خرج آلاف اللبنانين إلى الشوارع والميادين في العاصمة وخارجها، احتجاجًا على سوء الأوضاع الاقتصادية، و«الإجراءات الإنقاذية» التي أعلنتها السلطات اللبنانية الشهر الماضي، في محاولة للسيطرة على الوضع الاقتصادي المأزوم.

احتكام السلطة في حلولها لفرض مزيد من الضرائب على مواطنيها، بوصفه حلًّا أوحد لسد العجز في الميزانية والعبور بالاقتصاد اللبناني، في ظل تراجع المنح الخليجية، كانت دافعًا رئيسيًّا لهذا الغضب الشعبي الممتد بين مدن الشمال ومدن وقرى الجنوب الواقعة في حاضنة «حزب الله» الجغرافية.

وكان للجوء السلطة لتطبيق إجراءات تقشفية على المواطن، والتساهل في الوقت ذاته مع طبقة الأثرياء السياسين المُسيطرة على موارد الدولة والحُكم كذلك، صدى واسع في الشعارات التي هتف بها المتظاهرون، واللافتات المرفوعة في الميادين الكبرى.

بحث في الجذور.. متى توحش الفقر في لبنان؟

السلطة تتهرب من الضرائب وتتقشف على المواطنين

يحاول بعضهم ربط تفسير غضب جموع المواطنين اللبنانين بإعلان وزير الاتصالات فرض رسوم على الاتصالات عبر تطبيق «واتساب» بقيمة 20 سنتًا يوميًّا، لرفع إيرادات قطاع الاتصالات. غير أن هذا التفسير يكون قاصرًا ما لم يُرفق بسياقاته اللازمة لفهم أعمق لحالة هذا الغضب، الذي توحدت شعاراته، وتجاوزت إرثًا من الطائفية والنزاعات السياسية والأيديولوجية.

آثار تظاهرات اللبنانيين في الميادين الرئيسية

كان لموقع لبنان الجغرافي ونزاعاته السياسية على مر العقود الماضية، آثار كبيرة على اقتصاده وموارده المالية. والتي انعكست بدورها على أحوال مواطنيه المعيشية؛ غير أنها ظلت في حدود الممكن، القادر على استيعابها، وفهم أسبابها، والتعايش معها أيضًا.

وفي السنوات العشر الأخيرة، تقاطعت ظروف البلد السياسية الضاغطة على أوضاع مواطنيها مع بلوغ ثروات ساسة في موقع الحُكم، ونواب سابقين وحاليين، وأبناء للطبقة السياسية الحاكمة؛ مليارات الدولارات، بطرق غير مشروعة، كان الفساد المالي عنوانها الرئيسي، علاوة على أن العمولات المشبوهة للاستحواذ على المشروعات، كان أحد مظاهرها.

سوء الوضع السياسي الذي رافق نهم هذه الطبقة السياسية الحاكمة لمراكمة الثروات بمعدلات قياسية، بطرق غير مشروعة، أوصل مواطنيها لمرحلة مأزومة ماليًّا؛ أفقدها معهم قدراتهم السابقة على التحايل الذي مارسوه لسنوات طويلة بغية البقاء، لتصير الانتفاضة حلًّا أخيرًا.

وتجلت الإرهاصات الأولى لهذه الانتفاضة في اختفاء الكثير من السلع من جرّاء وضع قيود على الاستيراد، مع وضع قيود على الأرصدة البنكية، وإضراب أصحاب محطات الوقود والمخابز؛ قبل أن تُقرر السلطات اللبنانية المضي قدمًا في إجراءاتها التقشفية على المواطن وحده، عبر برنامج إصلاحي أعلنت عنه قبل شهور، عُرف اصطلاحًا بـ«ورقة الحريري»، والتي كانت سببًا رئيسيًّا في التعجيل بحدوث فورة غضب آلاف اللبنانين بكافة الميادين.

وتضمّنت هذه الإجراءات التقشفية زيادة أسعار الكهرباء، وإلغاء دعمها تدريجيًّا لتصبح صفرًا في عام 2022. ورفع الضريبة على القيمة المضافة للكماليات (السلع الترفيهية) حتى 15% بدءًا من عام 2021، وتجميد الرواتب والأجور لموظفي القطاع العام لمدة ثلاث سنوات (أي عدم دفع حوافز ودرجات ترقية طوال هذه المدّة، مع حفظ حقوق الموظفين وإعادة تسديدها بعد ثلاث سنوات)، ووضع حدّ أدنى وحدّ أقصى لسعر صفيحة البنزين، ورفع الضريبة على فوائد الحسابات المصرفية من 10 إلى 11%.

وشملت كذلك خفض المنح المدرسية لموظفي القطاع العام، وخفض نفقات السفر لموظفي القطاع العام، وبدلات العمل الإضافي في الإدارات الرسمية، وقسائم المحروقات المجانية للضباط في القطاعات العسكرية والأمنية، وإعادة النظر في نفقات المجالس والصناديق الحكومية، وخفض عدد العاملين في السفارات والبعثات الدبلوماسية في الخارج، وخفض المخصصات التي تُمنح للجمعيات الخيرية.

ومع شروع الحكومة في تنفيذ أول إجراءات هذه الورقة، وهي فرض ضرائب على تطبيق «واتساب»؛ خرج جموع الشعب ضد الذين كونوا ثروات بملايين الدولارات، ورفعوا سقف المطالب من إلغاء هذه الخطة – تراجعت عنها الحكومة بالفعل- إلى مطالب بإسقاط حُكام لبنان، احتجاجًا على الأوضاع التي آلت إليها البلاد تحت حكمهم.

يملكون كُل شيء ويديرون البلاد.. من هم؟

كان لاستحواذ عائلات الطبقة السياسية الحاكمة وأبنائهم على ملايين الدولارات من مشروعات خاصة، مستفيدين من التسهيلات الحكومية عبر استغلال مواقعهم السياسية في السنوات الأخيرة، سببًا رئيسيًّا في خروج هذا الغضب الواسع إلى الميادين. مسؤولو البلاد في لبنان هم أيضًا كبار رجال المال في شركات تمتد من المحيط إلى الخليج، سواء كان هذا الحضور مباشرًا، أو بطرق غير مُباشرة؛ كأن يتملّك هذه الشركات موظّفٌ ممثّل له، أو يكون المسؤول شريكًا فيها.

Embed from Getty Images

الرئيس اللبناني يتوسط رئيسي الحكومة والنواب

وأدى ذلك لانكشاف هوة واسعة في توزيع الثروات، ظهرت في بيانات تقرير اللامساواة عن الفترة من عام 2000 إلى 2018، والذي تصدره «منظمة أوكسفام الدولية»، بأن سبعة مليارديرات في لبنان قُدرت ثرواتهم الشخصية بقيمة 13.3 مليار دولار، بما يوزاي أكثر من 10 أضعاف ما يمتلكه نصف السكان. وتشير الدراسة إلى أن طبقة الـ1% الأكثر ثراءً تستحوذ على 58% من مجمل ثروات اللبنانيين، أي إن أقل من 42 ألف شخص بالغ يحصلون على حصّة أعلى من حصّة 4 مليون و120 ألف شخص مواطن.

وتضم قائمة الساسة مئات الأعضاء في المجالس النيابية والوزراء وأرفع المسؤولين، ممن حازوا ملايين الدولارات، وكبرت استثماراتهم بالتزامن مع صعودهم السياسي، نستعرض أبرزهم ممن حازوا السلطة والثروة، وحضرت أسماؤهم على لافتات المحتجين، بوصفهم أشخاصًا غير مرغوب فيهم للبقاء في مواقع السلطة ومحاكمتهم، في ظل الشبهات حول استغلال مناصبهم في تكوين ثروات طائلة.

  • آل الحريري.. شبهات من المال للسياسة

في قائمة أغنى أثرياء العالم، تبرز أسماء أربعة أفراد من أسرة رئيس الوزراء الأسبق اللبناني رفيق الحريري. وهم في السياسة أيضًا ملء السمع والبصر في العالم أجمع، بوصفهم زعماء «تيار المستقبل» في لبنان، ابتداء من الوالد رفيق الحريري، قبل أن يخلفه نجله الأصغر سعد.

وفي تظاهرات اللبنانين، كانت أسماء آل الحريري مرفوعة على اللافتات أيضًا، وحاضرة في هتافات الجموع الثائرة تصدح بهم حناجرهم، مطالبة برحيلهم عن مناصبهم السياسة، ومتهمين إياهم بتكوين ثرواتهم بطرق غير مشروعة.

Embed from Getty Images

سعد الحريري رئيس الوزراء اللبناني

1. سعد الحريري ومستشاره.. إمبراطورية مُعفاة من الضرائب

رئيس الوزراء اللبناني، وواحد ممن ساهمت سياسته في تأزم الموقف السياسي في لبنان، ليصبح مطلب إزاحته من منصبه في صدارة لافتات المحتجين. تبلع ثروة رئيس مجلس الحكومة الحالية نحو مليار ونصف مليار دولار أمريكي. وكان ما كشفته وثائق نشرتها صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، حول تقديم سعد الحريري أكثر من 16 مليون دولار لعارضة أزياء من جنوب أفريقيا، بعدما التقيا في منتجع فاخر بجزيرة سيشل عام 2013؛ قد ساهم في إذكاء هذا الغضب الواسع.

ويلحق بركب سعد مستشاره ومدير مكتبه نادر الحريري، والذي يُعد مساهمًا في شركة «Millennium Real Estate Holding» التي يرأس مجلس إدارتها الأمين العام المساعد للشؤون المالية والإدارية في «تيار المستقبل»، وليد سبع أعين. وكان لانكشاف تسجيل شركة نادر الحريري في جزيرة في المحيط الهندي اسمها جمهورية سيشل، خارج موطنه، من أجل الإعفاء من الضرائب، سببًا في تصاعد الغضب الشعبي حيالهم.

2. بهاء الحريري.. السعودية مصدر الثروة الطائلة

الشقيق الأكبر لرئيس الوزراء اللبناني الحالي، وأحد كبار المستثمرين في مجال المال والأعمال في العالم، وتبلغ ثروته نحو 2.1 مليار دولار. وكانت السعودية هي المحطة الرئيسية لبهاء (كما غالب أعضاء أسرته) في تكوين ثرواته، والصعود المالي للكثير من كبار رجال الأعمال في الشرق الأوسط. وقد انعكس ذلك لاحقًا على توجهات بهاء، ودعمه الخيارات المتشددة تجاه «حزب الله» في الداخل اللبناني.

فبحسب مصدر مُطلع، مُقرب من «حزب المستقبل»، تحدث لـ«ساسة بوست» فالسعودية عندما أوقفت سعد، العام الماضي، كان مؤشرًا على الرغبة في عدم استمراره، والدفع ببهاء بديلًا له، بصفته من تيار الصقور الرافض لتمدد نفوذ «حزب الله». وتتقاطع هذه الرواية مع ما ذكره الكاتب الأمريكي ديفيد إغناتيوس، في «واشنطن بوست»، حول «أن بهاء الحريري الأكثر تشددًا من أخيه تجاه إيران، بات مرشح الرياض لمنصب رئاسة الوزارة في لبنان». ويقول أيضًا إن «المملكة استدعت عددًا من أقرباء الحريري للرياض آنذاك لمبايعة بهاء، لكنهم رفضوا السفر».

ولسعد وبهاء شقيقان آخران انحصرت اهتمامتهم في مجال المال، فقط، هُم أيمن الحريري، والذي يعمل في دعم الشركات الناشئة في نيويورك، وتبلغ ثروته 1.3 مليار دولار أمريكي. والآخر هو فهد الحريري، أصغر ثري في العالم العربي، وذلك وفقًا لقائمة «فوربس» لأثرياء العالم لعام 2019. وهو من كبار المستثمرين في البنوك اللبنانية، بما فيها بنك «عودة»، وترأس «صندوق الاستثمار». أما في العقارات فيمتلك فهد استثمارات عقارية في نيويورك، وباريس، ومونت كارلو، وفي لبنان يعمل فهد على تطوير المباني السكنية في العاصمة بيروت.

  • آل ميقاتي.. رئيس وزراء سابق وإمبراطور دائم في قطاع الاتصالات

أسس نجيب ميقاتي (رئيس وزراء لبنان السابق) مع شقيقه طه شركة «إم 1 جروب» وسرعان ما بدأ الاستثمار في قطاع الاتصالات، وأسس شركة «إنفستكوم» التي غدت من كبرى شركات الهاتف المحمول في العالم. وشغل ميقاتي عدة مناصب سياسية واقتصادية في لبنان، فانتخب نائبًا في مجلس النواب، وعين وزيرًا أكثر من مرة، وتولى رئاسة مجلس الوزراء مرتين، وتبلغ ثروته 2.7 مليار دولار أمريكي.

وحضر اسم ميقاتي في التظاهرات بوصفه أحد من عدهم المتظاهرون سارقي أموال الشعب، إذ حاصر المتظاهرون قصر ميقاتي في ميناء طرابلس ومزقوا صوره، وهي المرة الثانية التي يُحاصر فيها قصره، بعد محاولة أولى جرت قبل أسبوعين، ما دفع القوى الأمنية إلى إقامة طوق أمني كبير في محيط القصر لمنع الاحتكاك.

Embed from Getty Images

رئيس الوزراء اللبناني الأسبق نجيب ميقاتي

وقد حاول نجيب الالتفاف على عودة اسمه في قوائم السياسيين الذين أوصلوا البلاد لهذا الوضع، عبر إصدار بيان مشترك مع رئيسي حكومة سابقين، أعلنوا خلاله «دعم مطالب المتظاهرين، وكذلك سعد الحريري في هذه المحنة، والوقوف إلى جانبه فيما يقرره للخروج من الأزمة الراهنة، ورفض أي محاولة لتحميله مسؤولية الأزمات كلها وعدم إيجاد حلول لها».

  •  آل السنيورة.. شركات «أوف شور» في الواجهة

وللسنيورة، العائلة السياسية التي لمع منها فؤاد السنيورة، رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، حضور مالي نافذ عبر شركات لأبنائه، تكونت من إسناد أعمال واستثمارات كبرى لها من جانب السلطات الحاكمة، وسجلتها في جزر الملاذات الضريبية، لتجنب دفع الضرائب في بلدانهم. وللسنيورة ابن، هو وائل فؤاد السّنيورة، وهو مساهم رئيسي وعضو مجلس إدارة في شركة «لوسيد انفستمنت كوربوريشن»، التي تُعد شريكة رئيسية لشركة «KABABJI INVESTMENT COMPANY» في امتلاك وإدارة شركة كبابجي (هولدنغ)، وهي مسجلة في جزر«الكايمن».

أما زوجته هدى عبد الباسط السنيورة، فهي رئيسة مجلس إدارة «الأمل هولدنغ»؛ وهي الشركة المُساهمة في شركة «فردان 1341» العقارية، والمساهمة الرئيسية معها هي شركة «فينيسيا إنترناشيونال هولدنغ» أما المساهم شبه الوحيد في الأخيرة فهي شركة «فينيسيا انتربرايزس»، المسجلة في بنما. وما يزال السنيورة الأب فاعلًا في المشهد السياسي، بصفته وجهًا مدعومًا من دول الخليج، ومناهضًا لسياسات «حزب الله».

  • شبهات تطال ثروات ساسة لبنانيين في الحكم وأعضاء مجلس نواب

1. جبران باسيل

رئيس «التيار الوطني الحرّ»، وزير الخارجية جبران باسيل، وصهر الرئيس اللبناني ميشال عون، الذي شكل زواجه من ابنة الأخير، نقلة نوعية له على الصعيد السياسي والمالي. وانتخب باسيل في أغسطس (آب) عام 2015 بالتزكية رئيسًا «للتيار الوطني الحر» خلفًا للعماد عون، الذي أصبح رئيسًا للجمهورية.

وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل

وذكرت صحف لبنانية أن ثروة باسيل بلغت نحو مليار دولار أمريكي، متوزعة على شركات عقارية وغير عقارية، وسندات التملك العقاري، والأسهم لحامله، وشركات الأوف شور، وكل الأموال غير المنقولة وغيرها. وسبق وأن هاجمت المعارضة باسيل، في مناطق الجنوب، واتهمته بالثراء غير المشروع، وأطلق ناشطون لبنانيون وسمًا تفاعليًّا على مواقع التواصل الاجتماعي للمطالبة بإقالة وزير الخارجية جبران باسيل.

2. نبيه بري

رئيس مجلس النواب اللبناني، وزعيم «حركة الأمل» الشيعية، والذي انتخبه الأعضاء في مايو (آيار) العام الماضي، للمرة السادسة رئيسًا للبرلمان، ليصبح ابن الثمانين عامًا واحدًا من أكبر روؤساء البرلمانات في العالم عمرًا.

حرق المتظاهرون صورة بري مع عون في الميادين الكبرى بمدن لبنان الرئيسية؛ احتجاجًا على استمرارهما في منصبيهما. وكان الصعود المالي لصهره وزوج ابنته الصغرى، أيمن جمعة، في مجال المال والأعمال مرتبطًا بصعود بري السياسي، إذ أظهرت «وثائق بنما» أن جميع شركات جمعة المسجلة في الجزر البريطانية عبر مكتب المحاماة، موساك فونسيكا (مكتب المحاماة البنمي)، قد تأسست بعد زواجه من ميسا بري في أغسطس عام 2008.

ولا يقتصر الأمر عند صهره؛ فابنته الأخرى هند نبيه بري، عضو مجلس إدارة في شركة «KIDZ INVESTMENTS HOLDING» التي يرأس مجلس إدارتها علي كزما، وأبرز المساهمين في هذه الشركة، رانيا نعمة الله أبي نصر، ابنة النّائب نعمة الله أبي نصر، وكذلك شركة «Kids Edutainment Park» التي تضم ثلاثة أعضاء مجلس إدارة بارزين هم: إبراهيم عازار نجل النائب السابق سمير عازار.

ساسة وأعضاء مجلس نواب في القائمة أيضًا

ينضم للقائمة السابقة، ممن حازوا ثروات طائلة، وتسللوا لمواقع الحكم، عشرات من أعضاء مجلس النواب، نستعرض أبرز هذه النماذج، التي ارتبطت ثرواتهم بصعودهم السياسي، واتباعهم طرقًا خفية في تأسيس شركاتهم، وتسجيلها خارج البلاد؛ لتزيد الشبهات حولهم.

على رأس هؤلاء هو أحمد محمد فتحي الصفدي، ابن شقيق الوزير محمد الصفدي، والذي يُعد مرشحًا دائمًا للانتخابات النيابية. فهو مالك لشركة «PROJECTS MANAGEMENT AND CONSULTANCY INTERNATIONAL INC»، بالشراكة مع رجل الأعمال نبيه مخايل شاهين، المُرشح هو الآخر في الانتخابات النيابية في منطقة الكورة. والشركة مُسجلة في الجزر الضريبية لتجنب دفع الضرائب للسلطة التي يمثلونها.

وجه آخر لهذه القائمة هي كلود بويز كنعان، الأمينة العامة السابقة لـ«حزب الكتلة الوطنية»، التي تعمل رئيسة لشركة «ELDEN OVERSEAS S.A» في بنما، ويتولى زوجها المحامي والمرشح للانتخابات النيابية 2009، إميل كنعان منصب أمير الشركة ومديرها. ويظهر كذلك اسم رينا هراوي ابنة رئيس الجمهورية اللبنانية السابق إلياس هراوي، أمينة سر ومديرة شركة «ROCSTAN S.A».

كيف مكنت السلطة هؤلاء من تكوين ثرواتهم؟

تحولت السلطة في لبنان، بفعل عوامل سياسية وتاريخية، لوسيلة للثراء لحُكامها، بعدما صعدت طبقة حاكمة جديدة بعد الحرب الأهلية اللبنانية، والاتفاقيات التي رعتها قوى إقليمية، كانت سببًا هي الأخرى في إفراز هذه الطبقة من الحُكام التي انتفض ضدها الشعب في تظاهراته.

يقول وسام جاد، وهو عضو بـ«الحزب الشيوعي اللبناني»، وباحث اقتصادي، في اتصال هاتفي مع «ساسة بوست» إن الحريري وميقاتي هُم أغنى الأغنياء في لبنان، لكن توجد كذلك طبقة غنية استفادت من العمل السياسي؛ فمن يُشكلون اللوائح الانتخابية لانتخابات البرلمان يُطالبون المُرشحين بمبالغ طائلة لترشيحهم على اللوائح المحسوم فوزها، وبالمقابل يشكل هؤلاء النواب الحماية القانونية للتجاوزات والصفقات عبر البرلمان، على حد تعبيره.

لكن كيف اختلطت حبال الطائفية والعائلية مع المصالح الاقتصادية والسياسية؟ تُجيب عن ذلك مُطيعة هلاك، الصحافية اللبنانية خلال حديثها لـ«ساسة بوست»، قائلة: «في كُل المناطق، باتت العائلات المُسيطرة على المال هي من تصل للسُلطة، إذ أفرزت الحرب الأهلية اللبنانية طبقة سياسية حاكمة جديدة، بدعم قوى خارجية، ونتيجة لاتفاقات التسوية لهذه الحرب».

وتُضيف مطيعة: «نتيجة لذلك أصبح لكل عائلة سياسية، التي هي عائلة طائفية، موارد ومصالح ومكتسبات سيطرت عليها بوسائل متعددة؛ ومن هنا نجحوا في السيطرة على كُل شيء»، وتوضح: «استُحدثت مؤسسات لم تكن موجودة من قبل لتأمين استفاداتهم وتوزيعها على أتباعهم، منها مجلس الجنوب، ومجلس الإنماء والإعمار، وصندوق المهجرين؛ إذ شُكلت كُل هذه الهيئات وسائل لنهب موارد البلاد بشكل ممنهج، وهي تكلف الدولة ملايين الدولارات سنويًّا، التي تذهب لجيبوهم، ويُعيدون استخدامها وتوزيعها على محازبيهم والمنتمين تحت عباءاتهم ليتمكنوا من إبقاء هؤلاء تحت طاعتهم».

عوامل أخرى عززت عدم مسائلة هؤلاء الساسة وسؤالهم عن مصادر ثرواتهم والاستفادة من السُلطة؛ تتمثل في زيادة الإنفاق العام خارج إطار الموازنات العامة حتى عام 2005، وخارج أيّ موازنة أو رقابة سابقة ولاحقة على الإنفاق العام. إلى جانب تمديد ولايات الرئيس أو أعضاء مجلس النواب لمرات عدّة بلغت 20 سنة بين 1972 و1992، لظروف أمنية. يرتبط بالنقطة السابقة إصدار قوانين عفو عام في سنوات 1958 و1969 و1977 و1992 و2005 من جانب مجالس النواب المُتعاقبة لتُضفي حصانة على «مجرمي الميليشيات الطائفية، ووضعهم فوق المساءلة والمحاسبة».

ويؤرخ غالب أبو مصلح، المُفكر الاقتصادي اللبناني لهذا التحول في بنية الطبقة الحاكمة، وتحول السلطة لمصدر للثراء لهم، في كتابه «أزمة الاقتصاد اللبناني»، قائلًا «جرى تعديل بنية الطبقة الحاكمة بإسقاط الأرستقراطية الريفية والمدينية، أو معظمها، وارتقاء متزعّمي الميليشيات المذهبية، أيّ أمراء الحرب الأهلية وصانعيها، إلى سدة أصحاب القرار السياسي والاقتصادي والمالي ضمن فئة هي أشبه ما تكون بشبكة سياسية مغلقة، ترسم المسارات وتصنع القرارات».
ويُضيف «أن السلطة، تحولت بكلّ مستوياتها، إلى مصدر للثروة والإثراء لدرجة يحار المرء في توصيف أهل النظام؛ كاشفًا أن ثروة أحد رجال الأعمال كانت، عشية تعيينه في منصب سياسي نافذ ورفيع، نحو ملياري دولار أمريكي، فأضحت، يوم فَتَحَ ورثته تركته لاحتساب ضريبة الانتقال بعد مكوثه سنوات عشر في السلطة، نحو 16 مليارًا».

المصادر

تحميل المزيد