فرمه، وتنتج منه الأطباق البلاستيك والملاعق والأكياس الجديدة».

إلى أين وصل العالم في مجال تدوير النفايات؟

إعادة تدوير النفايات، أو إعادة تصنيعها تعتبر من أهم المجالات الاقتصادية في العصر الحديث، يُمكن رؤية ذلك بالهدف الذي وضعه الاتحاد الأوروبي في هذا المجال، وهو إعادة تدوير 50% من النفايات بحلول عام 2020، مقارنة بـ35% عام 2010، و23% عام 2001، إلا أن دولًا أوروبية قد تجاوزت هذه النسبة، وهو ما أظهرته إحصائيات وكالة البيئة الأوروبية (EEA) عن عام 2013.

سويسرا وألمانيا دولتان لهما باع طويل في هذا المجال، بدءًا بحظر التخلص من النفايات بالطمر والدفن في باطن الأرض، ثم إنشاء منظومة متكاملة بخصوص هذا الشأن، تبدأ من التي تفرض عليهم ألمانيا رسومًا إضافية حال كانت عبوات منتجاتهم أصعب في إعادة التدوير، وهو ما يدفع المصنّعون للاقتصاد بقدر الإمكان في المواد الأولية التي يستخدمونها في تصنيع عبوات وأغلفة المنتجات.

السويد كذلك إحدى الدول التي حققت أرقامًا مذهلة في إعادة التدوير، إذ تستخدم 100% من نفاياتهم في إنتاج الكهرباء والتدفئة؛ بل إنها في سبيل ذلك تستورد النفايات من النرويج.

النفايات

ووفقًا لرصد موقع «statista»، فإن النمسا وألمانيا سجلتا أعلى المراكز في برامج إعادة التدوير لعام 2015 بـ63% و62% على التوالي، فيما يتوقع أن يزداد نمو سوق إعادة تدوير النفايات في العالم من 14 مليار يورو عام 2011، إلى 35 مليار يورو بحلول عام 2020.

أين العرب من كنز النفايات؟

رغم توسع دول العالم في صناعة تدوير النفايات، وضخ استثمارات ضخمة بها تتجاوز مليارات الدولارات، وذلك لأسباب صحية وبيئية واقتصادية، إلا أن المنطقة العربيةً تتجاهل هذه الصناعة الضخمة لأسباب عدة، أهمها في رأي الخبير الاقتصادي مصطفى عبد السلام، «عدم إدراك أهمية هذه الصناعة من الأصل من قبل الحكومات».

الخيار الأسهل على المدى القصير هو دفن النفايات أو حرقها، رغم أنه مُكلّف على المدى الطويل صحيًّا وماليًّا، ومع ذلك تلجأ الحكومات العربية إلى هذا الخيار. وربما يعود الأمر إلى «إهدار الموارد المالية من قبل بعض الحكومات العربية، بخاصة التي ينتشر بها الفساد، أو ليس لديها رقابة برلمانية فعالة، أو تلك التي لديها تخمة في السيولة المالية»، كما قال عبد السلام.

وتُشير الأرقام إلى أن كمّية المخلفات المتراكمة في المنطقة العربية سنويًّا تقترب من 100 مليون طن، وبسبب عدم تدوير النفايات الصناعية من البلاستيك فقط، تخسر الدول العربية حوالي خمسة مليارات دولار سنويًّا.

ووصف عبد السلام الاستثمارات العربية في تدوير النفايات بـ«الخجولة والمحدودة جدًّا»؛ إذ إنها لا تتجاوز 200 مليون دولار، ومعظمها مبادرات فردية مركزة في قطاع غزة، ودوّل خليجية مثل قطر والإمارات، رغم أن تدوير النفايات يمكن أن يساعد الحكومات العربية في حل العديد من المشاكل المجتمعية كالفقر، والبطالة فهذه الصناعة يمكن أن توفر فرص عمل لآلاف الشباب، بحسب عبد السلام.

وعن التدوير الذي يتسبب في الأمراض السرطانية، أوضح الخبير الاقتصادي أن ما يحدث في عدد من البلدان العربية لا يطلق عليه تدوير، كونه لا يخضع لأسس علمية صحيحة في مراحل التصنيع والإنتاج، بخاصة في إعادة تدوير البلاستيك والزجاج، ومخلفات المستشفيات والمعامل، ومن هنا تحدث كوارث.

 

 

ماذا يجب أن يفعل العرب لدخول عالم تدوير النفايات؟

يعتقد عبد السلام أنه في البداية على الحكومات العربية أن تدرك أن هذه الصناعة تحتاج لاستثمارات ضخمة، وفي حال لم تكن الحكومات قادرة على ذلك، فعليها إفساح المجال للقطاع الخاص، على حد تعبيره.

«عدم الاستسهال من خلال دفن وحرق النفايات لأضرارها الكبيرة على الصحة العامة، وفرض رقابة حكومية شديدة على دفن وحرف النفايات للحد منها»، يقول عبد السلام الذي ينصح بتشجيع الحكومات العربية على صناعة تدوير النفايات بمنح حوافز ضريبية، ومالية للمستثمرين فيها.

ما هي أهمية تدوير النفايات؟

تكمن أهمية تدوير النفايات في الحيز الذي يشغله هذا المجال، سواء من الناحية الاقتصادية أو البيئية، إذ يُنتج نحو 5% من سكان كوكب الأرض حوالي 40% من النفايات الأرضية، ومع الزيادة السكانية ترتفع المخلفات في العالم، وهو ما يجعل تدوير النفايات أمرًا غاية في الأهمية، ولعل أبرز ما يجعل التدوير صناعة مهمة هو:

  • قطاع إعادة التدوير العالمي يُحقق أكثر من 160 مليار دولار سنويًّا، ويعمل فيه أكثر من مليون ونصف المليون شخص.
  • يساعد إعادة تدوير النفايات في الحد من التلوث والإضرار بطبقة الأوزون.
  • يحافظ التدوير على الموارد الطبيعية، وينقذ الأشجار من القطع لأجل إنتاج الأوراق والصحف.
  • توفر النفقات والطاقة، فإعادة تدوير المنتجات توفر طاقة أكثر بكثير من تصنيعها من المواد الخام.

نماذج واعدة

وفي ظل ابتعاد المنطقة العربية عن هذا المجال، تبرز نماذج واعدة في قطاع إعادة تدوير النفايات في الشرق الأوسط، ففي قطاع غزة المحاصر نجحت تجربة متواضعة بطرق بدائية، وماكينات محلية الصنع في إعادة تدوير نفايات بلاستيكية، والخروج منها بمنتجات جديدة للمستهلك.

وتمكّن الفلسطيني عمر الرملاوي، صاحب مصنع للمنتجات البلاستيكية، من إنتاج حبيبات البلاستيك المعاد تدويره، بالإضافة إلى خراطيم المياه، ومعدات الكهرباء البلاستيكية، وأكياس النفايات، وأكياس الدفيئات الزراعية.

قطاع غزة المرتبط بظروف خاصة بسبب الحصار الإسرائيلي، يضم نحو 22 مصنعًا لإعادة التدوير، بحسب رئيس الاتحاد العام للصناعات الفلسطينية سامي النفار، إذ يُنتج القطاع حوالي 500 ألف طن من النفايات المنزلية سنويًّا، بواقع 1900 طن يوميًّا.

 

 

الرملاوي، أكد أن مصنعه الصغير يعتبر مشغلًا جيدًا للأيدي العاملة في قطاع غزة، الذي يعاني من بطالة متفاقمة، بدءًا من عملية جمع البلاستيك، وصولًا إلى التدوير، إذ يعمل بالمصنع نحو 50 عاملًا.

أحمد جولاق (19 عامًا)، مدرس الفنون البصرية بمدينة صامسون التركية، هو الآخر يُعد نموذجًا مضيئًا في مجال تدوير النفايات؛ إذ يعمل في صناعة التحف الفنية والديكورات من النفايات، ويُعيد تشكيل بعض المواد المستخدمة في صورة فنية، لتتحول مواسير المياه المستخدمة والنفايات على يديه إلى تحف فنية وديكورات، أو أدوات إضاءة متميزة.

وبعيدًا عن النماذج التي تعتبر فردية بشكل أو بآخر، تبرز تجربة تركية أخرى بولاية قونية وسط البلاد، إذ توفر محطة تحويل نفايات متطلبات نحو 26 ألف منزل من الطاقة الكهربائية بقدرة 5.6 ميجاواط يوميًّا، لم يتجاوز عمر هذه المحطة خمس سنوات، إلا أنها استطاعت إنتاج نحو 215 مليونًا و155 ألفًا و287 كيلوواط من الطاقة الكهربائية، خلال هذه المدة.

المحطة التركية تعمل من خلال النفايات التي يستخلص منها غاز الميثان في أحواض مطمورة تحت الأرض، في شروط تراعي الصحة العامة والبيئة، ويتم تحويله إلى طاقة كهربائية؛ إذ تجمع البلدية نحو 196 طنًّا من النفايات الطبية، من 802 مؤسسة صحية، بينها مستشفيات ومراكز لغسيل الكلى، في مختلف أقضية ومناطق قونية، وتخضع تلك النفايات لعملية التعقيم قبل التخلص منها.

عرض التعليقات
تحميل المزيد