دائمًا ما يظهر نمط الحياة الغربي في الإعلام بشكل براق وممتع بالنسبة لكثيرين، حيث يتضمن علاقات جنسية منذ المراهقة بكل الأشكال دون قيود، وأنواعًا كثيرة من الكحوليات، وإنجاب النساء دون رجال من خلال بنك حيوانات منوية، وغيرها من الظواهر التي قد تُخيل للبعض أن هذا النمط هو «جنة الأرض» التي تضمن لك سعادة ومتعة دون آلام، ولكن ذلك النمط يسبب مشاكل اجتماعية وصحية كبيرة قد لا تتخيل وجودها في دول غنية ومتقدمة لا تعاني من الفقر ولا الجهل ولا الاستبداد. 

في هذا التقرير نتناول بعض العواقب السلبية لنمط الحياة الغربي الذي كثيرًا ما يدمر حياة الكثيرين، والنساء بالأخص.

من جلد «الزناة» وإعدامهم إلى الثورة الجنسية.. تاريخ الجنس في الغرب

110 مليون إصابة.. الأمراض الجنسية في ازدياد

إن كنت تظن أن الأمراض الجنسية باتت جزءًا من الماضي أو لم تعد منتشرة إلا في الدول الأكثر فقرًا فقط ولا يمكن انتشارها في دولة غنية ومتقدمة كالولايات المتحدة، فظنك ليس في محله، فالواقع مختلف تمامًا عن ذلك. 

فقد رصد تقرير «مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها» بعام 2016 وجود 1.1 مليون إصابة (حوالي 15% ليسوا على علم بأنهم مصابون) بفيروس نقص المناعة البشرية، وأكثر من 700 ألف حالة وفاة؛ بسبب الإيدز في الولايات المتحدة، وأعلن المركز عام 2017 عن تشخيص 38.739 شخصًا في الولايات المتحدة بالإيدز 66٪ منهم من الرجال المثليين وثنائيي الجنس.

وبلغت نسبة الأمراض المنقولة بالاتصال الجنسي عام 2008 بالولايات المتحدة  110 مليون إصابة؛ ورُصد بالولايات المتحدة 79 مليون أمريكي مصاب بـالورم الحليمي البشري، و24 مليون مصاب بـالهربس التناسلي، بالإضافة إلى 3.7 مليون لديهم داء المشعرات، و1.5 مليون مصاب بـالكلاميديا، و800 ألف مصاب بـمرض السيلان، و420 ألف مصاب بفيروس التهاب الكبد الفيروسي، و117 ألفًا يعانون من مرض الزهري، و50% من الإصابات الجديدة كانت في الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 24 سنة. 

قد يتوقع الكثيرون أن الأمر يسهل السيطرة عليه في الدول المتقدمة، لكن الأمراض الجنسية بأمريكا في ازدياد وليس في تناقص، ويظهر ذلك بمقارنة بيانات «مركز السيطرة على الأمراض» المتعلقة بالتشخيصات الجديدة للأمراض الجنسية في عام 2013 وعام 2017، إذ زادت نسبة تشخيص مرض السيلان بنسبة 67% (من 333.004 إلى 555.608 حالة، وارتفعت تشخيصات مرض الزهري بنسبة 76% (من 17.375 إلى 30.644 حالة)، ويشكل مثلي الجنس ومزدوجي الميل الجنسي 70% من هذه الحالات، وظل مرض الكلاميديا​​ الأكثر انتشارًا بأكثر من 1.7 مليون حالة جديدة في عام 2017، وتصل الآثار الصحية لأمراض الكلاميديا ​​والسيلان والزهري إلى العقم، والحمل خارج الرحم، وزيادة خطر الإصابة بالإيدز.

«مأساة» الأمهات المراهقات

قد يظهر للبعض أن حرية ممارسة الجنس للمراهقين شيء ممتع جالب للسعادة دون النظر لسلبياته المدمرة التي قد تحول حياة الفتيات على الأخص إلى جحيم، بعد أن تصبح الفتاة المراهقة أمًّا لطفل.

وهذا الأمر ليس مجرد حوادث نادرة الحدوث، فأكثر من 40% من الفتيات المراهقات في الولايات المتحدة يحملن بطفل قبل سن 20، و80% من هذه الحالات غير مخطط لها، وتحمل حوالي ألف 750 ألف مراهقة كل عام، معظمهن تتراوح أعمارهن بين 17 و19 عامًا، إذ إن 11% من إجمالي الولادات في الولايات المتحدة لأمهات مراهقات، وتعد الأمومة السبب الرئيسي وراء تسرب الفتيات المراهقات من المدرسة.

Embed from Getty Images

المراهقات الحوامل أقل عرضة للالتحاق بالجامعة وبشكل أكثر تحديدًا فـ40% فقط من الأمهات المراهقات يكملن الدراسة الثانوية، وأقل من 2% ينهين دراستهن الجامعية قبل بلوغهن الثلاثين من العمر. ويتسبب حمل المراهقات وإنجابهن في تكاليف اجتماعية وصحية واقتصادية كبيرة ليس على الأمهات المراهقات فقط ولكن على أطفالهن أيضًا. 

ويشير «مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها» إلى أرجحية أن يحصل أطفال الأمهات المراهقات على مستوى منخفض في التحصيل الدراسي ويتسربوا من المدرسة الثانوية، بالإضافة إلى المعاناة من مشاكل صحية أكثر، والسجن في وقت ما أثناء فترة المراهقة، والإنجاب في سن المراهقة، ومواجهة البطالة في سن المراهقة.

«حملتُ في عمر السادسة عشر، ولم أمتلك مؤهلات وظيفية سوى جمالي لتوفير المال الكافي لتربية ابني، لذلك عملت في عرض الأزياء والرّقص، وبعد ذلك أصبحت ممثلة بورنو» * كريستال باست ممثلة بورنو تائبة

ونظرًا لعدم جدية العلاقات في سن المراهقة تصبح معظم الأمهات المراهقات، أمهات عازبات؛ وتشير الإحصاءات إلى أن ثمانية من كل 10 من الآباء المراهقين لا يتزوجون من والدة طفلهم، وفي كثير من الأحيان، لا تستمر العلاقة حتى عيد ميلاد الطفل الأول، ويصبح أكثر من 80% من المراهقات في النهاية أمهات عازبات، وهي ليست مشكلة بسيطة. 

جحيم «الأم العزباء»

قد تتحول النساء لأمهات عازبات في جميع الدول والثقافات جراء وفاة الزوج أو الطلاق، ولكن فرصة حدوث ذلك تكون أكبر في المجتمعات التي تعيش على نمط الحياة الغربي، بعد انتشار العلاقات الجنسية القصيرة والعابرة، والتلقيح من متبرع (أي إنجاب المرأة بدون رجل عن طريق بنك حيوانات منوية)، مما يحول حياة هؤلاء النساء ويضع عليهن ضغوطًا كبيرة تؤثر عليهن وعلى أبنائهن أيضًا.

ويظهر في الولايات المتحدة ارتفاع عدد الأمهات العازبات بوضوح. إذ بلغ عددهن 3 ملايين في عام 1970، وأصبح هناك 10 ملايين أم عازبة بحلول عام 2006، وتمثل الأسر ذات العائل الواحد 18% من جميع الأسر الأمريكية، وتعيش ما يقرب من نصف هذه الأسر تحت خط الفقر، ويقيم 24% من 75 مليون طفل دون سن 18 مع أم عزباء.

وقد ارتفعت نسبة مواليد النساء غير المتزوجات إلى 41% في عام 2010 من 5% في عام 1960 وفقًا لبيانات «المركز الوطني للإحصاءات الصحية الأمريكي» وفي المملكة المتحدة، يـعيش واحد من كل أربعة أطفال تقريبًا في أسر وحيدة الوالد. وكشفت الإحصائيات عام 2016، وجود 2.9 مليون والد أعزب (86% منهم من النساء)، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 18.6% في الأبوة الفردية منذ عام 1996.

وعادة ما يترتب على هذه الأبوة صعوبات مالية وتدهور في الصحة الجسدية والعقلية، إذ توصلت دراسة أجريت في 27 دولة أوروبية إلى أن الآباء العزاب (مقارنة بالوالدين المتعايشين والآباء المتزوجين) يعانون من حالة صحية سيئة. 

وأظهر بحث براون ومورغان عام 1997 في كلية رويال هولواي، جامعة لندن، الذي تناول الحالة الاجتماعية والفقر والاكتئاب لدى الآباء على مدى عامين ووجدوا أن الأمهات العازبات يعانون من المصاعب المالية ضعف نظرائهم المتزوجين، مع أن احتمال عملهن بدوام كامل ضعف نظرائهم المتزوجين، وتبين الدراسة أن الآباء العزاب يعانون من مستويات أعلى فيما يتعلق بالتوتر المزمن، والشعور بالوحدة والاكتئاب. وفي ألمانيا أظهرت أيضًا دراسة عن الحالة الاجتماعية والاقتصادية للأمهات العازبات وأطفالهن، أن مستويات الشقاء والمعاناة مرتفعة لدى الأمهات العازبات الألمان مقارنة بالأمهات المتزوجات.

«لقد عانيت من البكاء المستمر ليلًا، حيث لا أعرف حرفيًا كيف سأقضي الأيام التالية دون أي طعام أو مال. شعرت بالاكتئاب الشديد إزاء هذا الوضع الذي لا يمكنني رؤية مخرج منه تقريبًا» * ساندرا، أم تبلغ من العمر 23 عامًا لطفل صغير

وتتعرض نحو 32% من الأسر التي يعيلها آباء عزاب لخطر الفقر في الاتحاد الأوروبي وفقًا لبيانات الدراسة الاستقصائية التي أجراها «مكتب الإحصاء المركزي بالاتحاد الأوروبي» بشأن الدخل وظروف المعيشة لعام 2014.

Embed from Getty Images

كما أشارت دراسة أمريكية في جامعة ولاية أوهايو، درس فيها الباحثون ما يقرب من 4 آلاف أم على مدى 30 عامًا (1979-2008) أن النساء اللائي أنجبن أطفالًا وهن عازبات أقل صحة عند بلوغهن الأربعين من العمر، مقارنةً بالنساء اللائي ربي أطفالهن مع والد الأطفال. 

والمعاناة لا تصيب الأمهات العازبات فقط، بل عادة ما ينال أبناؤهن نصيبًا من هذا الشقاء، فالأطفال الذين يكبرون مع أحد والديهم البيولوجيين (الأم تقريبًا دائمًا) من المحتمل أن يتسربوا من المدرسة الثانوية بمقدار الضعف، ويزيد احتمال أن تصبح الفتيات أمهات مراهقات مرتين ونصف، وتصل احتمالية تسربهم من المدرسة ومواجهة البطالة 1.4 مرة مقارنة بالأطفال الذين يعيشون مع كلا الوالدين.

ويعاني الأطفال في العائلات ذات الوالد الواحد أيضًا من متوسطات دراسية منخفضة، وتطلعات جامعية أقل، ونسبة غياب أكثر. وعند وصول هؤلاء الأطفال لسن البلوغ يصبح لديهم معدلات الطلاق أعلى من أقرانهم. 

يعاني سبعة من كل 10 أطفال يعيشون مع أم عزباء في الولايات المتحدة من الفقر أو الدخل المنخفض، مقارنة بأقل من ثلث الأطفال الذين يعيشون في أنواع أخرى من الأسر. ويعيش أكثر من 60% من الأطفال بالولايات المتحدة بعض حياتهم في أسرة وحيدة الوالد.

الموت الكامن في كؤوس الخمر

الكحوليات.. دائمًا ما تظهر في معظم مشاهد الاحتفال والسعادة في أفلام هوليود، ويكاد لا يخلو أي احتفال منها، مما يصورها على أنها ركن من أركان السعادة، لكن توجد جوانب أخرى مظلمة للكحوليات تظهر مدى الشقاء التي قد تسببه بحياة الناس.

فيوجد 88 ألف شخص في الولايات المتحدة يموتون سنويًّا لأسباب مرتبطة بالكحول، وفي عام 2014، بلغت عدد الوفيات الناجمة عن القيادة تحت تأثير الكحوليات 9.967 حالة وفاة (31% من إجمالي وفيات القيادة)، وبلغ عدد مدمني الكحول 15.1 مليون شخص من البالغين عام 2015،

ووفقًا لـ«المسح الوطني الأمريكي» حول تعاطي المخدرات والصحة عام 2015، يموت 1825 من طلاب الجامعات الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عامًا بسبب إصابات غير مقصودة متعلقة بالكحول، ويتعرض 696 ألف طالب في نفس الفئة العمرية للاعتداء من طالب آخر مخمور، ويعاني 97 ألف طالب من الاعتداءات الجنسية أو الاغتضاب بسبب الكحول، وتصل نسبة إدمان الكحوليات بين طلبة الجامعات إلى 20%.

Embed from Getty Images

ولا تتوقف أضرار الكحول على الأضرار الصحية فقط، فقد كلف إساءة استخدام الكحول الولايات المتحدة 249.0 مليار دولار في عام 2010. ولا يختلف الأمر كثيرًا في أوروبا عن الولايات المتحدة، في فرنسا، يقتل الكحول عشرات الآلاف من الأشخاص كل عام.

ففي عام 2017، توفى 41 ألف شخص لأسباب تتعلق بالكحول، و في نفس لعام، كان هناك 7.697 حالة وفاة بسبب الكحول في المملكة المتحدة، وفي فنلندا كشفت دراسة بشأن جميع حالات العنف المميت خلال الأعوام 2003-2006، أن أكثر من 82% من الجناة بجرائم قتل كانوا مخمورين. 

وفي عام 2012، أعلنت «منظمة الصحة العالمية» عن وفاة 3.3 مليون شخص بسبب الكحوليات، وحذرت من الأضرار الصحية للخمور، إذ يعرض البشر لخطر الإصابة بأكثر من 200 مرض. ولا تتوقف أضرار الكحوليات الصحية على الإفراط في تناولها فقط، بل لها أخطار صحية عند تناولها بأي كمية، مثل زيادة احتمالية سرطان الفم وتشمّع الكبد.

الوحدة تنتشر.. والأسرة تندثر

تغير اتجاهات نمط الحياة الغربي والمواقف تجاه الزواج والعلاقات لم يؤثر فقط على حجم الأسر، ولكن طبيعة المعيشة أيضًا. على سبيل المثال، ارتفع متوسط ​​سن الزواج الأول في الولايات المتحدة بين عامي 1960 و2014 إلى 29.3 عامًا للرجال و27 عامًا للنساء من 22.8 عامًا و20.3 عامًا على التوالي، وارتفعت معدلات الانفصال في الاتحاد الأوروبي بأكثر من الضعف بين عامي 1965 و2013. في حين انخفضت معدلات الزواج إلى النصف خلال نفس الفترة، وشهدت أوروبا وأمريكا ارتفاعًا حادًا في مستويات المعيشة المنفردة وانخفاض في عدد المعيشة الأسرية التقليدية (أب وأم وأطفال).

معدلات المعيشة المنفردة بين عامي 1965 و2015

وتتصدر بعض الدول الأوروبية أعلى معدلات المعيشة المنفردة في العالم، حيث بلغت النسبة 40% أو أكثر في الدنمارك وفنلندا وألمانيا والنرويج. وتشمل الدول الأوروبية الأخرى التي ترتفع فيها معدلات المعيشة المنفردة السويد 38% والنمسا 37% وسويسرا 37% هولندا 36% وفرنسا 35% وإيطاليا 33%. 

وسجلت بلدان خارج أوروبا أيضًا مستويات مرتفعة من المعيشة الفردية، مثل اليابان 32% والولايات المتحدة 28% وكندا 28% وكوريا الجنوبية 27%.

وللمعيشة المنفردة العديد من الآثار السلبية على صحة الإنسان، فقد أشارت إحدى الدراسات إلى أن الأشخاص في سن العمل الذين يعيشون بمفردهم يكونون عرضة لخطر الاكتئاب بنسبة تصل إلى 80% مقارنة مع الأشخاص الذين يعيشون في أسر، وأفادت دراسات أخرى بأن العزلة الاجتماعية ترتبط بارتفاع معدل الوفيات لدى كبار السن، والشعور بالوحدة هو القاتل الخفي لهم، ولا تتوقف أضرار المعيشة الفردية على ذلك فقط، فقد ظهرت ظواهر جديدة ومخيفة مرتبطة بالمعيشة الفردية.

معدلات المعيشة المنفردة باللون الأحمر وتظهر معدلات معيشة الأزواج مع الأطفال باللون الأزرق

«كودوكوشي» و«هيكيكوموري» مصطلحان يابانيان مرتبطان بظاهرة المعيشة المنفردة، ويشير الأول لظاهرة الموت الانفرادي الذي قد يمر عدة أشهر قبل اكتشافه، والمصطلح الثاني يشير لظاهرة الانسحاب الاجتماعي (أو العزلة الاجتماعية) الذي يجعل الفرد لا يغادر منزله لمدة ستة أشهر على الأقل (613 ألف شخص تتراوح أعمارهم بين 40 و64 عامًا يندرجون ضمن فئة الأشخاص المنعزلون في منازلهم دون عمل)، وهذه الظواهر ليست في اليابان فقط، بل أصبحت في ازدياد مع صعود ظاهرة المعيشة المنفردة وانخفاض عدد الأسر في الكثير من دول العالم.

«فورين بوليسي»: الأنظمة العربية «القمعية» أكثر مروجي «الاسلاموفوبيا» في الغرب

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد