«رُبما لو كانت مقصودة لذاتها ما اُكتشفت بهذه السهولة» قد تُلّخص الجملة السابقة قصة البشر مع بعض الأسلحة الفتّاكة المُدمرة التي تتسبب في القتل بلا هوادة ولا رحمة. فلم يكن العالم الذي اكتشف غاز السارين يقصد اكتشافه، بل كان يقصد فقط اكتشاف مُبيد حشري يُخلّص مُجتمعه من آثار الآفات الزراعية المُدمرة.

أما البارود فقد يكون من قبيل السخرية القدرية أن الكيميائي الذي توصل إليه كان يقصد بدلًا منه التوّصل إلى إكسير الحياة الذي يصل بالإنسان إلى الخلود، فقط تابع قراءة السطور التالية لتتعرف أكثر على قصص ثلاث من الأسلحة المُدمرة التي لم يكن يقصد أصحابها اكتشافها، بل توصلوا إليها صدفة أثناء مُحاولة اكتشاف شيء آخر!

1- غاز «السارين».. في البدء كان قتل الآفات الزراعية

كان المقصود هو قتل الحشرات، تحديدًا الآفات الزراعية المُدمرة والتي تتسبب في حدوث أضرار باهظة الثمن على المحاصيل الزراعية، وهو ما مثّل أزمة كبيرة في المزارع الألمانية خلال منتصف الثلاثينيات، مما أجبر الحكومة على شراء مبيدات حشرية باهظة الثمن من الخارج.

لجأت الحكومة الألمانية إلى إحدى الشركات المحلية لإيجاد بديل للمبيدات التي يستوردونها، وفي أواخر عام 1938م أُسندت المُهمة إلى العالم جيرهارد شريدر باعتباره رئيسًا لمجموعة حماية النباتات التابعة للشركة.

Embed from Getty Images

«مُحاولة توفير مُبيد حشري أرخص ثمنًا شريطةً أن يكون مادة قوية بما يكفي لقتل الآفات مع تجنيب الحيوانات والبشر الآثار الضارة لها»

كان هذا هو الهدف الذي يُحرك شريدر عندما كان يعمل في معمله لعدّة أشهر مُختبرًا خلط بعض المُركبات الكيميائية بكميات مُعينة، لكن في الطريق لقتل الآفات الزراعية وإفادة البشر، اخترع شريدر سلاحًا مُدمرًا قاتلًا للبشر، وهو غاز السارين، والذي يُعرف باسم «غاز الأعصاب».

ففي أثناء تلاعبه بالمركبات والتجريب المُستمر، ومن خلال خلط الفوسفور بالسيانيد، توصل إلى مادة شديدة السمّية، وبسببها أُصيب بصداع نصفي وواجه صعوبة في التنفس، ووجد أنه بالكاد يستطيع أن يرى، وأمضى ثلاثة أسابيع يتعافى.

وصل اكتشاف شريدر للجيش الألماني، وعندما قام علماء الجيش الألماني بتحليل المادة التي توصل إليها شريدر، وجدوها شديدة السمّية فأطلقوا عليها اسم «تابون» أو «المادة المُحرمة»، كانت هذه المادة أقوى حتى من غاز الخردل الذي كان يستغرق وقتًا طويلًا للقتل مُقارنة بها، فلم يحتج الـ«تابون» لأكثر من 20 دقيقة حتى يصل للنتيجة نفسها.

أُعجب الجيش الألماني بالاكتشاف وكافأوا شريدر عليه، وعاد العالم إلى معمله مُحاولًا التوصل إلى المبيد الحشري الذي بدأ لأجله هذه الرحلة، وأثناء المُحاولات المُستمرة، توصل إلى مادة أكثر سُمّية من التابون أطلق عليها اسم «السارين».

وفقًا لموقع «هيستوري» فبحلول نهاية الحرب العالمية الثانية، أنتجت ألمانيا النازية حوالي 12 ألف طن من المركب الكيميائي القاتل، وهو ما يكفي لقتل الملايين من الناس، وقد ضغط ضباط عسكريون رفيعو المستوى على هتلر لاستخدام غاز السارين ضد خصومهم منذ بداية الصراع.

لكن على الرغم من هذا الضغط، رفض هتلر استخدام السارين باعتباره سلاحًا كيميائيًّا ضد دول الحلفاء، ويعتقد بعض المؤرخين أن رفضه غير المُبرر هذا كان بسبب مشاهدته لفظائع غاز الخردل أثناء القتال في الحرب العالمية الأولى، وفي عام 2013 في سوريا استخدم النظام الحاكم، الغاز الذي رفض هتلر استخدامه! فقد سقطت صواريخ مليئة بغاز الأعصاب على الضواحي التي يسيطر عليها المعارضة في العاصمة السورية، وخلفت عشرات القتلى والجرحى من الرجال والنساء والأطفال.

