طرق التواصل المتعددة على الإنترنت خلقت لنا مُناخًا من التعددية، بدءًا من «تويتر»، و«فيس بوك»، و«إنستغرام»، و«تمبلر»، وغيرهم. أصبح التواصل بين الناس أسهل مّما كنا قد نتخيله سابقًا. صار الكوكب على تَواصل شديد. بل يكاد يكون الأقرب منذ بدء الخليقة. ومع هذا التواصل المذهل تأتي أثْمان مُتباينة يَجب علينا أن نَدفعها مُقابل كل تلك السهولة في التواصل.

استخدام التواصل عبر الإنترنت يُغير علاقتنا بالآخرين حتمًا. في المقال التالي سبعة من الأمور التي توضح لنا كيف يَحدث ذلك.

تواصل أم عزلة؟

الكثير قد قيل عن مخاطر الاستعمال المُفرط للإنترنت، بداية من إدمان الإنترنت –تم تصنيفه مرضًا نفسيًّا- وحتى أضرَار إدمان المُحتوى الجنسي للمراهقين والبالغين. وتمامًا كما بدأ الأمر من قبل مع التلفاز التقليدي قبل 50 عامًا، الإنترنت تحوَّل بلا وَعي من مُستخدميه إلى عالم افتراضي كامل بعيد كُل البُعد عن الماديات، والحَياة الواقعية.

عندما تم تصنيف إدمان الإنترنت مرضًا نفسيًّا مُدرجًا في قائمة الأمراض الشائعة عَكفت الأبحاث والدراسات على تَحديد الأعراض المصاحبة له التي تباينت ما بين: تناول الطَعام أثناء الاستخدام، وبين الأرَق، والإجهاد العَصبي الحاد، وطرق علاجه. تتنامى العلاقات الشخصية بصورة قوية مع وجود الإنترنت، ولكن صَارت تعزل الناس عن ذَويهم بطريقة، أو بأخرى.

تأمَّل اليوم الصَديق الذي يريد أن يتناول العشاء معك، فاعتذرت أنت له بحجة العمل، ثُم رؤيته لتحديثَات صِورك مع مَجموعة أشخاص آخرين في مكان عام مثلًا دون أن يعلم أنَّهم شركاء عمل مثلًا. هذا مثال غير بعيد الحدوث، وقد تواجهه شخصيًّا. فما بالك بما هو أكثر تطورًا وجدية مما قد يؤدي إلى اعتزال العديد من الأشخاص لأسباب غير منطقية.

الأخلاقيات

يصلح الإنترنت لنقل المعلومات بصورة جيدة. أما المشاعر، فبالطبع لا. كم منّا اليوم يتواصل مع شريك حياته، أو أفراد أسرته عبر الهواتف الذكية، وخدمات المحادثات أكثر مما يفعل في الواقع؟ بالطبع نسبة كبيرة تفعل ذلك اليوم. عندما تلاحظ أن التواصل بينك وبين شريك حياتك قد تأثر فيجب أن تضع حدًّا لذلك؛ فأنت لا تريد بالتأكيد أن تَصِل لمرحلة الأسرة التي تجلس سويًا في الغرفة ذاتها، وتتَحدث عبر رسائل الهواتف.

الصداقات

من السهل جدًّا أن تتأثر الصداقات القوية عبر الإنترنت نظرًا لارتفاع نِسب زيادة سُوء الِفهم، والتواصل الضعيف. من المَمكن أن تتأثر علاقات صداقة قديمة بشكل سيئ. نسبة 40% من التواصل البشري هو تواصل غير لفظي، ومع اختفاء تلك النسبة قد يصبح الأمر معقدًا أكثر مما قد تُعبر عنه حركة يد، أو إيماءة ما. حاول بقدر ما يمكنك أن تُقّلل نسبة التواصل عبر الإنترنت بعلاقاتك العميقة. ولا تُؤجل رَد يمكنك أن تتفاداه. بالتأكيد يُمكنك، وبكل بساطة ترك الحاسوب، أو الصفحة، وطلب رقم هاتف.

الأخطار المصاحبة

التعبير عن النفس ومقاصد الحديث صار من التحديات الآن على الإنترنت. تأمَّل محادثات الشباب حاليًا، وما تحتويه من اختصارات حرفية لجُمل طويلة استطاعوا ضغطها، وتبسيطها؛ فصارت اليوم هي المعنى الأدّق تعبيرًا في حياتهم. هذا يُفقد المحادثات معناها مع الوقت، ويقلل التواصل الصحي بيننا.

بمرور الوقت سيصير هناك تحدٍ آخر، وآخر؛ حتى تتراكم معوَقات طرق التواصل السليم. تأمل أيضًا كَمَّ الخلافات الأسرية التي يَنتج يوميًّا بسبب سهولة التواصل مع أشخاص آخرين، غرباء عنّا تمامًا، خاصةً مع انعدام المشاعر أثناء التواصل عبر الإنترنت، مما يُيسّر عملية الاعترافات العشوائية للآخرين بالخصوصيات، أو العلاقات التي قد يُساء فهمها، والتي تؤثر في الأزواج، أو المتُحابين نتيجة الغموض، وانعدام الرؤية في التواصل الإلكتروني.

التأجيل

أظهرت الدراسات الاجتماعية في مجال التواصل الاجتماعي أننا لا نرد عادةً على المراسلات حين لا نملك الحل أو الإجابة المناسبة، فنؤجل الرد دون اللجوء إلى الحلول الفورية نظرًا لتراكم الأولويات لدينا، أو حتى إيجاد الردود البسيطة العفوية التي عادةً ما تحدث عند اللقاءات المُباشرة وجهًا لوجه مثل: «حسنًا سأفكر في الأمر، ثم أرد عليك»، أو «ليس لدي أدنى فكرة حاليًا، ولكن أعدك أن أجد الرد في أقرب وقت». من ثَم يتطور الأمر إلى تذكير بالأمر، ثم تجاهل جديد، أو ردٍّ خالٍ من المشاعر مثلًا.

التواصل عبر الإنترنت هو تواصل «بارد» المستوى كما يُصنفه الباحثون في علم الاجتماع، ويتوجَّب علينا أن ندرك السلبيات المُصاحبة له.

الاجتماعيات

مواقع التواصل الاجتماعي وفَرت لنا الكثير من الفُرص السهلة للوصول إلى الأصدقاء القدامى مثلًا، أو الأقارب الذين يبعدون عنّا، ولكنها أيضًا أقحمت الكثير من الأشخاص القريبين منّا «افتراضيًّا»، مما ترتب عليه ظهور عدد كبير من أنواع العلاقات السطحية التي قد تنتهي بمواقف اجتماعية غير ملائمة.

فقط تأكد من أن ما تشعر معه بالراحة في الحياة هو ما يتوجب عليك تطبيقه عبر الإنترنت. لا تجد لنفسك أي أعذار أو ضغوط اجتماعية تتمثل في الشعور بالمسؤولية أو الذنب تجاه هذا العالم الافتراضي. عندما تجد نفسك لا تشعر بالراحة، أو تشعر بتوتر حيال أي أمر على الإنترنت، توقف تمامًا وابتعد عن لوحة المفاتيح.

الحل: التوازن الصحي

التكنولوجيا ليست الغول الذي استيقظ ليلتهمنا. هو بالقطع أداة رائعة لمساعدتنا على الوصول لحياة أسهل. فقط ذلك الإنسان الذكي الذي صنع ذلك العالم الافتراضي هو أيضًا من يستطيع تحجيم مخاطره، ويقلل سلبياته، والعمل على هذا يتطلب منّا فقط الترشيد، والاستخدام الصحي المتوازن شأنه شأن أي عنصر متقدم من عناصر الحداثة. عندما نُلخّص حياتنا بأكملها في عالم افتراضي، ونلقي بكامل جوانبها في هذا العراء الإلكتروني؛ فهذا حتمًا سيؤثر فينا.

زِد من تفاعلك مع الآخرين في العالم المادّي. تجنّب المخاطر الناتجة عن قضاء الأوقات الطويلة على الشبكة. جرّب أن تترك التسوق الإلكتروني للسلع الصعب الحصول عليها في التسوق التقليدي. رتب جدول أنشطة أسبوعي يتضمن مكالمات ومقابلات مع الأصدقاء.

وأخيرًا: لا تجعل عيوب العالم الافتراضي وسوء التواصل فيه ينَتقل إلى حياتك الحقيقية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد