من البيت الأبيض إلى الفاتيكان، مرورًا بنخبة رجال الأعمال في دافوس السويسرية، تهيمن قضية واحدة على جدول الأعمال: الفجوة المتزايدة بين الأكثر ثراء وبقية الشعب .. وصفها الرئيس باراك أوباما بـ”التحدي الرئيس في عصرنا”، وحولها أجرى جالوب استطلاع رأي كشف أن ثلثي الأمريكيين غير راضين عن توزيع الثروة في البلاد، وعن إمكانية تأثيرها في تباطؤ الاقتصاد تحدث الخبراء .. فلماذا هذا الاهتمام المفاجئ؟

هذه بعض الأسئلة والأجوبة حول فجوة الثروة.. ما هي، وما أهميتها؟!

س: ألم تكن هناك دائما فجوة واسعة بين الأكثر ثراء والأكثر فقرًا؟

ج:نعم، لكن الجديد هو الفجوة المتزايدة بين الأكثر ثراء وبقية الشعب. فقبل ثلاثة عقود، كان دخل الأمريكيين ينمو بمعدلات مماثلة تقريبا، بغض النظر عن المبلغ الذي تجنيه. لكن منذ عام 1980، شهدت الشريحة التي تحصل على الأجور الأعلى أكبر نمو في الدخل، بينما انخفض دخل الـ20% من الأسر الأكثر فقرًا. وارتفع دخل شريحة الـ1% التي تحصل على الدخل الأعلى بين الأمريكيين إلى 31% ما بين 2009 و2012، بعد التعديل وفقا للتضخم، بحسب البيانات التي جمعها إيمانويل سايز، الخبير الاقتصادي في جامعة كاليفورنيا- بيركلي. أما بالنسبة لبقيتنا، ارتفع الدخل إلى متوسط 0.4%. كما اتسع التفاوت بين الدخول خلال العقدين الماضيين، في 17 من أصل 22 دولة متقدمة، وفقا لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.

س: مَن هؤلاء الـ1% الأعلى دخلا؟

ج:إنهم المصرفيون والمحامون ومديرو صناديق التحوّط ومؤسسو الشركات الناجحة ورواد الترفيه، وكبار المديرين وغيرهم. أما المديرون التنفيذيون والأطباء والمزارعون فمثَّلوا شريحة صغيرة من الـ1% الأعلى دخلًا في عام 2005 مقارنة بعام 1979. وعلى النقيض، تضاعفت نسبة الأكثر ثراء من العاملين في الصناعات المالية والعقارية. وجنت شريحة الـ1% ما لا يقل عن 394.000 دولار في عام 2012. وخلال معظم حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، جنت شريحة الـ1% نحو 10% من إجمالي الدخول. وبحلول عام 2007، قفزت النسبة إلى 23.5%، وهي الأعلى منذ عام 1928. وبحلول العام 2012، كانت 22.5%.

س: وما ذا عن أجور الطبقة الوسطى؟

ج:ليست جيدة. حيث بلغ ذروة متوسط دخل الأسرة في عام 1999 56.080 دولار، بعد التعديل مراعاةً للتضخم. وهبط إلى 51.017 دولار بحلول العام 2012. وانخفضت نسبة الأسر الأمريكية التي يبلغ متوسط نسبة دخلها 50%- أحد الطرق لقياس الطبقة الوسطى- من 50% في عام 1970 إلى 42% في عام 2012.

س: هل كون بعض الناس أكثر ثراء من غيرهم يمثل أهمية؟

ج: يقول معظم الاقتصاديين إن بعض التفاوت ضروري لمكافأة العمل الجاد والموهبة والابتكار. لكن فجوة الثروة حين تكون واسعة جدًا فإنها عادة ما تكون غير صحية، حيث يمكنها إبطاء النمو الاقتصادي، جزئيًا لأن الأمريكيين الأكثر ثراء يدخرون من دخلهم أكثر من الآخرين، ومن ثم تصبح احتمالية صرف الأموال التي بحوزتهم أقل.

ويمكن أن يؤدي هذا أيضًا إلى الاقتراض المتهور. فقبل الأزمة المالية عام 2008، ناضلت أسر الطبقة المتوسطة للحفاظ على نفقاتها في مستوى ركود دخلهم. وفي سبيل ذلك، تراكمت الديون، التي بدورها ساعدت على تضخم فقاعة الإسكان، وأشعلت الأزمة المالية. ويشير الخبراء إلى أن الكساد العظيم والركود العظيم سبق كل منهما طفرة في فجوة دخل الأسر المتوسطة الأمريكية واقتراضها الطائش.

 س: هل أصبح من الصعب على شخص ولد فقيرًا أن يصبح غنيًا؟

ج: الأدلة في هذا السياق مختلطة. فالبلدان التي تشهد توزيعًا أكثر مساواةً للدخول، مثل السويد والدول الاسكندنافية الأخرى، تميل إلى التمتع بحراك اجتماعي أكثر. لكن دراسة حديثة كشفت أن الولايات المتحدة ليست أقل حراكًا مما كانت عليه في سبعينيات القرن الفائت. فالطفل المولود ضمن شريحة الأسر الـ20% الأكثر فقرًا في عام 1986 كان لديه فرصة بنسبة 9% ليصل إلى شريحة الـ20% الأعلى دخلًا بحلول وقت بلوغه، وهي الاحتمالات ذاتها التي تنطبق على عام 1971.

لكن أبحاثًا أخرى أظهرت أن الولايات المتحدة لا تشهد حراكًا اجتماعيًا كما كان يُعتَقَد. ففي دراسة شملت 22 دولة، وجد الاقتصادي مايلز كورك من جامعة أوتاوا أن أمريكا في المرتبة 15 في سلم الحراك الاجتماعي. ووحدهما إيطاليا وبريطانيا من بين البلدان الغنية اللتين صنفتا في مرتبة أدنى. وببعض المقاييس، يرجح أن يرث الأطفال في الولايات المتحدة وضع والديهم الاقتصادي.

س: لماذا أصبحت اللامساواة في الدخل بهذا القدر من السوء؟

ج: لا توجد إجابة بسيطة. فالعولمة خلقت نجومًا بارزين، وركزت الأجور في أيدي المسؤولين التنفيذيين، وتجار وول ستريت، والفنانين المشهورين، والنخبة المالية الأخرى. في الوقت ذاته، يتنافس عمال المصانع الآن مع 3 مليارات شخص في الصين والهند وأوروبا الشرقية وغيرها كانوا لا يعملون في الشركات متعددة الجنسيات قبل عشرين عامًا. وأصبح العديد منهم الآن يصنع منتجات لشركة أبل، وإنتل، وجنرال موتورز، وغيرها بأجور منخفضة. وهو ما أدى إلى انخفاض أجور الطبقة المتوسطة. فيما ارتفعت الأجور أسرع بكثير في أوساط خريجي الجامعات مقارنة بخريجي المدارس الثانوية. وهي الاتجاهات التي أسهمت في سوق عمل “أجوف”، حيث المزيد من فرص العمل في الشريحتين الأعلى والأدنى من الأجور، وعددا أقل في الشريحة المتوسطة.

وللعوامل الاجتماعية تأثير أيضًا. فالأسر ذات العائل الوحيد أكثر عرضة للفقر من الأسر الأخرى، وأقل احتمالًا أن تصعد سلم الدخل. وأخيرًا، الرجال والنساء ذوي الشهادات الجامعية والرواتب المرتفعة أكثر احتمالًا أن يتزوج بعضهم الآخر ما يؤدي إلى تضخيم فجوات الدخل.

س: هل يتبع توزيع الثروة نمطًا مشابهًا؟

ج: بل إنه أكثر وضوحًا. حيث كشفت دراسة أجراها مركز بيو للأبحاث أن الأسر الـ7% الأكثر ثراء ازدادت غنىً بنسبة 28% ما بين عامي 2009 و2011. فيما انخفض إجمالي ثروة الـ93% من الأسر بنسبة 4%. وسبب ذلك إلى حد كبير أن الأسر الثرية تمتلك أسهمًا وأصولًا مالية أخرى أكثر من غيرها، على النقيض من ثروة الطبقة المتوسطة الأمريكية.

ومنذ وَضَع الركود العظيم أوزاره، قفز متوسط سوق الأوراق المالية، ليسجل معدلات قياسية في عام 2013. ورغم ذلك، ظلت قيمة المنازل أقل بكثير من مستويات الذروة التي وصلت إليها في عام 2006. وقد استفاد الأكثر ثراء من هذا التباين وتركوا الآخرين يكافحون.

س: أين تعيش شريحة الـ1%؟

ج: يعيش المستثمر وارن بافيت في أوماها بولاية نبراسكا، ويعيش ويكسنر، الذي تضم إمبراطوريته للأزياء فيكتوريا سيكريت في أوهايو. لكن الأثرياء يتكتلون أساسًا في المدن الأكبر. فمن بين الـ 515 مليونيرًا في الولايات المتحدة، يعيش 95 في نيويورك سيتي، بحسب Wealth-X. ويعيش في لوس أنجلوس 22 مليارديرًا، و21 في شيكاجو، و20 في سان فرانسيسكو، و14 في هيوستن، وتضم ماريلاند أكبر عدد منهم؛ فمن بين كل أسرها، يمتلك 7.7% مليون دولار أو أكثر من الأصول المالية. وتتمتع نيو جيرسي وكونتيكت وهاواي وألاسكا بأعلى ثاني معدل تركيز، وفقا لـPhoenix Marketing International.

س: هل يُبذَل أي جهد لتضييق فجوة الثروة؟

ج: وضع الرئيس أوباما القضية على رأس أولوياته، ويريد من الحكومة أن تعمل على تقليص الفوارق، وتمكن مؤخرًا من استعادة المعدلات الضريبية الأعلى على الدخول الأكثر من 398.350، ودفع باتجاه خطوات أخرى قد تضيق الفجوة قليلا، مثل: رفع الحد الأدنى للأجور. لكن الجمهوريين في الكونجرس يقولون إن تلك الخطوات يمكن أن تضر بالنمو الاقتصادي، ومن ثمَّ قاوموا معظم هذه التدابير.

س: هل يشعر الجميع بالقلق إزاء فجوة الثروة؟

ج: بعض الاقتصاديين المحافظين يشككون في كثير من البيانات. يشيرون، على سبيل المثال، إلى أن أرقام الخبير سايز لا تشمل الإعانات الحكومية مثل الضمان الاجتماعي أو طوابع الغذاء أو مدفوعات أصحاب العمل للتأمين الصحي، التي تعود بالنفع على الأقل ثراء. لكن حتى دراسة مكتب الميزانية في الكونجرس التي شملت الإعانات الحكومية وتأثير الضرائب تظهر أن الفجوة لا تزال كبيرة؛ حيث قفز دخل شريحة الـ1% بنسبة 275%، بعد التعديل مراعاةً للتضخم، ما بين عامي 1979 و2007. بينما ارتفعت بنسبة أقل من 40% للشريحة المتوسطة التي تمثل 60% من الأمريكيين.

س: ما هي الطريقة المثلى لتقليص فجوة الثروة من وجهة نظر الخبراء؟

ج: تتكسر أمواج معظم الأفكار على شاطئ السياسة. فبينما يميل الاقتصاديون الليبراليون لدعم رفع الحد الأدنى للأجور، وزيادة فرص الحصول على تعليم ما قبل المدرسة والجامعة، والمزيد من الإنفاق على الطرق والكباري وغيرها من مشروعات البنى التحتية؛ للمساعدة في توفير وظائف بأجور جيدة، ويفضل معظمهم فرض ضرائب أكثر على الأثرياء لتمويل مثل هذه البرامج.

يميل المحافظون إلى تخفيض الضرائب، ورفع القيود الحكومية، وغيرها من الخطوات التي يقولون إنها ستسرع التوظيف والنمو وترفع مستويات معيشة الجميع، ويميلون إلى التركيز على ضرورة إحراز تقدم في حراك الدخل.على سبيل المثال، اعترف سيناتور فلوريدا الجمهوري ماركو روبيو بالتفاوت الهائل بين أجر أمين صندوق شركة وجبات سريعة ومديرها التنفيذي. قائلا: المشكلة التي نواجهها ليست مجرد فجوة بين الأجور بينهما، بل إن كثيرًا من هؤلاء الصرَّافين يظلون في النهاية عالقين في ذات الوظيفة لسنوات”.

عرض التعليقات
تحميل المزيد