تعرف إلى العالم النازي الذي أوصل أمريكا إلى القمر

بعد الحرب العالمية الثانية، بدأ ما يُعرف بـ«سباق الفضاء»، بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي؛ إذ كان ذلك جزءًا من الحرب الباردة بين البلدين. وفي الوقت الذي وضع فيه الاتحاد السوفيتي المهندس الأوكراني سيرجي كوروليوف على رأس مشروع الفضاء كأحد عباقرة عصره، وضعت الولايات المتحدة الأمريكية العالم الألماني النازي فيرنر فون براون على رأس مشروعها، ليصبح مسؤولًا عن كل ما يتعلق بتكنولوجيا الفضاء، فمن هو هذا العالم النازي الذي استأثرت به أمريكا؟

الولايات المتحدة الأمريكية تهبط على «القمر»

كثيرٌ منا يعرف الحدث، الهبوط الأول للإنسان على القمر، والخطوات الأولى لعالم الفضاء الأمريكي نيل أرمسترونج على سطحه، قالوا عن ذلك في وسائل الإعلام حينها: «خطوة صغيرة لرجل، لكنها قفزة هائلة للبشرية». وتبارت القنوات التليفزيونية في نشر مقاطع مصورة للرجل الذي يحمل علم الولايات المتحدة الأمريكية ليغرسه على سطح القمر.

(خطوات نيل أرمسترونج الأولى على القمر)

كان ذلك الحدث هو بداية لعهدٍ جديد، وتنفيذ لوعد رئيس أمريكي سابق قبيل اغتياله، هو جون كينيدي؛ إذ خطب كينيدي في شعبه قبل ذلك بثماني سنوات، واعدًا إياهم بإيصال الرجل الأمريكي إلى القمر، وذلك بداية لعصرٍ فضائي، تسابقت فيه الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي على الوصول إلى أبعد نقطة خارج غلافنا الجوي والعودة، وكأنه عصر استعماري جديد، إلا أن المستعمرات هذه المرة كانت خارج الكوكب.

لكن ما لا نعرفه عن رحلة الهبوط إلى القمر في يوليو (تموز) من عام 1969، كان العقل المدبر لها. الرجل الذي مكَّن «أبوللو 11» من الوصول إلى القمر، وتغلب على الاتحاد السوفيتي في سباق الفضاء. كان هذا الرجل هو العالم الألماني النازي فيرنر فون براون.

بدأ الأمر عام 1955، عندما أنتجت ديزني فيلمًا تعليميًّا يُدعى «الإنسان والقمر»، وفيه ظهر فيرنر فون براون مدير التطوير في وكالة الصواريخ الباليستية التابعة للجيش الأمريكي في ألاسكا، متحدثًا عن الخطوات الأولى للإنسان على القمر، وكيف يمكن تحقيقها. كان الأمر في ذلك الوقت مجرد خيال يداعب أحلام عالم ألماني، إلا أنه في هذه المرة كان مدعمًا بالرسوم التوضيحية، وسلسلة من النماذج الخاصة بالصواريخ لشرحِ إمكانية تحقيق ذلك بمساعدة قوة هائلة تنتجها الطاقة النووية الخاصة بمحطة الفضاء.

(فيلم ديزني التعليمي عام 1955 عن الإنسان والقمر)

في ذلك الوقت كان فون براون هو الوجه العام لمشروع الفضاء الأمريكي، وقد قادهم في النهاية للوصول إلى القمر، إلا أن هذا الرجل كان يحمل عبء تاريخه، الذي قلما تحدث عنه أحد في أثناء حياته، وقد كان هذا التاريخ نازيًّا؛ إذ كان براون عالمًا ألمانيًّا اكتشفته الولايات المتحدة في الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، إذ مع تقدم القوات السوفيتية داخل الأراضي الألمانية، استسلم براون وأكثر من مائة من رفاقه العلماء للجيش الأمريكي. إبان ذلك شكلوا طليعة برنامج الفضاء الأمريكي، وعملوا معًا من أجل بناء صاروخ «زحل 5»، الذي قاد فيما بعد تسعة أطقم نحو القمر، بما في ذلك نيل أرمسترونج.

