مع المحاولات الأولى لتأسيس الكيان الصهيوني «إسرائيل» بعد احتلال أرض فلسطين وطرد سكانها، راجت مجموعة من الأكاذيب الإسرائيلية لطوائف اليهود في كُل بلاد العالم عن مجتمع ينصهر فيه كُل مواطنيها – كما زعم مؤسسوها ديفيد بن غوريون وغولدا مائير – وهو ما وجده اليهود الشرقيون من أصول عربية، مبررا قويًا للهجرة من هذه البلاد بعد ويلات من معاناة من الحكومات العربية المضطهدة، وأمام هذه الإغواءات من جانب آخر.

اليوم، بعد عقود من هذه الوعد يحاول «ساسة بوست» من خلال السطور التالية، التحقق من مدى تحقيق اليهود الشرقيون (السفارديم) لآمالهم في دولة يهودية تتحدث باسمهم، وتدافع عن مصالحهم، من خلال استعراض مجموعة من الحقائق عن أوضاعهم، ووقائع الصراع المستمر بينهم وبين اليهود الغربيين (الأشكناز).

من هم اليهود الشرقيون؟

يطلق مصطلح اليهود الشرقيون على اليهود العرب المهاجرين لإسرائيل، أصولهم من الدول العربية، مثل العراق، الشام، مصر، اليمن أو دول شمال أفريقيا. وقد شكلوا نحو 54% من عدد المهاجرين إلى إسرائيل في الخمسينيات.

وكانت هذه الهجرة مرتبطة بمجوعة من الأسباب منها الوضع المُبهم للجماعات اليهودية في العالم العربي، وتعرض مجموعات منهم للاضطهاد، كما يعود إلى جهل بعضهم الآخر على خلفية وعود الصهاينة لهم بتأسيس دولة يهودية تتحدث باسم كُل يهود العالم وتمثلهم وتدافع عن مصالحهم.

وتصنف الإحصاءات الإسرائيلية السكان اليهود وفقًا لبلد الأصل (أي وفقًا لمكان ولادة الشخص ومكان ولادة أبيه) إلى ثلاث جماعات إثنية رئيسية، جماعة الأشكناز: وهم المولودون في أوروبا وأمريكا والمولودون في إسرائيل لآباء من مواليد أوروبا وأمريكا، أو جماعة السفارديم: وهم المولودون في آسيا وأفريقيا والمولودون في إسرائيل لآباء من مواليد آسيا وأفريقيا، وأخيرًا يهود أبناء البلد: وهم يهود وُلدوا هم وآباؤهم في البلد (فلسطين المحتلة).

مواطنون درجة ثانية

مع بداية وصولهم لإسرائيل، بعد انتصارها في حرب 1948، تولى اليهود الأشكناز، الآتون من شرق أوروبا، أبناء المزراعين ذوي التعليم الديني، الصهاينة المتعصبين، سياسة قائمة على العصبية والعنصرية تجاههم إذ قاموا برشهم بالمبيدات، وتسكينهم في مخيمات بلا كهرباء، وأخذوا يسخرون من لهجتهم العربية.

تنوعت مُبررات إحضار اليهود من الدول العربية إلى إسرائيل، فحسب الخبراء، يروون أن المسألة لها اعتبارات لاعتبارات ديموغرافية وأخرى عملية. فمن جهة، كانت هناك حاجة للتوسّع قدر الامكان وتوطين المزيد من اليهود في المناطق النائية أو القريبة من العرب ومن الحدود وخطوط التماس. ومن جهة أخرى، كانوا بحاجة إلى قوى عاملة رخيصة، ولم ينظروا إلى العرب غير اليهود كإمكانية.

لا تقتصر العنصرية تجاه اليهود الشرقيين من قبل جماعات الأشكناز، إذ تقر الدولة هذه العنصرية بسياسات إقصائية، جعلت الكثير منهم يعتمدون على المساكن الشعبية التي وفرتها لهم الدولة والتي تحاول إخلاءهم منها اليوم. كما شملت هذه السياسات تمييزًا بين اليهود الشرقيين والأشكناز في مستوى التعليم والدخل، إذ تم إرسال الطلاب الشرقيين إلى مدارس مهنية، على العكس من الطلاب الأشكناز الذين تعلموا في مدارس نظرية تؤهلهم للدراسة الجامعية، ورفع مكانتهم الاجتماعية.

تحكي الباحثة اليهودية الشرقية «شيرا أوحيون»، من أصل مغربي فصلًا من معاناة عائلتها مع هذه السياسات قائلة: «لقد تركت والدتي طنجة، ببحرها ومينائها، لتُرمى بمكانٍ ما بالضواحي، معظم اليهود الشرقيين تركوا وراءهم حياةً أفضل ليخرج عليهم دايفيد بن غوريون وينعتهم بـ «أشباه الآدميين»، لقد تعاملوا معنا كمواطنين من الدرجة الثانية، وأقاموا جهاز تربية خاصًا لتحويلنا إلى عمال، كما جعلونا نخجل من لغتنا العربية وتقاليدنا، وحاولوا محو هويتنا وثقافتنا. تحدثوا عن المساواة، وفي الواقع بنوا حكمًا أوليغاركيًا أشكنازيًا يسيطر على الأغلبية».

حسب دراسة، شوشانا جباي، الباحثة الإسرائيلية من أصول عراقية، بعنوان «نحن العاطفيون، النضال الشرقي كخادم مخلص للإعلام النيو ليبرالي»، فإن القيادة اليهودية الشرقية توصف في الإشارات القليلة إليها في الكتب المدرسية في إسرائيل بشكل ساخر وشبه معاد للسامية بأنها «سلبية»، و«تهتم بثرواتها».

من مؤشرات سياسة التمييز بلوغ نسبة البطالة في مدينة يوروحام في النقب (سفارد) حوالي 12.5% أي حوالي أربعة أضعاف نظيرتها في تل أبيب (أشكناز) وهي 3.5%. كما أن متوسط راتب يهود السفارديم يعادل 68% من متوسط راتب اليهود الأشكناز. ويبلغ عدد الطلاب في الجامعات من السافارديم 25% فقط من المجموع العام، ونسبة من يحمل شهادة الدكتوراه من السافارديم هي 18% مقابل 82% للأشكناز.

الرعيل الأول .. محاولة لتأسيس الهوية

سمير نقاش، شمعون بلاص، سامي ميخائيل، إبراهيم عوبيديا، ومراد العماري والبروفسور شموئيل سامي مورية وآخرون. كُتاب يهود، عاش معظمهم في العراق، قبل أن ينتقلوا منها نهائيًا إلى إسرائيل تحت وطأة الظروف المعيشية الصعبة، والاضطهاد الطائفي حيالهم.

برزت هذه المجموعات في إسرائيل تحت تصنيف «اليهود العرب»، ليواصلوا الانتفاضة ضد هيمنة الأشكناز على الموارد، مؤسسين هوية يهودية شرقية فاعلة في المشهد الثقافي في إسرائيل عبر نوستالجيا ضخمة، مثلت فيها لغتهم العربية، وأغاني أم كلثوم وفريد الأطرش عامل مقاومة تجاه محاولات التمييز والسياسات العنصرية حيالهم.

«الوطن الأول هو عدو الوطن الراهن» كما يقول سامي ميخائيل الذي عني بالوطن الأول العراق والراهن إسرائيل، والذي تدور أغلب وقائع روايته «فكتوريا» في حوش بغدادي في مطلع القرن العشرين، وهي تستحضر كأغلب رواياته شخصية اليهودي العراقي إلى الأدب كشخصية لها أبعادها الدرامية وصفاتها المتميزة، والتي تؤرخ لمجتمع اليهود في بغداد منذ أوائل القرن الماضي وحتى ما بعد الهجرة الجماعية إلى إسرائيل، من خلال سيرة الفتاة فيكتوريا وحبها المجنون للفتى الألعبان رفائيل.

الجيل الجديد .. أنصار اليمين المُتطرف

مع استمرار حالة التذمر الاجتماعي، والتهميش السياسي لمجموعات اليهود الشرقيين، تحولت هذه المجوعات لمحل جذب واهتمام من قبل قوى اليمين واليمين المتطرف من أجل كسبها كقوة تصويتية مهمة لدعم قوائمها في الجولة المقبلة من الانتخابات التشريعية، وهو الأمر الذي كان سببًا رئيسيًا في انتخاب نتنياهو من جديد لرئاسة الحكومة.

لم يكن الأمر بالنسبة إلى اليهود الشرقيين في التصويت لليمين المتطرف محض صدفة، أو نوعًا من أنواع التقارب الأيديولوجي، بل كان هذا الأمر الخيار الوحيد لمواجهة الحالة اليهودية الغربية المُتسلطة على مراكز النفوذ في إسرائيل.

من وجهة نظر، الكاتب «نائل الطوخي» المتخصص في الشؤون العربية، «المسألة قصة إنسانية في المقام الأول عن مهمشين يعادون اليسار، قصة عن الخوف الإنساني من الوصم، مما يدفع الفرد لتبني رؤى مخالفة لما يعتقده، أو لما يحدسه بداخله، ولهذا كان تصويت اليهود الشرقيين لليمين المتطرف نابعًا من شكوك داخلية لإثبات أنهم لا يقلون وطنية وصهيونية عن الأشكنازيين، فكانت النتيجة هي تصويت الأجيال التالية من اليهود الشرقيين للأحزاب الدينية المتطرفة في عدائها للعرب، الليكود ثم شاس».

في برنامج الصباح، بالتليفزيون الإسرائيليّ، خصص حلقة نقاشية لفوز نتنياهو في الانتخابات الأخيرة، وكان فيها بروفيسور أمير حصروني، وهو من أصول غربيّة، وصل إلى الاستوديو، وكانت في مواجهته صحافيّة من أصول مغربيّة، أميرة بوزغلو. وعندما احتدم الجدال بينهما قال لها حصروني: لم يَكُن سيحدث أيّ شيء، لو بقيت عائلتك في المغرب وتعفّنت هناك. بوزغلو، ردّت عليه قائلةً ببثٍ حيٍّ ومُباشرٍ: مَنْ يتحدث بهذه الصورة عن اليهود الشرقيين هو فاشيّ وعنصريّ وحقير.

 

المغاربة .. الأغلبية في اليهود الشرقيين

يعتبر اليهود المغاربة أكبر طوائف اليهود الشرقيين في إسرائيل يليهم بالترتيب: العراقيون واليمنيون والإيرانيون.

فحسب البيانات المنشورة في أواخر العام 2013، فإن سكان إسرائيل من اليهود يتوزعون طبقًا لأصولهم القومية ومنابتهم، وفق النسب الرئيسية التالية: مليون و900 ألف من اليهود من أصول أوروبية أمريكية. ونحو 858 ألفًا من أصول شرقية تعود إلى دول الاتحاد السوفياتي السابق، وهذه المجموعة السكانية هي الأكبر في إسرائيل بعد التحول الديموغرافي الذي طرأ مع هجرة مليون وربع مليون يهودي من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق إلى إسرائيل خلال تسعينات القرن الماضي إثر تفكك الاتحاد السوفياتي. ونحو 500 ألف من أصل مغربي. ونحو 30 ألفًا من أصل بولندي وروماني. ونحو 180 ألفًا من أصل عراقي. ونحو 180 ألفًا من أصل يمني. وآلاف عدة من اليهود الفلاشا الإثيوبيين، والبقية من أصول مختلفة (كردي، سوري، إيراني، مصري، تركي … )، ويدخل في الأرقام السابقة سكان المُستعمرات المقامة فوق الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.

 

عرض التعليقات