في فترات الأعياد المختلفة يحب البشر التجمع لمشاهدة مباراة كرة قدم، أو فيلم جديد على التلفاز. ربما تكون هذه العادة مستمرة طوال العام، لكنها تبرز في مواسم الأعياد والإجازات بوضوح، خصوصًا إذا ما صاحبتها زيارات عائلية أو زيارات للأصدقاء.

ومع تفشي وباء كورونا عام 2020، وما صاحبه من حظر وإغلاق في بعض الدول، ارتبط كثير من الناس بالتلفاز، وزاد ارتباطهم بهذه اللحظة التي تتجمع فيها الأسرة لمشاهدة أحد البرامج الترفيهية، أو ربما متابعة نشرات الأخبار حول تطور الجائحة المتفشية، والبحث عن أمل ما ينقذهم من هذا الحبس الإلزامي في المنازل.

ولكن لماذا يحب الإنسان لحظة التجمُّع حول التلفاز؟ لا المشاهدة فحسب، بل «التجمع» مع أفراد آخرين من حوله.

سلوك متطور.. منذ العصر الحجري

قد يصف البعض هذه الجمعات بأنها «مضيعة للوقت»، لكن علماء الأنثروبولوجيا يختلفون حول هذه النقطة، فبعضهم يعتقدون أن هنالك سببًا وجيهًا يجعل الكثير منا يحب التجمع حول الصندوق السحري المسمى التلفاز. وبعيدًا عن كونه مرتبطًا بالترفيه، فهو إرث لسلوك بدأ لمساعدة البشر على النجاة من عالم العصر الحجري القاسي.

Embed from Getty Images

تعلم أسلافنا صنع أسلحة يمكن استخدامها للصيد عن بعد، وسهَّلت على البشر تأمين مصادر للتغذية بشكل أكثر فعالية، يبدو دور التطوُّر هنا واضحًا لأنه يلبي احتياجات مباشرة وملموسة للبشر. ولكنه موجود أيضًا في جوانب أخرى من الحياة، مثل تطوُّر طريق تواصلنا الاجتماعي، الذي يراه علم الأنثروبولوجيا مهمًّا، لا لأننا نحب ذلك وفقط؛ بل لأننا بحاجة له.

قد يبدو هذا واضحًا لأي شخص عانى من العزلة أثناء الإغلاق والحظر هذا العام. لكن الأمر أكبر من ذلك؛ إذ إن المتعة التي نكتسبها من الاسترخاء حول التلفزيون مع الأصدقاء والعائلة قد تساعد في تفسير كون البشر مخلوقات اجتماعية في المقام الأول.

السيطرة على النار.. البداية

نعرف منذ عقود أن استخدام النار غيَّر حياة البشر الأوائل، فقد سمح لهم بطهي الطعام على سبيل المثال، مما سهل عملية الهضم، ولكن للنار أهمية أخرى: لأنها مصدر للضوء يمكن للناس أن يجتمعوا حوله عند دخول الليل التام.

ويأتي هنا اسم عالمة الأنثروبولوجيا بولي ويسنر، من الباحثين القلائل الذين بحثوا في الأهمية الاجتماعية لضوء النار. زارت بولي على مدى عقود إحدى القبائل التي تعيش على الصيد وجمع الثمار في جنوب أفريقيا، مثلما عاش أسلافنا الأوائل، لدراسة أسلوب حياتهم.

Embed from Getty Images

قبل عقد من الزمان، قررت بولي استكشاف محتوى أكثر من 150 محادثة وثقتها لهذه القبيلة، وكانت النتائج أكثر من رائعة، فقد وجدت أن الحديث خلال النهار عادي أو عن العمل، فثلث المحادثات كانت عن موضوعات مثل البحث عن مؤونة، وعن استراتيجيات الصيد، وثلث آخر مخصص لشكاوى أعضاء المجموعة.

ولكن الأمر يختلف تمامًا باجتماع أفراد القبيلة حول نار المخيم في الليل، فحوالي 80% من المحادثات كانت على شكل قصص، بعضها مضحك وبعضها مثير، ولكن جميعها ممتعة بحسب وصف بولي. ومع ذلك، غالبًا ما كانت هذه المحادثات عن معلومات حول الآداب والتقاليد الاجتماعية، وحول التواصل الاجتماعي مع أماكن بعيدة جغرافيًّا، يمكن زيارتها للمساعدة في أوقات الشدة.

وتسهِّل هذه القصص حياة الإنسان وتجعل قدرته على البقاء أعلى، وإذا ما نظرنا إلى الصورة الكبيرة، فربما تكون هذه القصص أكثر أهمية من الحديث اليومي عن العمل في الصباح.

التعاون للحصول على النار

للنار دورٌ آخر في ربط البشر بعضهم ببعض. قبل أن يتعلم الإنسان إشعال النار كانت بالنسبة له «موردًا» يجب أن يأخذه من البيئة من حوله، وبالطبع لم يكن هذا سهلًا؛ ما شجَّع البشر قديمًا على التعاون معًا للحفاظ على اشتعال نيران المخيمات ليلًا ونهارًا.

ولكن لماذا وجد البشر في النار ما يبعث على الطمأنينة، على العكس من الحيوانات التي تخيفها النار؟ فهل كان تعاون البشر واجتماعهم لإبقاء النار مشتعلةً فرصةً لنمو هذه المجموعات البشرية؟ وفرصة لتبادل القصص والمعلومات معًا؟

جمع علماء مقاطع فيديو لإشعال النار وعرضوها على مشاركين أثناء قياس ضغط دمهم، ولوحظ انخفاض المؤشر، ما يدلُّ على الاسترخاء، وزاد استرخاء الأشخاص المجتمعين معًا؛ ما يشير إلى إمكانية وجود رابط بين النار والاسترخاء والتواصل الاجتماعي.

التلفاز.. نار مخيم القرن الواحد والعشرين

تساءل العلماء إذا كان من الممكن أن يوضِّح ما ذكرناه سابقًا سبب استمتاع الكثيرين منا بالتجمعات العائلية أو مع الأصدقاء أمام التلفاز.

ولاختبار هذه الفكرة، أجرى فريق بحثي تجربة أخرى، لكن هذه المرة، بدلًا من مشاهدة مقطع لألسنة اللهب المتوهجة، شاهد المتطوعون مقطعًا مصورًا، ولم يكن مثيرًا للاهتمام، بل مجرد فيديو إرشادي جاف. ورغم ذلك، خفض التجمع ضغط دم المشاركين، وظهر الاسترخاء أكثر على المشاهدين الأكثر تقاربًا.

Embed from Getty Images

وقد أثارت هذه النتائج فضول البعض ليتساءلوا عما إذا كان هناك شيء ما في طبيعة وميض ضوء الشاشة نفسه يحفز التقارب الاجتماعي ورواية القصص. راقبت دراسة في عام 2019 نشاط دماغ الأشخاص أثناء مشاهدة حريق حقيقي. وهنا لاحظ العلماء تضخُّمًا لموجات دلتا، وهي موجات دماغية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالذاكرة والانتباه. قد يشير هذا إلى أن ضوء النيران الوامض يساعد في ضبط الدماغ بحيث يتقبل تعلم الدروس من القصص.

النظر في اللهب.. الاستجابة التوجُّهية

قد تحدث ظاهرة أخرى مثيرة للاهتمام عندما نحدق في اللهب الخافت. يشتبه العلماء في أن حركة ألسنة اللهب السريعة وغير المتوقعة قد تولد رد فعل يسميه علماء الفسيولوجيا «استجابة توجهية». وتشير بعض الأبحاث إلى أن المشاهد الدرامية في الأفلام ينتج منها هذا التأثير أيضًا.

وفي كلتا الحالتين، بمجرد أن نتذكر أنه لا داعي للقلق، قد يفرز جسمك مادة الإندورفين في المخ، وإذا صحَّت هذه التنبؤات فقد تفسِّر سبب كون التحديق في النار أو التلفزيون مريحًا للغاية.

ما زال أمام العلم الكثير لاكتشافه، مثل دراسة اختلاف التأثير الفسيولوجي لكل نوع من الدراما، ولكن من المؤكد أن مشاهدة التلفاز، من هذا المنظور العلمي، ليس مضيعة للوقت فحسب.

صحة

منذ 3 أسابيع
احترس.. تصفح الهاتف الذكي أثناء مشاهدة التلفاز يجعل ذاكرتك في خطر!

المصادر

تحميل المزيد