«أعرف كيف كان يشعر كولومبوس».. رحلة تعلق فون براون بالصواريخ

يقول عن نفسه: «أعرف كيف كان شعور كولومبوس»، في إشارةً إلى اكتشاف العوالم الجديدة، إلا أن العالم الذي أراد فيرنر فون براون أن يكتشفه كان خارج حدود الكرة الأرضية. إذ أراد أن يعبر حدود الغلاف الجوي لكوكبنا، حتى يصل إلى الفضاء. ربما كانت تلك الرغبة الملحة في الاكتشاف هي ما حدد مصيره كأحد عباقرة عصره في تطوير تكنولوجيا الصواريخ داخل ألمانيا «النازية».

 

(فيرنر فون براون)

ولد  فون براون عام 1912، لعائلة أرستقراطية ألمانية. عُرف عنه شغفه بعالم الفضاء منذ نعومة أظافره، ويقال إن والدته قد اشترت له تلسكوبًا صغيرًا يشاهد من خلاله السماء؛ لولعه بالفلك. على الرغم من ذلك لم يكن فون براون يفهم الفيزياء أو الرياضيات، حتى إنه وجد صعوبة في إتقانهما خلال سنوات دراسته الأولى، لكن لم يكن ذلك سوى حافز له لمواصلة الدراسة ليل نهار، وذلك حتى التحق بمعهد برلين للتكنولوجيا. وفي ربيع عام 1930، انضم العالم الشاب إلى الجمعية الألمانية للسفر عبر الفضاء.

بين الطعام والمواد الإباحية.. 6 من أغرب الأشياء التي أرسلها الإنسان إلى الفضاء

عندما أوصلت الفئران البشر إلى الفضاء

يروي أصدقاء فون براون عن تعلقه الشديد بالفضاء منذ أن كان طالبًا، وفي خطاب نُشر بعد عقود من الزمن كتب الصديق قسطنطين دي جي عن العالم الألماني عندما كان في الثامنة عشر من عمره عام 1931، يقول إنه يضجر أصدقاءه بأحلامه عن السفر إلى الفضاء في اجتماعات الطعام. إذ كان يحلم بأن يسلب عقل جنرالات الحربِ حينها بأحلام السفر خارج الكوكب. يقول قسطنطين إن الأحاديث الطويلة مع براون جعلت عقله يتهاوى، هل بإمكان الإنسان حقًّا أن يصمد داخل كابينة معدنية يدفعها اللهب نحو «الفضاء» الهائل؟ 

وجهٌ آخر مظلم.. أغرب تجارب العلماء النازيين على البشر

كان هذا ما حفز الصديق لإدراك الترابط ما بين الطب والتكنولوجيا، بل شجعه ذلك على دراسة الطب في مانهاتن، وإجراء الأبحاث الطبية المتعلقة بالتأثيرات المحتملة لرحلات الفضاء في صحة الإنسان. ومن هنا عمل الصديقان معًا لتحقيق هذا الحلم، يقول قسطنطين: «أخبرتُ براون إن كان يود السفرإلى الفضاء حقًّا، فمن الأفضل تجربة ذلك على الفئران أولًا». وقد كان ذلك يمثل بداية جديدة لتجارب براون على الفئران.

(حلم فيرنر فون براون)

قبل أن يتجه براون إلى صناعة الصواريخ وتكنولوجيا الفضاء، عمل العالم النازي على التأثيرات الخاصة لرحلات الفضاء في أجساد البشر، وذلك من خلال تعريض بعض فئران التجارب لظروفٍ مماثلة لتلك التي قد يخضع لها الإنسان داخل مركبة فضائية. بعد التجربة وضع براون وقسطنطين الفئران على الطاولة، لكنها لم تتحرك. وقد أشارت نتائج التشريح الخاص لأجسادهم معاناتهم مع نزيف داخلي، إضافةً إلى أن القلب والرئتين وكل الأعضاء داخل تجويف الصدر لم تكن في أماكنها؛ إذ مزقت أنسجتها بدرجاتٍ متفاوتة.

لم تكن تلك التجارب موثقة في ذلك الوقت؛ إذ عمل عليها الصديقان بتكتم، وقد نشرت نتائجها بعد ذلك بعقود في مجلة نيويورك للطب، وعلى الرغم من قسوة هذه التجارب، فإنها أعطت المجتمع العلمي بعض الأدلة عن التأثيرات المحتملة في أجساد الكائنات الحية خلال رحلات الفضاء.

الطريق إلى القمر يبدأ من «ألمانيا النازية»

عندما يذكر اسم فون براون، يقترن دائمًا بسباق الفضاء، وفترة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي؛ إذ ساهمت أبحاثه واختراعاته في ترجيح كفة الولايات المتحدة داخل الصراع، بعدما تمكنت من وضع قدمها أولًا على سطح القمر، وذلك بعدما أصبح واحدًا من كبار مهندسيها، إلا أن براون قبل أن يبني الصواريخ لأمريكا، كان يبنيها لهتلر، وقد أطلقت ألمانيا النازية أكثر من 3 آلاف صاروخ من تصميمه ضد بريطانيا ودول أخرى، إبان الحرب العالمية الثانية، مما أسفر عن مقتل أكثر من 5 آلاف شخص، إضافةً إلى موت أكثر من 20 ألف سجين داخل معسكرات الاعتقال، في أثناء تعبئتهم للأسلحة التي صممها بنفسه.

«صواريخ V2 قد عملت بشكلٍ مثالي، إلا أنها سقطت على الكوكب الخطأ». *فيرنر فون براون

كانت تلك الصواريخ كلها من طراز «V2»، يجري إطلاقها من وحدات متنقلة بارتفاع 14 مترًا وتحمل داخلها ما يوازي طنًّا من المتفجرات. وذلك لتقود الهجوم الأول على لندن من ألمانيا النازية عام 1944. في ذلك الوقت كانت تلك الصواريخ نوعًا جديدًا من الأسلحة لم يتعرف إليه العالم بعد، يختلف في هيئته عن الطائرات المرئية؛ إذ كان يطير ويسقط ويتحطم وينفجر في المدن المستهدفة دون سابق إنذار، ويستغرق الأمر كله خمس دقائق منذ لحظة الإطلاق وحتى السقوط. كانت تلك الصواريخ هي محاولة ألمانيا الأخيرة لعكس مسار الحربِ إلى صالحها، وكان مصممها هو العالم النازي فيرنر فون براون.

(تأثير صواريخ V2 في الحرب العالمية الثانية)

إبان الحرب أُطلق أكثر من 1300 صاروخ «V2» على إنجلترا وحدها، في حين استهدفت مئات الصواريخ الأخرى فرنسا وبلجيكا. لكن لم يكن ضحايا الحرب من جراء سقوط الصواريخ هم الأكثر عددًا، بل كان سقوط آلاف السجناء في أثناء بنائهم للصواريخ التي صممها فون براون هو الأكثر رعبًا؛ إذ استخدم النازيون السجناء للعملِ بالسخرة من أجل تصنيعها.

كان هذا جزءًا من التاريخ الأسود للعالم النازي الذي أوصل البشرية للهبوط على القمر، لكن كان الجزء الخاص بصواريخ «V2» هو الأكثر إثارةً للاهتمام؛ إذ كان يقبع في قلب «V2» محرك قوي قادر على دفع الصاروخ أكثر من 80 كيلومترًا فوق الأرض في مسار حوالي 190 كيلومترًا، وذلك بفضل الإيثانول السائل والأكسجين، مما أتاح للصاروخ أن يصبح أكثر تطورًا من أي شيء صممه الإنسان من قبل، وأول صاروخ فضائي يخترق الغلاف الجوي بصورة فعالة.

يقول فون براون إن صواريخه تعمل بصورةٍ مثالية، إلا أنها إبان الحرب العالمية الثانية، قد سقطت على الكوكب الخطأ، في إشارة إلى أن الصواريخ التي صممها من طراز «V2»، والتي قتلت في ليالي الحرب آلاف الأبرياء، كانت هي نفسها النواة التي استخدم براون آلياتها ليهبط بالإنسان على سطح القمر في أول رحلة فضائية مأهولة، تحمل رائد فضاء وتعيده سالمًا إلى كوكب الأرض. وأن معسكرات الاعتقال في وسط ألمانيا، تلك التي استعبدت السجناء في ظروفٍ مروعة من قلة النوم والطعام لمهاراتهم الفنية في اللحام، حتى قضى الكثيرون نحبهم، قد قادت أمريكا في النهاية لاستكشاف الفضاء الخارجي.

النازيون المؤسسون للولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية

· هتلرأبحاث الفضاءألمانيا النازيةإرسال مركبات فضائية إلى القمراستكشاف الفضاءالسفر إلي الفضاءالصواريخ الباليستيةالهبوط على القمرالولايات المتحدة الأمريكية

المصادر