تُثبت العديد من الشواهد والدلائل أن الإنسان في حالة مستمرة من التطور ليصبح أكثر تكيفًا مع التغيرات المتواترة في العالم من حوله. على سبيل المثال، نجد أن تناول الأطعمة اللينة والابتعاد عن مضغ الأطعمة الأكثر صلابة كأسلافنا، قد جعل الإنسان يتطور لتصبح ضروس العقل بلا فائدة، ويتوقع الباحثون أنها سوف تختفي كليًّا ذات يوم. كذلك، يعد انخفاض درجة حرارة جسم الإنسان دلالة على استمرار التطور.

وكما أن الإنسان لا يزال مستمرًّا في التطور، تستمر جميع الكائنات على سطح الأرض في التطور أيضًا، ومن بينها الحشرات التي استطاعت تطوير طرق غريبة لتتمكن من درء الحيوانات المفترسة، والبقاء على قيد الحياة.

نتناول في هذا التقرير بعض الأمثلة على التطور الذكي للحشرات.

1- إفراز الرائحة الكريهة.. حيلة «البق النتن» الدفاعية بامتياز

للدفاع عن نفسها ضد الكائنات المفترسة، تصنع حشرات فصيلة خماسيات الفصلات المعروفة باسم «البق النتن» درعًا دفاعيًّة من الرائحة الكريهة تفرزه بعض الغدد في أجسامها.

يتخذ البق النتن الشكل البيضاوي أو الدرع الثلاثية، ويبلغ طول معظمها أقل من سنتيمتر واحد، وغالبًا ما يتغذى على الفاكهة اللينة عبر امتصاص عصارتها.

حشرة البق النتن

حشرة البق النتن. مصدر الصورة: ويكيميديا

عندما تتعرض حشرة البق النتن للهجوم من حشرات أو كائنات أخرى، فإنها تفرغ إفرازات من الغدد بين الزوجين الأول والثاني من الأرجل. تتكون هذه الإفرازات من مركبات ذات رائحة كريهة تُنفر منها الكائنات المفترسة. وقد اتضح أن البق النتن يتمتع بالقدرة على إعادة امتصاص قطرات السائل التي قذفها ليعيدها إلى خزان الغدة مرة أخرى، كما وجد الباحثون أن أفراد البق النتن التي تفتقر إلى الإفرازات تكون أكثر عرضة للافتراس.

وقد اكتشف الباحثون أن هذه الحشرات عندما تضع البيض، تضع بجانبه حزمة صغيرة من بكتيريا الأمعاء الخاصة بها لتستهلكها الحوريات الصغيرة عندما تخرج من البيض. وبعد أن تنضج الحوريات، تنقسم أحشاؤها إلى جزأين: الأمامي عبارة عن كيس لهضم عصارة النباتات التي تمتصها الحشرة، والخلفي عبارة عن غرفة تخمير تعيش فيها البكتيريا الخاصة التي تمنح الحشرة مغذيات قد تموت بدونها.

ولأن كثرة تلك الحشرات تؤدي إلى إصابة وتدمير محاصيل الفاكهة، فقد رأى الباحثون أن اللجوء إلى المكافحة البيولوجية بإيجاد أعداء طبيعيين يمكِّنهم من التغلب على البق النتن. لكن، كيف ذلك وتلك الحشرات تردع كل من يقترب منها برائحتها الكريهة؟ وهنا اكتشف الباحثون وجود نوع من الحشرات يسمى دبور الساموراي، الذي يمكنه التطفل على بيض البق النتن، ما يمنع زيادة أعدادها دون التعرض للحشرة ذاتها.

2- «فرس النبي».. من تأكل رفيقها يزداد بيضها!

تشتهر حشرة السرعوف التي تُعرف بـ«فرس النبي» بمهاجمة رفيقها بعد أول تزاوج، وغالبًا ما ينتهي الأمر بموت الذكر والتهام الأنثى له.

ووفقًا لدراسة منشورة عام 2016، فإن إناث السرعوف اللاتي تأكلن الذكور بعد التزاوج تنتجن بيضًا بكمية أكبر من الإناث اللاتي لم يتثنَّ لهن أكل الذكور. كذلك، يحتوي بيض الأنثى التي تأكل الذكر بعد التزاوج على أحماض أمينية للذكر أكثر من الموجودة في بيض الإناث الأخرى. أي إن التهام الذكور يسمح بإنتاج المزيد من النسل.

أنثى حشرة فرس النبي تلتهم الذكر

أنثى حشرة فرس النبي تلتهم الذكر. مصدر الصورة: ويكيميديا

لكن على جانب آخر، ليست الأنثى دائمًا هي الطرف المعتدي، فقد وجد الباحثان ناثان بيرك، وجريجوري هولويل، من جامعة أوكلاند بنيوزيلندا، أن الذكر قد يبدأ بالهجوم ويتصارع ويصيب الأنثى بجروح للتمكن من إتمام التزاوج، وذلك عند دراسة 52 زوجًا من «Miomantis caffra»، وهي أحد أنواع رتبة السرعوفيات، وفي هذا النوع تتميز الأنثى بقدرتها على التكاثر اللاجنسي، أي إنها ليست في حاجة إلى الذكر لوضع البيض.

3- يرقة «العثة الصقرية» ورأس الأفعى المخيفة

اللجوء للتمويه أمر مألوف في الحياة البرية للنجاة من الأعداء، ولكن أن تتنكر حشرة صغيرة في هيئة ثعبان مخيف لترهب أعداءها، قد يكون أمرًا غريبًا.

عندما تتعرض يرقة «Hemeroplanes triptolemus» من عائلة العثة الصقرية للتهديد، فإنها تكون قادرة على الانتفاخ، وتتخذ الشكل والمظهر العام للأفعى، عن طريق تعليق جسدها الخلفي في فرع الشجرة، وامتصاص الهواء عبر الثقوب الموجودة في سطح جسمها، فينتفخ الجزء الأمامي من جسدها؛ فيختلف ترتيب البقع الملونة على جسدها لتظهر بقعتان تشبهان العينين، وباقي البقع تظهر كأنها قشور زواحف، لتعطي المظهر النهائي للأفعى.

وقد طورت يرقات أخرى من فصيلة العثة الصقرية تكتيكات أخرى تمكنها من البقاء على قيد الحياة رغم تهديد الكائنات المفترسة. فعلى سبيل المثال، تلجأ يرقة «Amphion floridensis» إلى إصدار صرخة مزعجة كلما شعرت بالتهديد، كما تتقيأ محتويات سامة من أمعائها لقتل الطفيليات المزعجة.

4- السائل الحارق وسيلة «حشرة الرماثة»

وسيلة دفاعية حارقة تلجأ إليها حشرة الرماثة أو «بومباردييه» لتحمي نفسها من مفترسيها. عندما تتعرض هذه الحشرة الصغيرة إلى الاعتداء، فإنها تطلق سائلًا سامًّا حارقًا كريه الرائحة.

يحتوي الرذاذ الذي تطلقه حشرة الرماثة على مركبات ذات خصائص مهيجة تصل درجة حرارتها إلى 100 درجة مئوية لحظة الإطلاق. وتتميز الرماثة بإمكانية توجيهها السائل السام في اتجاهات مختلفة، كما يمكنها أن تطلق 20 مرة متتالية قبل أن تستنفد الغدد.

لا تتأذى أمعاء الرماثة من السائل لأنه يكون معزولًا داخل غرفتين؛ الأولى تحتوي على الهيدروكينونات وبيروكسيد الهيدروجين، بينما تحتوي الغرفة الأخرى على إنزيما خاصة لتنشيط الرش. وتعمل الحشرة على مزج محتويات الغرفتين عند التعرض للهجوم، فيتحرر الأكسجين من بيروكسيد الهيدروجين ليعمل وقودًا دافعًا ليزيد من شدة اندفاع السائل.

قد يتمكن المفترس من التهام الرماثة قبل أن تتمكن من إطلاق قنبلتها الحارقة، ولكن هذا لا يعني أنها استسلمت، لأنها تطلق السائل داخل فم أو معدة المفترس مما يجبره على لفظها للخارج لتعود طليقة مرة أخرى.

5- السم لتنظيف الصغار.. سر مملكة «النمل» للقضاء على الفطريات

مستعمرات النمل دائمًا ما تكون كبيرة، ولذا يمكن القضاء عليها بسهولة إذا تمكنت الفطريات الضارة من التفشي والانتشار فيها. وللحيلولة دون القضاء على المستعمرة، يلجأ النمل إلى وسيلة فعالة للقضاء على الفطريات الضارة.

يوجد داخل النملة غدة سامة عند نهاية جسمها تحتوي خليطًا من 37 مادة كيميائية أساسه حمض الفورميك يمكنها القضاء على الفطريات. يلجأ النمل لتنظيف صغاره عن طريق رش الخليط السام على اليرقات مباشرة، كما يمكن أن يتبع النمل طريقة أخرى حيث يمتص السموم الحامضة داخل الفم ثم يسيل اللعاب على الصغار فيقتل الفطريات.

أبحاث ودراسات

منذ سنة واحدة
«بعد فناء البشرية ستبقى الصراصير».. هل الصرصور أكثر تطورًا منا؟

وتسمح الطريقة الثانية بالقضاء على الفطريات بشكل أفضل لأنها تسمح للنمل بتوزيع المواد السامة بشكل متساوٍ وأكثر دقة. كما أن ابتلاع النمل لهذه السموم يزيد من درجة حموضة المعدة؛ مما يساعد على تنظيم ميكروبيوم المعدة، كذلك، يستخدم النمل هذه السموم سلاحًا ضد الكائنات المفترسة عن طريق قذفها في وجه من يهاجمها.

علامات

التطور, حشرات

المصادر

تحميل المزيد