يميل الناس إلى التفكير في التاريخ البشري على أنه قصة تقدم مطرد، وهذا صحيح نوعًا ما بالنظر إلى التطور المعرفي والتكنولوجي الكبير، إلا أن الوضع أكثر تعقيدًا من ذلك عندما نخوض في مسألة السعادة، وهل جعلتنا الحياة الحديثة سعداء أكثر من أسلافنا البدائيين أم لا.

بالتأكيد نحن أكثر قوة وفتكًا من أسلافنا القدماء، وأكثر معرفة بعالمنا، ونستطيع القيام بأشياء لم يحلم بها الإنسان القديم حتى في أكثر خيالاته جموحًا، مثل السفر في الطائرات والتواصل عن بعد، لكن من جهة أخرى، ليس واضحًا إن كنا أكثر سعادة من أجدادنا جامعي الثمار والصيادين.

لا توجد حقًا طريقة لمقارنة السعادة اليوم بشكل دقيق بالسعادة قبل 10 آلاف سنة مثلًا، لقد بحث العلماء في تاريخ كل شيء تقريبًا – السياسة والاقتصاد والأمراض والجنس والطعام – ومع ذلك نادرًا ما تساءلوا ما إذا كانت آلاف السنين من الاختراعات والاكتشافات جعلتنا أكثر سعادة أم لا؛ رغم أن السعادة هي الغاية الكبرى، إنها أكبر ثغرة في فهمنا للتاريخ، كما يقول المؤرخ يوفال نواح حراري، والذي نعتمد بشكل أساسي على دراسته في هذا التقرير

الثورة الزراعية والصناعية استعبدت الإنسان

شهدت البشرية اختراعات جديدة ثورية طوال تاريخها المديد، من الزراعة والعجلة، مرورًا بالكتابة والطباعة، إلى المحركات البخارية والمضادات الحيوية، وليس آخرًا التكنولوجيا الرقمية. يستخدم البشر عمومًا كل هذه الاكتشافات الحديثة للتخفيف من البؤس وتيسير الحياة، وهكذا من المُفترض أن يكون الناس المعاصرون أكثر سعادة من الناس في العصور الوسطى، والناس في العصور الوسطى أكثر سعادة من الناس في العصر الحجري.

بيد أن حصولنا على ثمار هذه الاكتشافات لم يكن بدون ثمن، على سبيل المثال أدى ظهور الزراعة إلى تقوية الجماعة بالأعداد وزيادة الغذاء، بالمقابل، اتضح أن الزراعة التي مارسها البشر الأوائل كان شاقًة، كما يوضّح البروفيسور سكوت في مؤلفه «ضد الحبوب: تاريخ عميق لأقدم الدول».

لملايين السنين، تكيفت أجساد وعقول البشر على الجري وراء الغزلان، وتسلق الأشجار لقطف التفاح، واستخدموا حواسهم بشكل مذهل للنجاة في الغابات، وكان لدى هؤلاء البدائيون الكثير من مصادر العيش في بيئتهم الغنية بالأنواع النباتية والحيوانية والسمكية، ولم يتطلب الأمر منهم سوى نصف يومهم، لجلب قوتهم، فيما يقضون بقية اليوم في التجول واللعب.

في المقابل عندما ظهرت الزراعة قبل حوالي 15 ألف سنة، أصبح البشر يكدحون ساعات طويلة تحت حر الشمس، في الحرث وتنقية الغلة، وحمل دلاء المياه من النهر وكذا حصاد المحصول. كان أسلوب الحياة الزراعي هذا ضارًا بصحة الإنسان ومخدرًا للعقل البشري نتيجة الاستقرار، وما يعني ذلك من استيطان للأمراض الوبائية في التجمعات البشرية الكبيرة، كما كانوا يعانون أكثر من المجاعة وسوء التغذية من الأسلاف القدماء، الذين كانوا يعيشون في غابات ثرية بالغذاء، علاوة على ذلك فتحت الزراعة الطريق أمام اللامساواة الطبقية، والاجتماعية، والاستغلال، وربما الأبوية، بسبب ظهور المِلْكية.

ولم تكن الثورة الصناعية، خصوصًا في بدايتها، أفضل من مثيلتها الزراعية، فقد عزلت الناس عن محيطهم الطبيعي وعائلاتهم، وأقحمتهم داخل مصانع حديدية مغلقة وبائسة، يتحول الإنسان فيها إلى ترس ميكانيكي يعمل طوال اليوم في خدمة صاحب المصنع، من أجل تحصيل قوت بالكاد يكفي أسرته الصغيرة.

كانت الحياة في كل من الحضارة الزراعية والصناعية صعبة للغاية بالنسبة للناس العاديين، ربما بدونها لم تكن لتتطور الإمبراطوريات والدول، لكنها أنتجت الكثير من الأوبئة، والتي لم يزل بعضها معنا إلى اليوم، وصنعت أنظمة قهرية اضطهدت ملايين العبيد والعمال.

البدائيون كانوا أكثر ترابطا ويعيشون اللحظة

تتمتع الطبقة الوسطى اليوم في البلدان المتقدمة بظروف عمل أفضل، وأكثر رفاهية من حياة المزارعين القدماء أو عمال المصانع إبان القرن التاسع عشر، مع ذلك لم يزل الإنسان يدفع ثمنًا باهظًا مقابل رفاه التطور التقني، من خلال التفكك الاجتماعي والفراغ الروحي.

على عكس العلاقات الاجتماعية السطحية اليوم، اعتمد البشر في العصر الحجري على بعضهم البعض لبقائهم على قيد الحياة، حيث عاش الناس في مجتمعات صغيرة ومتماسكة، وكان الأصدقاء يذهبون معًا لصيد الماموث، وينجون معًا من الرحلات الطويلة والشتاء الصعب، واعتنوا ببعضهم في أوقات الشدة، وشاركوا الطعام، إنهم يعرفون بعضهم جيدًا أكثر من العديد من الأزواج حاليًا.

قد تكون الاقتصادات الحديثة جلبت معها ميزات هائلة لا توفرها الحياة القبلية البدائية، وتضمن لنا الغذاء والمأوى والتعليم والصحة والأمن حتى بدون الاضطرار إلى التحالف مع الآخرين أو مُصادقتهم، مع ذلك يبدو أن جودة العلاقات الحميمة والاجتماعية قد تضررت بشدة، وهو جانب مهم لا سيما إن أخذنا الاعتبار أن الإنسان تطور لعشرات آلاف السنين السنين كحيوان اجتماعي.

وفي هذا الصدد، يقول أستاذ الأعمال في جامعة ستوكهولم، كارل سيدرستروم، بأن الرأسمالية الحديثة نجحت في زرع ثقافة فردية متطرفة، تَنْزعُ نحو التنافسية الشديدة والعزلة في مجتمعاتنا اليوم، ويعتقد أن هناك «رغبة بشرية أصيلة للشعور بالارتباط بالآخرين، لذلك ينبغي أن يحل التضامن والتعاطف محل الفردية من أجل سعادتنا، كما كان يعيش البدائيون».

بالإضافة إلى العلاقات السطحية، يشير يوفال نواح حراري في كتابه «الإنسان العاقل: تاريخ مختصر للجنس البشري»، إلى أن الأشخاص المعاصرين أقل انتباهًا لعالمهم الحسي من أناس الصيد وجمع الثمار، خاصة اليوم مع انتشار الهواتف الذكية وتطبيقات الشبكات الاجتماعية.

لقد كان البدائيون يعيشون اللحظة بشكل طبيعي، بدون اللجوء إلى تمارين اليوجا وتدريبات التأمل، إذ كانت نجاتهم تنطوي على إلمامهم التام بمحيطهم في كل لحظة، فراقبوا بعناية كل شيء يتحرك أمامهم، وميّزت أنوفهم مختلف الروئح، وسمعوا حثيث أوراق الشجر.

وعلى عكس الناس اليوم الذين يقلقون دائما بشأن المستقبل، كان تفكير البدائيين موجهًا نحو الحاضر، فقد كانوا واثقين من قدرتهم على تلبية احتياجاتهم الأساسية من موارد الطبيعة المفتوحة أمامهم والغنية بالطعام، لذلك لم يضيعوا الوقت، حسب جيمس لانستر، في القلق للحصول على وظيفة أو تخزين المال للتقاعد.

فنون

منذ سنتين
قد تتخيله جامع طعام متوحش.. تعرف إلى أجمل الإبداعات الفنية للإنسان البدائي!

ربما نتمتع براحة ورفاهية أكثر من البشر الأوائل، ولكن في نفس الوقت الكثير منا أقل سعادة وأقل حرية، وأكثر انعزالًا عن بيئته الطبيعية، ويزداد الوضع سوءًا عندما يتعلق الأمر بمواطني البلدان الفقيرة والاستبدادية، التي لم تزل تَجُرُّ معها مصائب الثورة الزراعية والصناعية، ولم يحدث فيها تطور لحقوق الإنسان وظروف العمل.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد