كارثة الفوسفات في مصر، لا نعرف إن كنا محقين في توصيف الأمر بالكارثة أم لا، لأنه لا يبدو أن الأنظمة في بلداننا تتعامل مع هذه الأمور بالجدية الكافية، فخبر غرق ناقلة نيلية محملة بـ500 طن من الفوسفات بعد اصطدامها بأحد أعمدة الكوبري العلوي في محافظة قنا المصرية يبدو أنه لم يسترع اهتمامًا كبيرًا، وتركت الحكومة الباب على مصراعيه للتهويل والتهوين بشأن كارثة بيئية محتملة قد تؤثر على صحة ملايين المصريين، وتسببت في ذكر كبير ظهر صداه على مواقع التواصل الاجتماعي.

تؤكد المعلومات المتداولة أن الفوسفات الخام لا يذوب في الماء، وبالتالي لا يخشى من تأثير هذه الكمية الكبيرة على المياه، في الوقت الذي يحذر فيه خبراء من بعض شوائب الكادميوم الذي ينتمي للفلزات الثقيلة التي تضر بالكلى والكبد، والتي تحتاج لتمرير الماء في أحواض أكسدة بمحطات مياه الشرب لتخليصه من المعادن الثقيلة.

ويحذر خبراء من احتمالية تأثير غرق هذه الكمية من الفوسفات على التوازن البيئي، حيث قد ينتج عنه موت الأسماك والطحالب مؤكدين على أهمية تنقية المياه بنسبة 100% باستخدام تقنيات التنقية المشددة، أو غلق المحطات المتواجد بها الفوسفات لحين القيام بذلك، لما قد تحمله المياه من أخطار خصوصًا على مرضى الكلى والأطفال.

ويحذر آخرون من تناول الأسماك النيلية في المنطقة المصابة، بينما تتضارب التوصيات بشأن صلاحية مياه الشرب للاستخدام، وبخاصة في المحطات المحيطة بموقع الحادث، بينما اكتفت وزارة البيئة بالتأكيد على أن تحليل العينات جاء سليمًا، دون أن تصدر أي خطة عمل أو توصيات بخصوص الحادث.

موجة كبيرة من الفزع تنتاب قطاع واسع من المصريين حول مدى صلاحية المياه التي يشربونها، كانت تستدعي على الأقل أن تصدر إجابات واضحة حول عدد من الأسئلة الرئيسية، كالتي تتعلق بحقيقة الحادث وحجم خطورته الحقيقية، وأهم التوصيات للتعامل مع المياه في المنطقة المصابة، والأعراض المحتملة للإصابة (حتى وإن كانت غير محتملة)، وأرقام خطوط ساخنة للاستفسارات، ناهيك عن الإعلان عن المسؤول عن الحادث ومحاسبته أو إقرار خطة عمل لمنع تكرار هذه الحوادث مرة أخرى، كما يفترض أن تفعل أي دولة تتعرض لخطر بيئي يمس حياة المواطنين أيًّا كان حجمه.

عام 1993: الولايات المتحدة .. كارثة ميلووكي

في عام 1993 شهدت ولاية ميلووكي الأمريكية أكبر كارثة وبائية في تاريخ الولايات المتحدة بسبب تلوث المياه، مع اندلاع مرض طفيلي يسببه طفيل يدعى “كريبتوسيوروديم بارفم”، تلوثت محطة تنقية المياه (هوارد) وأظهرت المياه مستوى غير مسبوق من العكارة، أظهرت التحقيقات التي أجريت فيما بعد أن سبب اندلاع الوباء هو ذوبان الجليد المحمل ببويضات الطفيل في بحيرة ميتشجن، إضافة إلى وجود خلل في إحدى محطات تنقية المياه، والتي تقع على بعد 2 كم من المنبع في بحيرة ميتشجن.

خلال أسبوعين (مدة تفشي الوباء)، تم رصد أكثر من 403 آلاف حالة إصابة بإسهال مائي نتيجة للوباء، تم رصد 69 حالة وفاة، 93% من بينهم من المصابين بأمراض نقص المناعة.

تسببت هذه الكارثة في توجيه انتقادات حادة للمنظومة البيئية في الولايات المتحدة، ولا يزال يتم استدعاؤها في الإعلام الأمريكي إلى الآن لدراستها والاستفادة منها، والتأكد من عدم التعرض لمشكلة مماثلة، كيف تم التعامل مع هذه المشكلة منذ عقدين من الزمان؟

1- الكشف عن المشكلة: في صباح الخامس من أبريل عام 1993، تلقى مدير معمل الفيروسات ومفوض الصحة اتصالات هاتفية تستفسر عن حقيقة وجود مرض معوي في المدينة، تم رصده عبر إخبار عدد من الصيدليات عن زيادة مفاجئة في الطلب على أدوية الإسهال، تزامنًا مع قيام بعض المواطنين بالشكوى من وجود عكارة غير طبيعية في مياه الصنبور، تم إخبار مختبر الأحياء الدقيقة لاختبار المياه، ومن ثم تم تحديد هوية الطفيل.

2- تم إبلاغ جميع المستشفيات ومعامل الميكروبيولوجيا للتجهز للعمل بكامل قوتها، في الوقت الذي تم فيه الاتصال بمحطتي تنقية المياه في الشمال والجنوب لطلب تقارير حول حالة المياه خلال الـ30 يومًا السابقة، التغير الوحيد الذي تم رصده هو ازدياد بسيط في مستوى العكارة (Turbidity) من قبل المحطة الجنوبية، ولكنه كان ضمن المعايير المقبولة دوليًّا.

3- تم إغلاق محطة المياه الجنوبية مباشرة، وأصدرت وزارة الصحة بيانًا تحذيريًّا للمواطنين، مصحوبًا بإرشادات تم بثها على مدار الساعة للتعامل مع احتمالية تلوث المياه، وشملت أهمية غلي المياه قبل شربها، وهي التوصية التي لاقت استهجانًا كبيرًا لأنها أثرت على سير الحياة اليومية لأهل الولاية وما حولها.

4- شكلت خطوط ساخنة يشرف عليها أطباء ومتخصصون للإجابة على أسئلة المواطنين على مدار الساعة.

وعلى الرغم من أن المواصفات الفيزيائية للمياه كانت مقبولة ضمن إطار المبادئ التوجيهية الاتحادية، إلا أن انتشار الوباء تسبب في موجة غضب عارمة بين المواطنين، فضلًا عن فقدان الثقة في استخدام المياه الصالحة للشرب.

5- منذ اندلاع الكارثة عام 1993، تم استثمار 417 مليون دولار في البنية التحتية للموارد المائية للولاية، إضافة إلى الإنفاق على بحوث المياه، وإدخال تكنولوجيا جديدة وتحسين حالة النظم القائمة.

6- ما بين عامي 1993- 1998، تم تجديد جميع المرافق من أجل تقوية الحواجز المتعلقة بحماية مصادر المياه، والتطهير والترشيح، وكان يتم إبلاغ المواطنين بخطوات التجديد من خلال موقع إلكتروني تم إنشاؤه خصيصًا لهذا الهدف، قادت هذه التحسينات ميلووكي لتصبح أحد المدن الأمريكية الرائدة في مجالات جودة وفحص المياه.

7- في سبتمبر عام 1994، تم عقد مؤتمر وطني لمكافحة الطفيليات المنتشرة عبر المياه بحضور أكثر من 300 مسؤول من وزارات الصحة والزراعة والأغذية والدواء، إضافة إلى مسؤولين محليين من 40 ولاية أمريكية، تم إعداد ورقة عمل تضمنت 17 مهمة، تتعلق بطرق مكافحة الطفيليات المنشرة عبر المياه، وبخاصة الكريبتوسبوروديم.

شاهد هذا العرض المبسط الذي تم توجيهه للجمهور لتفسير كيفية حدوث الخطأ الذي أنتج الانفجار الوبائي.


عام 2000: كندا.. حادثة والكرتون

في مايو من العام 2000، شهدت مدينة والكرتون، أحد مدن محافظة أونتاريو (أغنى المحافظات الكندية) انفجارًا وبائيًّا جديدًا بسبب تلوث المياه، الميكروب المتسبب في الوباء هذه المرة كانت بكتيريا تعرف باسم (إي – كولاي)، تسبب الوباء في إصابة 2300 شخص توفي منهم 7 أشخاص.

في هذا التوقيت كان ستان كوبل يشغل منصب مدير المرافق، وكان فرانك فورمان يشغل منصب مسؤول وحدة المياه، وفجأة انفجرت الأعراض الشهيرة للبكتيريا المعوية، عشرات الإصابات بحالات الإسهال الدموي، والقئ والتهابات المعدة، لعدة أيام أصرت هيئة المرافق العامة على أن المياه سليمة، بينما كانت تخضع للفحص، ومع ظهور نتائج الفحص التي أثبتت أن المياه ملوثة انفجرت مئات الإصابات المتزامنة بالمرض.

أصدرت الهيئات الصحية تعليمات عبر وسائل الإعلام بحظر شرب المياه إلا بعد غليها، ورغم ذلك فقد توفيت 5 حالات بسبب الشرب المباشر للمياه الملوثة، اضطرت الهيئة للاعتراف لاحقًا بتلوث المياه، ولكن كيف تعاملت البلاد مع هذه الكارثة؟

1- تم تحويل كوبل وفورمان إلى التحقيق الجنائي، وتم إدانتهما بعدم اتخاذ الاحتياطات الكافية، لأن الدراسات البيئية الصادرة منذ أكثر من 22 عامًا أكدت أن فضلات المزارع في المنطقة تشكل عامل خطورة محتملًا لتلوث مياه الشرب، وأوصت الهيئات المختصة بعدم التراخي واتخاذ إجراءات أكثر صرامة لكنها لم تستجب.

2- تم فصل كلا المسؤولين من وظيفتيهما، وحكم على كوبل بالسجن لمدة عام، وعلى فورمان بالإقامة الجبرية لمدة 9 أشهر، بتهم الإهمال وتزييف التقارير، وقد كانت ردود أفعال الجماهير على هذه الأحكام غاضبة جدًا واعتبرتها مخففة ولا تتلاءم مع حجم الكارثة.

3- شُكلت لجنة للتحقيق المباشر في الكارثة وأصدرت تقريرها المكون من جزأين، صدر الجزء الأول في يناير عام 2002 وعزا الكارثة إلى سلسلة إخفاقات بشرية ونظامية، التي أدت إلى تلوث المياه، وقدرت التكاليف الناجمة عن الكارثة بما بين 64 – 155 مليون دولار.

4- أدانت اللجنة هيئة المرافق العامة واتهمتها بارتكاب ممارسات تشغيل غير لائقة، بما في ذلك عدم استخدام جرعات كافية من الكلور، وعدم مراقبة مخلفات الكلور يوميًّا، مما أنتج إدخالات خاطئة عن المخالفات في سجلات التشغيل، كما اتهم التقرير الهيئة بإساءة اختيار المواقع لأخد عينات ميكروبيولوجية لفحصها، وعرّف التقرير هذه الممارسات بأنها غير مقبولة ومخالفة للمبادئ التوجيهية.

5- وجه التقرير اللوم لمحافظ أونتاريو مايك هاريس، لعدم حرصه على تطبيق المبادئ التوجيهية الخاصة بجودة المياه.

6- ناقش الجزء الثاني سلامة المياه في عموم المحافظة والخطوات اللازمة لمنع وقوع مآس مماثلة. وقدم ثلاثة وتسعين توصية. تم قبول جميع التوصيات من قبل الحكومات المتعاقبة من المحافظة، تطرقت التوصيات الرئيسية إلى حماية مصادر المياه باستخدام حواجز متعددة، والتدريب ومنح الشهادات للشركات، وتطبيق نظام إدارة الجودة، ونظم إنقاذ أكثر كفاءة.

7- تم إصدار كتاب خاص لتوثيق أحداث المشكلة والاستفادات منها، تحول لاحقًا إلى سلسلة وثائقية.

 


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد