خلال الشهر الجاري، تم التصويت بأغلبية من قبل مجلس طلبة الدكتوراة في جامعة ولاية نيويورك الأمريكية، على قرار مقاطعة المؤسسات «الأكاديمية» الإسرائيلية؛ لاستمرارها في انتهاك حقوق الفلسطينيين.

حاز القرار حينها على موافقة 42 صوتًا، مقابل 19 صوتًا، وامتناع 9، ما أثار جدلًا داخل الأوساط الإسرائيلية، التي اعتبرت أن الجامعات الغربية، الأمريكية والبريطانية منها تحديدًا، أضحت معاقل لمعاداة إسرائيل؛ خاصة وأنه سبق لجامعات بريطانية حذو الأمريكية بمقاطعة الأكاديميين الإسرائيليين؛ بسبب السياسات ضد الفلسطينيين.

وخلال السنوات القليلة الماضية، أُقرت العديد من القرارات المُشابهة، عبر حملةٍ بدأتها حركة «بي دي إس»، التي تنظر إليها السلطات الإسرائيلية، على أنها المحرك الأساسي لأية حملة ضد مؤسساتها الأكاديمية.

بداية المقاطعة الأكاديمية للمؤسسات الإسرائيلية

تبلورت فكرة المقاطعة، من خلال حركة عالمية تُسمى «بي دي إس«، وذلك عبر حملات كشف للانتهاكات الإسرائيلية؛ تسعى إلى الدفع نحو مُقاطعة إسرائيل في مجالات مُختلفة.

الحركة التي تأسست في التاسع من يوليو (تموز) 2005، تخطت المقاطعة الأكاديمية للمؤسسات الإسرائيلية، لتشمل مجالات مختلفة، منها اقتصادية، وأخرى فنية، ما دفع الأوساط الإسرائيلية إلى وصفها بـ«الخطرالاستراتيجي».

و تنطلق الحركة من ثلاثة أهداف رئيسة، هي مقاطعة منتجات شركات إسرائيلية ودولية داعمة لها، تحقق أرباحها على حساب حقوق الفلسطينيين الأساسية، بالإضافة إلى الأنشطة الرياضية والأكاديمية والفنية بإسرائيل.

مقاطعة إسرائيل

إحدى أنشطة حركة المقاطعة (BDS)

 

الهدف الثاني للحركة، سحب التمويل من الشركات الإسرائيلية، والشركات الدولية الداعمة لها، عبر بيع أسهمها، والامتناع عن الاستثمار فيها. بينما الأخير هو فرض العقوبات على إسرائيل؛ لانتهاكها حقوق الفلسطينيين، سواءً كانوا لاجئين، أم في الضفة الغربية المحتلة، أم في قطاع غزة المحاصر، أم فلسطيني أراضي 1948.

لكن الأرجح أن الحصار الأكاديمي لإسرائيل في الغرب، يعود إلى عام 2002؛ عندما بادر أكاديميان بريطانيان، هما: «ستيفن وهيلاري رور«، في أوج الاجتياحات الإسرائيلية للأراضي الفلسطينية، إلى نشر رسالة مفتوحة نشرتها صحيفة الجارديان البريطانية.

تضمنت الرسالة وقتها 123 توقيعًا لأكاديميين بريطانيين، ودعوة مؤسسات الثقافة والأبحاث الأوروبية والقومية التي يمولها الاتحاد الأوروبي، إلى فرض عقوبات على إسرائيل ما لم تلتزم بقرارات الأمم المتحدة.

لكن الأمر الذي أثار غضب الساسة في إسرائيل، هو تحول الرسالة إلى عريضة تحمل ألف توقيع من بلدان متعددة، من بينهم 10 أكاديميين إسرائيليين، فضلًا عن أنها فتحت الباب على مصراعيه أمام حركات دولية مماثلة تدعو إلى ذلك.

وكانت أبرز المقاطعات الأكاديمية في أبريل (نيسان) 2005؛ حيث صوتت رابطة الأساتذة الجامعيين(AUT)على مقاطعة جامعتين إسرائيليتين، الأولى: «حيفا»؛ لتعديها على كادرها الأكاديمي، وكذا الطلاب الذين يقومون بالأبحاث ويناقشون تاريخ إنشاء إسرائيل.

فيما الثانية هي جامعة «بار إيلان»؛ كونها تشارك بشكل مباشر في احتلال الأراضيرالفلسطينية خلافاً لقرارات الأمم المتحدة، ما دفع جماعات يهودية، وغير يهودية داخل إسرائيل إلى رفض القرار، وتكذيب كل ما جاء فيه.

تزامنت هذه المقاطعة مع تزايد أعمال العنف الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، ما دفع اتحاد أساتذة الجامعات البريطاني إلى اتخاذ قرار بوقف برامج التعاون مع الجامعات الإسرائيلية؛ وقد كان للخطوة صدى في بريطانيا، في حين لم تكن هناك آذانٌ صاغية في المجتمعات العربية.

وفي عام 2009، قررت الحكومة الإسبانية منع جامعة «أرئيل» الإسرائيلية من المشاركة في المرحلة النهائية للمسابقة الدولية بين كليات الهندسة المعمارية؛ لوجود الجامعة في مستوطنة أرئيل؛ المقامة على أراضي الضفة الغربية المحتلة.

أبرز قرارات المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل

كما أشرنا مسبقًا إلى أبرزها، وآخرها ما كان من قبل طلبة الدكتوراة في ولاية نيويورك الأمريكية، إلا أنه في العاشر من يناير (كانون الثاني)، بحثت «جمعية اللغة الحديثة الأمريكية»، والتي تضم 26 ألف عضو من الباحثين في اللغة والأدب، أوجه اتخاذ قرار بمقاطعة المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية؛ بسبب تفاقم العنصرية ضد الفلسطينيين في مجالات عدة.

مقاطعة إسرائيل

مظاهرة لطلبة غربيين للمطالبة بمقاطعة إسرائيل أكاديميا

 

وسبق ذلك بأيام قرار تعليق التعاون الأكاديمي الذي صدق عليه نحو 66% من أعضاء «جمعية الدراسات الأمريكية»، وهي الخطوة الأولى التي تتخذها، إلى جانب قرار جمعية علماء الأنثروبولوجيا «علم الإنسان» في أمريكا، أيضًا مقاطعة المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية؛ للهدف نفسه.

ووفقًا لصحيفة معاريف الإسرائيلية، فإن نقابة المعلمين في أيرلندا، اتخذت قبل ثلاث سنوات، قرارًا بمقاطعة إسرائيل أكاديميًا، وقطع العلاقات معها؛ بسبب سياسة التمييز العنصري؛ إذ صوت 14 ألف معلم بالإجماع على قطع علاقتهم بالمؤسسات الأكاديمية، ووقف كل أنواع الأبحاث العلمية معها.

بالنسبة لإسبانيا، فقد تأسست بها حركة لمقاطعة إسرائيل ثقافيًا وأكاديميًا عام 2007، استطاعت أن تنتشر في كل المقاطعات الإسبانية، ولها نشاطات في مجال التضامن والتوعية وتنشط بفاعلية عند أية محاولة إسرائيلية لتبييض صورتها في أي مجال كان، خاصة الثقافي والأكاديمي، حتى أصبح هُناك1400 أكاديمي إسباني يقاطعون إسرائيل.

وكانت المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل قد أثمرت نجاحات واضحة في كل من فرنسا وبلجيكا وهولندا والنرويج والسويد وبلدان أخرى، ما دفع رئيس لجنة رؤساء الجامعات الإسرائيلية البروفيسور «بيرتس لافي»، إلى التبرّم، المعطوف على الغضب؛ لأنّه يرى أنّ المقاطعة الأكاديمية تمثل مسًّا خطيرًا بالمورد الأهم، وهو «رأس المال الإنساني».

وأكد لافي لـ«الجزيرة نت»،أنّ الجامعات الإسرائيلية تواجه «هجمة شرسة من قبل أوساط معادية»، معتبرًا أن المقاطعة الأكاديمية تُمثّل «خطرًا على تفوّق إسرائيل الاستراتيجي وعلى مناعتها ومستقبلها».

الجامعات المقاطعة للمؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية

الاتحاد الوطني البريطاني للطلبة

قرر الاتحاد، الذي يضم نحو سبعة ملايين عضو، سحب الاستثمارات من إسرائيل وفرض العقوبات عليها؛ بعد أن صوت المجلس التنفيذي على الاقتراح المقدم، وأقر، بأغلبية 19 صوتًا، مقابل 14 معارضًا، الانضمام لقائمة المقاطعين لإسرائيل.

وأكثر ما استفز إسرائيل خلال الأيام القليلة الماضية، هو انتخاب الناشطة الرديكالية «ماليا بوتيا»، رئيسة للاتحاد الوطني للطلبة البريطانيين، والمعروف عنها نشاطها ضد إسرائيل، ودعمها حركات المقاومة الفلسطينية.

جامعة «دي بول« الأمريكية

اختار طلاب أكبر جامعة كاثوليكية في الولايات المتحدة، مقاطعة إسرائيل والشركات الأمريكية التي تتعامل معها؛ وذلك في تصويت حضره القنصل الإسرائيلي العام «رويجلعاد«، حيث خرج وهو يسمع صوت «زغاريد« الطالبات الفلسطينيات والعربيات، التي أطلقت للتعبير عن الفرح بهذا النصر الأكاديمي.

وصوت طلاب الجامعة لصالح المقاطعة بنسبة ٥٤% مقابل ٤٦% ضده، وفرض القرار على الجامعة وقف التعامل، وتصفية أي استثمارات في الشركات التي تقوم بتصنيع الأسلحة، أو توفير تكنولوجيا المراقبة للحكومة والجيش وإدارة السجون.

جامعة «نورث ويسترن»

تعد من الجامعات الأولى على مستوى الولايات المتحدة، بقائمة المعاهد الأكاديمية الأمريكية، التي تقاطع إسرائيل منذ العام الماضي، بل لم تكتف بمقاطعة إسرائيل فقط، وإنما شمل قرار المقاطعة ست شركات أمريكية تتعامل مع إسرائيل.

وجهة نظر صناع القرار الإسرائيلي بالمقاطعة الأكاديمية لمؤسساتهم

يجمع العديد من المتابعين لحملات الطلبة في الجامعات الغربية، أن مقاطعة إسرائيل أكاديميًا، والشعور بالعزلة الأكاديمية على مستوى العالم، بات يقض مضاجع السلطات الإسرائيلية، خاصة وأنها تنظر إلى ما يجري بأنه معاداة للسامية.

وخلال الفترة الأخيرة، زاد الانزعاج الإسرائيلي من هذه الحملات. وكانت وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة، وعضوة «الكنيست» الحالية المعارضة «تسيبي ليفني«، كانت قد شاركت في اجتماع شهدته كلية القانون في جامعة «هارفارد» الأميركية، الأسبوع الماضي، وتخلله توجيه طالب أسئلة إليها وصفها الموقع بأنها «معادية للسامية».

الوزيرة السابقة، التي تحدثت أمام 150 طالبًا وشخصية عامة، ثم تلقت أسئلة منهم، هاجمها أحد الطلاب، ووجه إليها سؤالًا لاذعًا، وهو «كيف يُمكن أن تكوني كريهة الرائحة إلى هذا الحد؟»، الأمر الذي دفعها إلى اعتبار ما أسمته «ظاهرة معاداة السامية»، وحركة مقاطعة إسرائيل «بي دي إس»، آخذة في التنامي والانتشار في المؤسسات الجامعية الغربية.

هذا ودفع تحذير صناع القرار الإسرائيلي، من تبعات المقاطعة الأكاديمية على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، رؤساء الجامعات الإسرائيلية، العام الماضي، إلى المشاركة في اجتماع للجنة التربية والتعليم البرلمانية؛ للتحذير مما هو آت من جامعات الغرب.

حتى إن البعض منهم خرج بمقترح لعودة التعاون الأكاديمي بين المؤسسات الإسرائيلية والغربية، عبر تصرف إسرائيل بحكمة، وتأمين الحق بالحركة للباحثين الفلسطينيين، والتنبه إلى أن العالم ينظر بسلبية لمؤسسات جامعية داخل المستوطنات.

بالإضافة إلى إحضار باحثين وطلاب من العالم؛ لزيارةإسرائيل، وتطوير التعاون الأكاديمي مع المؤسسات الإسرائيلية، وإرسال طلاب إسرائيليين للدراسة في جامعات العالم على نفقة الحكومة؛ ليكونوا سفراء وناشطين ضد المقاطعة الأكاديمية.

الخشية الإسرائيلية من استمرار حملات المقاطعة تتعاظم، رغم أن الأوساط الإسرائيلية نجحت بفعل نفوذها وسطوتها في البلاد الأوروبية في تجميد التوجهات الجديدة للمؤسسات الأكاديمية الغربية التي برزت قبل عقد من الزمن.

إلا أن ذلك لم يمنع من قلق المؤسسات الأكاديمية داخل إسرائيل من تأثرها بحملات المقاطعة، خاصة وأن جمعية الدراسات الأمريكية، التي تضم أكثر من خمسة آلاف أستاذ وباحث، لديها ثقل بحثي وعلمي بين الجامعات والمعاهد الأميركية، فكان قرار المقاطعة من خلالها أمرًا مزعجًا، بالنسبة لإسرائيل.

إلى جانب إمكانية إثارة جدل قد لا تُحمد عقباه داخل الأوساط الأكاديمية الغربية؛ بشأن إعادة النظر في برامج التمويل الأكاديمي والبحثي لإسـرائـيل، بعد أن ساهم الغرب في تطويره، حيث إن40% من موازنات البحث العلمي تأتي من مصادر خارجية، على رأسها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

يمكن الإشارة هنا إلى «إيبا لويز فيرغلاند«؛ والتي أضحت في السنوات القليلة الماضية أيقونة المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل في النرويج تحديدًا، إلى أن الحملات تشتد في الآونة الأخيرة، إذ إن جامعات في أوروبا والولايات المتحدة قد تعمل على قطع أشكال التعاون مع مؤسسات في إسرائيل.

عرض التعليقات
تحميل المزيد