2- «البارود».. في الأصل كان البحث عن الخلود

لمُدّة قرون طويلة انشغل الكيميائيون الصينيون القدماء بمُحاولة اكتشاف إكسير الحياة، هذه المادة التي لا تجعل حياتهم تنتهي بالموت، وتجعلهم يصلون إلى الخلود، لكن مُحاولاتهم هذه باءت بالفشل، ورُبما تمثلت سخرية القدر في أنهم خلال طريقهم لاكتشاف مادة تُمكنهم من الحياة للأبد اكتشفوا مادة أصبحت من أكثر الأسلحة فتكا بالبشر.

فبخلط الملح الصخري، المعروف أيضًا باسم نترات البوتاسيوم، مع الفحم والكبريت بكميات مُعينة، نتجت مادة لا تتمكن من إطالة الحياة، ولكن تتمكن من إنهائها.

Embed from Getty Images

فقد اكتُشف «البارود»، هذه المادة ذات اللون الأسود والتي أصبحت سلاحًا يستخدم تقريبًا في كل الحروب منذ لحظة ظهورها، فقد أصبح البارود عنصرًا أساسيًا في أشكال مُختلفة من الأسلحة بدءًا من السهام النارية إلى البنادق ووصولًا إلى المدافع والقنابل اليدوية، وأصبحت هذه المادة نقطة تحوّل عظيمة في شكل الحرب وآثارها.

ظهر البارود في عام 850 م، عندما انفجرت المادة التي كان يختبرها كيميائي في عهد أسرة تانغ، عند تعرّضها للهب مكشوف، وأنتجت دخانًا ولهيبًا بحيث احترقت أيدي الكيميائيين ووجوههم، وحتى المنزل بأكمله الذي كانوا يعملون فيه.

تذكر العديد من المصادر أن الصينيين استخدموا هذا الاكتشاف للألعاب النارية فقط، لكن هذا ليس صحيحًا، فقد استخدمت القوات العسكرية في عهد أسرة يونغ الاكتشاف الجديد ضد المغول، الذين كانوا أعداءهم الرئيسيين حينها، وكانوا يشنون غزواتهم المستمرة على الصينيين، ونتيجة لهذا، كان المغول أول من تعرض للنيران المتطايرة الناتجة عن تثبيت سهم بأنبوب من البارود يشتعل ويدفع نفسه عبر خطوط العدو.

3- النشاط الإشعاعي لليورانيوم.. في الأصل كان البحث عن مصدر ضوء

هنري بيكريل هو عالم فيزياء فرنسي كان مُهتمًا بدراسة الفلورة والفسفرة، وهما مثالان على عملية التألق أو اللمعان الضوئي، وهو الموضوع نفسه الذي اهتم به والده الذي كان فيزيائيًا أيضًا، كان بيكريل مهتمًا بشكل خاص باليورانيوم ومركباته، وكان ماهرًا أيضًا في التصوير الفوتوغرافي، وفي عام 1895م تم اكتشاف الأشعة السينية، وهو الاكتشاف الذي افتُتن به المجتمع العلمي، فقد اخترقت الأشعة السينية المكتشفة حديثًا أنسجة الجسم، وأدرك المجتمع الطبي على الفور فائدتها في التصوير.

Embed from Getty Images

كانت أيامًا مُلبدة بالغيوم لا تظهر فيها الشمس، تلك هي أيام شتاء عام 1896 في باريس، رُبما كان بيكريل حينها ساخطًا بسبب عدم ظهور الشمس وهو ما سيؤثر سلبًا في تجاربه، فقد كان يُجري تجارب تحاول مُلاحظة خصائص الأشعة السينية، ومدى وجود علاقة بين الفسفور الذي كان يدرسه والأشعة السينية، فقد اعتقد أن أملاح اليورانيوم الفسفوري قد تمتص أشعة الشمس وتُعيد إطلاقها كأشعة سينية، كان يعتقد أيضًا أنه لا يمكنه إجراء أي بحث دون ضوء الشمس الساطع، لكن الطقس أصبح ملبدًا بالغيوم خلال الأيام العديدة التالية من أواخر فبراير، فوضع بيكريل بلورات اليورانيوم ولوحات التصوير بعيدًا في الدرج.

في 1 مارس (آذار) من العام نفسه، فتح الدرج وصور اللوحات، متوقعًا رؤية صورة ضعيفة جدًا، لكنه وجد عوضًا عن توقعه مُفاجأة أذهلته، فقد جاءت الصور التي التقطها قوية وواضحة مما يُثبت أن اليورانيوم يبعث إشعاعات بدون مصدر خارجي للطاقة مثل الشمس، ليكتشف بيكريل النشاط الإشعاعي دون أن يقصد.

صاغت مصطلح النشاط الإشعاعي عالمة الكيمياء والفيزياء البولندية ماري كوري، والتي بدأت مع زوجها بيير في التحقيق في الظاهرة التي اكتشفها بيكريل.

علوم

منذ 11 شهر
مفاعل الصين النووي الجديد.. حرارته 10 أضعاف حرارة مركز الشمس!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد