على مدار ست سنوات من عمر الثورة السورية، كانت خسارة قطاع المياه في سوريا كبيرة للغاية، تعددت الأطراف التي تسببت في هذه الخسارة، وتعدد نتائج استهداف مصادر المياه في المعركة. فما بين التسبب في عطش الملايين من السوريين إلى انتشار الأوبئة والأمراض بسبب تلوث المياه، وليس انتهاء بتقلص مساحة الأراضي الخاضعة للري بنسبة 49%، وتراجع في نسب خزانات المياه، تشكلت جملة من الخسائر.

«عين الفيجة».. نموذج في حرب المياه

في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، دمرت القوات الجوية التابعة للنظام السوري وحلفائه نبع «عين الفيجة» الذي يعتبر المورد الرئيس للمياه في دمشق وضواحيها، وبذلك منعت مياه الشرب ولأكثر من شهر عن ما يقارب 5.5 مليون شخص، إذ استمرت المنطقة تحت وطأة
الهجوم حتى انسحبت المعارضة السورية في نهاية يناير (كانون الثاني) 2017 .

نبع عين الفيجة (المصدر: موقع كلنا شركاء)


آتى هذا التدمير ضمن حملة عسكرية للحكومة السورية بدأت بالتحديد يوم 22 ديسمبر (كانون الأول)2016، هدفت لاستعادة السيطرة على وادي بردى الواقع شمال شرقي دمشق، فهو في جعبة المعارضة السورية منذ 2012، وقد حققت الحملة هدفها بانسحاب مقاتلي المعارضة، كما تسببت في تدمير حوالي 50% من مشغِّلات النبع، وكذلك دمرت مضخات وآليات كبيرة، كما نسفت مستودعات المحروقات الخاصة بالنبع، وموقع تخزين كلور المياه الملاصق تمامًا للنبع؛ مما أدى إلى اختلاطه بالمياه الصاعدة من جوف النبع.

ومع تبادل الاهتمامات بين المعارضة والنظام، أصدرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة في 14 مارس (آذار) 2017، تقريرًا يؤكد أن: «القوات الجوية السورية قصفت عن عمد مصادر للمياه في ديسمبر (كانون الأول) 2016»، ووصفت هذا القصف الذي أدى لقطع المياه عن 5.5 مليون شخص في العاصمة دمشق ومحيطها بأنه «جريمة حرب»، كما نفت اللجنة مزاعم النظام بأن المعارضة سممت النبع، وأكدت أنه: «لم يعثر على أدلة تظهر تعمد الجماعات المسلحة تلويث أو تدمير إمدادات المياه، أو تفيد بمعاناة أشخاص من أعراض تلوث المياه يوم 23 ديسمبر (كانون الأول) 2016 أو قبله».

ورغم أن استهداف النظام لعين الفيجة، حال للمرة الأولى دون تدفق المياه عبر المسيل الرئيسي، لتنحدر باتجاه نهر بردى، إلا أنه سبق وتعرض النبع للتهديد في عام 1925 أيام الاحتلال الفرنسي، إذ هدد الجنرال الفرنسي «موريس بول ساراي» في إطار الضغط على أهالي سوريا لدفع التعويضات والغرامات «بقطع مياه الفيجة عن المناهل؛ كي يموت السكان عطشًا».

يعود تاريخ ارتباط دمشق العاصمة بمياه نبع الفيجة إلى مطلع القرن الماضي، عندما أمر التركي «ناظم باشا» في عام 1908 بتوزيع المياه على البيوت الدمشقية، ثم بعد ثلاثة عشر عامًا جاءت فكرة مشروع شامل، يصل مياه النبع بصنابير البيوت، وفي عام 1932 أُنجز المشروع.

عدَّة جهات في حرب المياه

«كان التغير في حركة تدفق الأنهار هائلًا، حتى إنه يمكن رؤية الآثار الناجمة بوضوح من خلال الصور«، هذا ما قاله المحقق الرئيسي في دراسة جامعة ستانفورد، البروفيسور «ستيفن جورليك»، تلك الدراسة التي اعتمدت في بياناتها على صور الأقمار الاصطناعية، بسبب صعوبة الوصول إلى الأماكن، وتقييم كيفية استخدام المياه وإدارتها على الأراضي السورية، أظهرت النتائج تقلصًا في مساحة الأراضي الخاضعة للري بنسبة 49%، وأيضًا تراجعًا في خزانات المياه الـ11 الواقعة في حوض نهر اليرموك.

 

 

ورغم أن «عين الفيجة» كانت هي المحطة الأهم في حرب المياه بين فصائل المعارضة والنظام السوري، كونها تغذي معظم أحياء دمشق بالمياه، واستمرت أكثر من شهر، فهي ليست الوحيدة التي تضررت من الصراع، فقد أقرت المعارضة السورية، بقطع تدفق مصادر مياه لاستخدامها ورقة ضغط أثناء المفاوضات مع النظام، خاصة عند تشديد النظام لحصار مناطق المعارضة، وكما تؤكد صحيفة «الإندبندنت» البريطانية فقد: «تعرضت الخزانات الخاضعة لسيطرة المعارضة بصفة خاصة لسوء الإدارة، إذ تفتقر المعارضة إلى الخبرات الفنية وفرق العمل اللازمين لإدارتها بصورة سليمة».

لكن تمثل الأمر الأخطر في هذا الصراع بما تعمده النظام السوري على مدى ست سنوات من عمر الثورة في النيل من مصادر المياه لتحقيق أهدافه في المعركة، حتى أنه ما يزال يواصل قطع المياه عن مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين ومحيطه، كما دخل «تنظيم الدولة» في معركة المياه، ففي 7 مارس (آذار) الحالي انتهت سيطرته على محطة ضخ تزود حلب بالمياه بعد 50 يومًا، وسبق أن منع مع تنظيم «جبهة النصرة» سكان مخيم اليرموك من التزوّد بالمياه في أبريل (نيسان) عام 2016.

سوري يحاول الحصول على المياه (المصدر: موقع دويتشه فيله)

وقد ساهمت السياسات الحكومية السورية العامَّة قبل الثورة السورية في تدهور الوضع المائي، وذلك بهدر الموارد المائية، وعدم التخطيط العلميّ طويل الأمد، يقول المهندس محمد البكور: «في الماضي، عندما كانت العلاقات السياسية جيدةً مع الأردن ولبنان، وعندما كان حافظ الأسد -أو بشار الأسد- راضيًا بشكلٍ شخصيٍّ عن الحكومة في البلدين، كان يأتي أمرٌ لرئيس الوزراء بضخّ المياه إليهما، دون النظر في وجود إمكانيةٍ لتحقيق ذلك، أو إن كان هناك فائضٌ عن حاجة الشعب السوريّ. في كثيرٍ من الأوقات كانت المياه تُقطع عن دمشق لعدّة أيامٍ، بينما تتوافر في الأردن بشكلٍ منتظم«.

يذكر أن المادة 54 الفقرة 2 من البروتوكول الأول الإضافي لاتفاقيات جنيف لعام 1949 يحظر «مهاجمة أو تدمير أو نقل أو تعطيل الأعيان والمواد التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين، ومثالها المواد الغذائية، والمناطق الزراعية التي تنتجها، والمحاصيل، والماشية، ومرافق مياه الشرب وشبكاتها، وأشغال الري، إذا تحدد القصد من ذلك في منعها عن السكان المدنيين أو الخصم، لقيمتها الحيوية، مهما كان الباعث، سواء كان بقصد تجويع المدنيين، أم لحملهم على النزوح، أم لأي باعث آخر».

سوق سوداء.. للمياه هذه المرة

شهدت مدينة حماة عام 2013 انقطاع المياه بفعل الصراع، حينها لجأ المواطنون السوريون لشراء زجاجات المياه المعدنية المعبأة لشركات حكومية مثل دريكيش وبقين بأسعار مرتفعة جدًّا، وهو ما يعني أن النظام السوري استفاد ملايين الليرات عند بيع المياه لمليون ونصف المليون، وهم عدد سكان حماة.

معاناة السوريين في توفير المياه (المصدر: موقع دويتشه فيله)


لكن الربح الأكبر للنظام كان بعد تدمير نبع الفيجة، فمباشرة بعد أزمة دمشق المائية في ديسمبر (كانون الثاني) سارع تجار تحت رعاية وزارة حماية المستهلك الحكومية إلى التلاعب بسعر المياه، ببيع 12 لترًا من الماء بسعر 650 ليرة سورية (ما يعادل يوميّة موظّف في دوائر النظام أو في القطاع الخاص)، ثم وصل سعر بيعها إلى 800 ليرة، بل وصلت في أحياء مثل المالكي وأبو رمانة إلى 1,200 على يد أصحاب المحال التجارية.

ولحق ارتفاع الأسعار في الأدوات التي تستخدم في نقل المياه، إذ وصل سعر «بيدون» المياه الفارغ سعة 10 لترات في أسواق العاصمة لـ500 ليرة سورية، وسعة 20 لترًا لنحو 8500 ليرة (بعد أن كان بـ750 ليرة)، ويذكر موقع «إذاعة ميلودي إف إم» أن ارتفاع الأسعار لحق بخزانات المياه الفارغة، فتراوح سعر خزان المياه سعة 7.5 برميل إلى 55 ألف ليرة، كما وصل سعر الخزان نوع أول سعة 2000 لتر إلى 80 ألف ليرة.

وقد شارك النظام السوري في تفاقم الأمر، وذلك بفرض ما سماه المواطنون بـ«الأتاوات» على أصحاب الصهاريج المحلية التي تبيع مياه الشرب للمواطنين، فإذا ما أراد صاحب الصهريج المرور عبر الحواجز لبيع المياه، يطلب منه عناصر النظام تعبئة جميع خزاناتهم الموجودة على الحاجز، بل قد يصطحب البائع إلى بيوت العناصر وبيوت قادتهم لتعبئة خزاناتهم، وهو ما زاد من سعر المياه، وقد نشر النظام السوري صهاريج مياه تابعة لمؤسساته للبيع في السوق السوداء بسعرٍ باهظ.

أمراض.. وبؤسٌ لا ينتهي

عندما مُنعت المياه عن الكثير من المناطق السورية، اضطر المدنيون للبحث عن مصادر مياه أخرى، تارة بشراء مياه مجهولة المصدر، وتارة بحفر آبار أرتوازية، وهو ما كانت نتيجته الحصول على مياه شرب غير معالجة أدت للإصابة بأمراض تلوث المياه كالإسهال الحاد، والتهاب الأمعاء، والتسمم، والتلبّك المعوي.

 

فعلى سبيل المثال ذاقت أحياء مدينة درعا الخاضعة لسيطرة المعارضة الأمرين من هذا التلوث، عندما تسرّبت الرواسب والشوائب ومياه الصرف الصحي إلى مياه الآبار السطحية، من ثم انتشرت حالات التسمم وعسر الهضم، والإسهال المزمن، واستقبلت مستشفيات المدينة مئات الحالات التي تعاني من آلام البطنية، وإسهال، وارتفاع درجات الحرارة، والقيء المتكرر، بل سُجلت حالات إصابة بحمى التيفوئيد، والالتهاب الكبدي (أ)، ولذلك حذّرت منظمة الصحة العالمية من ازدياد نسبة الأمراض المنقولة عبر المياه مثل التيفوئيد، والتهاب الكبد الوبائي بشكل كبير، ونقلت ممثلة المنظمة الطبيبة «إليزابيث هوف» قولها إنه: «تم رصد أكثر من 30 ألف حالة إصابة بالالتهاب الكبدي الوبائي (أ) العام الفائت، وهناك أكثر من ألف مصاب في شهر يناير (كانون الثاني) العام الجاري، وثلث المياه فقط قد أصبحت نقية وصالحة للشرب، والبقية ملوثة، بعد أن كانت نسبة نقائها 100%»، وقد دفعت خطورة الوضع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) مؤخرًا للتحذير من وجود «مخاوف كبيرة من انتشار الأمراض المنقولة عن طريق المياه بين الأطفال في سوريا».

أما مخيم اليرموك كنموذج آخر، فقد اضطر سكانه للاعتماد على الآبار الأرتوازية في تأمين حاجتهم من المياه، هذه الآبار ملوثة بالأتربة والرواسب، إذ يظهر تحليل لعينات من مياه آبار المخيم، أجراه «المجمع الطبي الخيري» أن: «هذه المياه غير صالحة للشرب؛ لاحتوائها على نسب عالية من الكالسيوم والبوتاسيوم والصوديوم، مما يدل على ارتفاع تركيز شوارد الكالسيوم، ووجود بنى بلورية، وظهور وحيدات خلية (كيسات زحارية)»، وحذرت «هيئة فلسطين الخيرية» من انتشار الأمراض والأوبئة بين آلاف المدنيين، ومن بينهم الفلسطينيون في بلدات المنطقة الجنوبية للعاصمة: يلدا، وبيت سحم، وببيلا، وذكرت الهيئة أن: «أمراض خطيرة انتشرت في الآونة الأخيرة في تلك المناطق، أثّرت بشكلٍ واضح في الأطفال، وهناك انتشار للإسهال الحاد والتهاب الأمعاء وغيرها من الأمراض».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد