ربما لا يوجد شيء يمكن وصفه بأنه أولوية في العالم بعد الغذاء أكثر من مصادر الطاقة، وتوليد الكهرباء وتوفيرها وتأمينها. يبلغ عدد سكان العالم الآن بالفعل أكثر من 7 مليارات نسمة، وهو رقم يمكن أن يتجاوز 11 مليارًا بحلول عام 2100، وفقًا لتوقعات الأمم المتحدة. هذا الارتفاع في عدد السكان، إلى جانب التحديات البيئية، يفرض ضغوطًا أكبر على موارد الطاقة المجهدة بالفعل.

رغم الحديث عن وجود احتياطات هائلة من الغاز الطبيعي والنفط في باطن الأرض في عدة دول، لكن الكل بات يعلم حقيقة أن هذه المصادر لها موعد انتهاء، وهو موعد قريب نسبيًّا، لذلك أصبح العالم يبحث بالفعل عن بدائل لمصادر الطاقة. من المؤكد أنه لا يوجد حل سحري، ولكن الباحثين والعلماء حول العالم يطورون مجموعة واسعة من التقنيات لجعل الطاقة أكثر وفرة وكفاءة وصديقة للبيئة. هنا، نلقي نظرة على أغرب تلك المشروعات غير العادية التي يمكن أن تستخدم في المستقبل بالفعل على نطاق واسع لتوليد الكهرباء والطاقة عمومًا، وتصلح لتشغيل الهاتف النقال، وحتى المنازل والشركات.

الأرضيات الخشبية للمنازل

ساعدت الفطريات العلماء على تحقيق طفرة في تحويل الخشب إلى مصدر مفيد للكهرباء النظيفة. إذ يبحث العلماء حاليًا تطوير تقنية تتعلق بممارسة الضغط على الخشب لإنتاج شحنة كهربائية، فيما يعرف باسم «التأثير الكهروضغطي»، وهي فكرة قائمة منذ أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي. لكن المشكلة التي واجهت العلماء سابقًا كانت ترتبط بكمية الكهرباء الصغيرة المتولدة التي تتلاشى سريعًا.

الآن، اكتشف فريق بحثي في سويسرا، كيفية تعديل الهيكل الداخلي لنوع من الأخشاب يدعى خشب «البلسا» لجعل الناتج الكهروضغطي أعلى 55 مرة مما كان ينتج سابقًا. كان الحل هنا هو عملية تعفن الخشب عن عمد. عملية التعفن هذه تمت باستخدام فطر العفن الأبيض (غانوديرما أبليناتوم) لعدة أسابيع، مما يسبب تحلل اللجنين، والهيميسليلوز، الموجودين داخل الخشب بسرعة، وهو ما قلل من وزنه بمقدار النصف تقريبًا، وجعل الخشب أكثر انضغاطًا، مما يعني توليد المزيد من الكهرباء دون أن يفقد قوته.

من هنا، أنشأ الباحثون نموذجً أوليًّا لـ«أرضية طاقة» متصلة بمصباح كهربائي مما يجعل المصباح يضيء، كلما ضغط شخص على الأرضية. هذه ليست سوى خطوة أولى في هذا الاتجاه الذي قد يجعلنا نولد طاقة المنزل من خلال أرضيته الخشبية.

يبحث الجيش الأمريكي أيضًا عن استخدامات للتقنية الكهروضغطية هذه لتوليد الطاقة. فقد وضعوا المواد في أحذية الجنود لشحن أجهزة الراديو وغيرها من الأجهزة المحمولة. وعلى الرغم من أن هذه طاقة متجددة مثيرة للاهتمام ذات إمكانات كبيرة، فإنها ليست رخيصة، وهنا لا يزال التحدي قائمًا.

ملح الطعام في البطاريات

في ظل زيادة المخاوف من المشكلات، وعدم القدرة على الحصول على عنصر الليثيوم الضروري لإنتاج بطاريات الأجهزة الكهربائية مثل الهواتف وغيرها، بات العلماء يبحثون عن بدائل مناسبة لإنتاج الطاقة. أحد أبرز هذه المحاولات هو استخدام بطاريات لا تعتمد على الليثيوم، بل على العنصر الأقرب له في الجدول الدوري وهو الصوديوم، ذلك العنصر الذي يدخل في تركيب كلوريد الصوديوم أو ملح الطعام.

لا يزال الأمر غير سهل، لكن العلماء مؤخرًا بدؤوا في إيجاد بعض الطرق للخروج من هيمنة الليثيوم. المشكلة الأساسية أن الصوديوم أثقل قليلًا من الليثيوم، مما ينعكس سلبيًّا على مقدار الجهد الكهربي للبطارية، وهو ما يعني انخفاض الحد الأقصى من العمل الذي يمكن أن تقوم به البطارية. الخبر السار هنا أنه في يونيو (حزيران) 2020، قدم فريق بحثي نموذجًا أوليًّا لبطارية صوديوم ذات قدرة قريبة من بعض بطاريات الليثيوم، بل يمكن إعادة شحنها أكثر من ألف مرة. إذا تمكن العلماء من تثبيت هذا الاكتشاف فقد نشهد نقلة نوعية غير عادية في المستقبل القريب.

حرارة الجسم الطبيعية

قد يبدو الأمر غريبًا، لكن بدأ تطبيقه بالفعل، الاستفادة من تلك الحرارة التي تولدها أجسادنا لتسخين المياه، واستخدامها في التدفئة. بالتأكيد، نحن لا نتحدث هنا عن فكرة التجمع والتلاصق مثل طيور البطريق من أجل الحصول على هذه الحرارة، لكن بعض المدن تستخدم بالفعل طريقة أكثر تعقيدًا بكثير للتخلص من الحرارة المنبعثة من البشر في الأماكن المزدحمة المغلقة مثل محطات القطارات.

تستفيد لندن وباريس وستوكهولم من هذه الفكرة من خلال تسخير الحرارة الطبيعية المنبعثة من الكثير من الأجسام في أماكن معزولة ضيقة. على سبيل المثال، أعدت هذه المدن أنظمة تهوية للمحطات لتحويل الحرارة الزائدة من البشر إلى ماء ساخن، ثم تضخ هذه المياه الساخنة إلى المباني المجاورة لاستخدامها مصدرًا للتدفئة.

القهوة لتشغيل السيارات

يبدو أن القهوة لن تصبح وسيلة لتنبيه دماغك وتشغيلها كما ينبغي في الصباح عند البدء في العمل فقط، بل ربما تساعدك على الذهاب إلى العمل عبر تشغيل محرك سيارتك فعليًّا. لم يكتشف الباحثون أن نفايات وبقايا القهوة هي مصدر طاقة قابل للتطبيق فحسب، ولكن 10 كجم فقط من القهوة يمكن أن تنتج ما يصل إلى لترين من الوقود الحيوي.

الفكرة العلمية وراء هذا الموضوع بسيطة جدًّا، فكل ما عليك هو نقع بقايا القهوة في زيت خاص لاستخراج الوقود الحيوي. ولأن هذه العملية تستخدم من النفايات والبقايا (القهوة)، فإن إمكانية توسيع نطاق هذا الاكتشاف هائلة. صنع الباحثون الوقود الحيوي من البن المطحون المنتج في 20 منطقة جغرافية مختلفة بالفعل، بما في ذلك الأشكال المحتوية على الكافيين والخالية من الكافيين، بالإضافة إلى أنواع القهوة العربية وغيرها.

الكحول وتشغيل وسائل النقل

للكحوليات استخدامات أكثر بكثير من مجرد صناعة المشروبات الكحولية أو تطهير الجروح. فقد توصل باحثون من السويد إلى طريقة لاستخدام المشروبات الكحولية المصادرة من قبل الشرطة لتشغيل القطارات. كان ذلك في عام 2006، حين جرت محاولات تهريب أكثر من 700 ألف لتر من الكحول عبر السويد لتجنب ارتفاع ضريبة الكحول في البلاد.

لكن بدلًا من صب المشروبات غير القانونية في البالوعة بعد مصادرتها، طور باحثون هناك محطة طاقة غرضها تحويل الكحول إلى غاز حيوي يعمل كوقود. يعمل هذا الوقود المبتكر الآن على تشغيل ألف شاحنة وحافلة، بالإضافة إلى قطار.

الكتابة على الأجهزة الإلكترونية

يقضي الشخص البالغ العادي 23 ساعة في الأسبوع في المتوسط في إرسال الرسائل النصية. استغل باحثون هذه الفكرة لإنتاج هاتف يسمى «اضغط لتشحن»، ويقصد به أنه هاتف يولد طاقة كهربية تشحن الهاتف مع كل ضغطة تقوم بها على الأزرار. فعندما ترسل رسالة نصية على الهاتف، تضغط الأزرار، وهو ما يولد جهدًا داخل الهاتف وينقل الطاقة إلى البطارية للتخزين. تبدو طريقة ذكية وبسيطة لشحن الهاتف، كما يمكن تطويرها لاستخدامها مع كل الأجهزة الإلكترونية الأخرى لإنتاج الطاقة من خلال المهام اليومية.

فضلات البشر والحيوانات لتوليد الكهرباء

يحتوي البراز على غاز الميثان، وهو غاز يمكن استخدامه بطريقة الاستخدام نفسها للغاز الطبيعي. الآن، ظهر باحثون بالولايات المتحدة يركزون على تحويل براز الكلاب إلى غاز الميثان. الطريقة تجري عبر توفير أكياس قابلة للتحلل يوضع فيها البراز، ثم توضع في حاوية مخصصة تحتوي على كائنات حية دقيقة تقوم بمعالجة البراز، مما ينتج الميثان منتجًا ثانويًّا، يمكن استخدام الميثان لتشغيل الأضواء في البيوت والمنشآت.

أصدرت شركة «Hewlett-Packard» مؤخرًا دراسة تشرح كيف يمكن لمزارع الألبان جني الأموال عن طريق تأجير الأراضي لشركات خوادم الإنترنت، التي يمكنها تشغيل أجهزة الكمبيوتر بالميثان الناجم عن روث الماشية. كذلك، الفضلات البشرية جيدة بالقدر نفسه، ففي أستراليا، شغلت سيارة فولكس فاجن بيتل، بواسطة غاز الميثان الخارج من محطة معالجة مياه الصرف الصحي.

علوم

منذ شهرين
البطاريات في خطر.. مخزون العالم من الليثيوم مهدد فما الحل؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد