قضية الصحراء “المغربية” كما يردد المغاربة، و”الغربية” كما تقول جبهة البوليساريو المطالبة باستقلالها عن المغرب، والتي تدعمها في موقفها الجزائر، تدخل يوم الجمعة (18 أبريل/نيسان) منعطفا حاسما، عندما سيتدارس مجلس الأمن الدولي التقرير الذي تقدم به الأمين العام الأممي، بان كي مون، نهاية الأسبوع، والذي أثار حفيظة المغرب، في حين استقبلته كل من البوليساريو والجزائر بـ”ارتياح” كبير؛ لأنه لأول مرة تصف فيه الأمم المتحدة ملف الصحراء بـ”تصفية استعمار”، إضافة إلى أن التقرير يوصي بتوسيع صلاحيات بعثة الأمم المتحدة في الصحراء (مينورسو) لتشمل مراقبة حقوق الإنسان، وهو ما يرفضه المغرب.

منعطف تاريخي

منعطف تاريخي يدخله ملف الصحراء هذا على الأقل ما يردد الساسة والإعلام و”النخبة” هذه الأيام في العاصمة المغربية الرباط، وذلك لعدة أسباب أبرزها أنه لأول مرة يصف فيها أمين عام للأمم المتحدة الملف بأنه يتعلق بـ”تصفية استعمار”، وهو الوصف الذي يرفضه المغرب لكن هو ما تُردد في جبهة البوليساريو ومعها الجزائر الداعمة لها، في مسعى لانفصال الإقليم عن المغرب الذي يتهمه دعاة “الانفصال” بأنه فضل سياسة فرض الأمر الواقع بهذا الإقليم منذ نوفمبر سنة 1975 عندما نظم “المسيرة الخضراء”، بحيث حج 350 ألف مواطن مغربي إلى تلك الأقاليم التي كانت إلى ذلك الحين مستعمرة إسبانية.

الملك محمد السادس مع بان كي مون

الملك محمد السادس مع بان كي مون

وبعد “المسيرة” مباشرة جاء توقيع اتفاق بين كل من المغرب والمستعمر الإسباني والحكومة الموريتانية قرر فيه الإسبان التخلي عن هذه المستعمرة نهائيا وسحبت نواكشوط أي طلبات لضم الإقليم إلى ترابها، ليواصل المغرب سيادته على الصحراء وليتم تأسيس “الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب” المعروفة اختصارا بـ”بوليساريو”، والتي ضمت في البداية شبابا صحراويا كانوا يتابعون دراستهم بالعاصمة الرباط، حيث تم التأسيس، لينتقلوا بعدها إلى مدينة تندوف جنوب الجزائر حيث بدأوا حربا استنزافية ضد القوات المسلحة المغربية إلى سنة 1991، عندما أُعلن عن وقف إطلاق النار والاتفاق على تنظيم استفتاء لسكان الصحراء يُخيرون فيه ما بين البقاء تحت السيادة المغربية أو الاستقلال وتأسيس دولة، وهو ما لم يحدث حتى الآن.

ويبدو أن موقف الأمين العام الأممي الأخير، والذي يأتي في سياق تعثر المفاوضات المباشرة وغير المباشرة التي انطلقت منذ سنة 2007 بين كل من المغرب والبوليساريو برعاية أممية، بعد فشل الطرفان في إجراء الاستفتاء الذي اتفق عليه عند وقف إطلاق النار، كان (الموقف) “صادما” بالنسبة للمغرب أكثر منه مفاجئا، بحيث أن اللغة التي حملها مشروع بان كي مون تميل إلى “الطرف الآخر” وتبتعد عن معايير الحيادية التي اتسمت بها خطابات ومقررات الأمم المتحدة منذ بروز المشكل، في أوج الحرب الباردة، في ستينيات القرن الماضي، وحتى قبل أن تظهر “البوليساريو” على الساحة في منتصف السبعينيات.

قلق مغربي

لعل ذلك ما جعل الملك المغربي محمد السادس يجري اتصالا هاتفيا مع أمين عام الأمم المتحدة، ليعبر فيه عن “القلق” المغربي وليبلغه أيضا بـ”ضرورة الاحتفاظ بمعايير التفاوض كما تم تحديدها من طرف مجلس الأمن، والحفاظ على الإطار والآليات الحالية لانخراط منظمة الأمم المتحدة، وتجنب المقاربات المنحازة، والخيارات المحفوفة بالمخاطر”.

البعض قرأ في الموقف المغربي “تلويحا” بقلب الطاولة على الأمم المتحدة، وفك الارتباط معها حول هذا الملف؛ لاسيما أن المغرب سبق أن “حذر” الأمم المتحدة من مغبة “الانحياز” إلى الطرف الآخر، بل وذهب إلى حد “سحب الثقة” من ممثل الأمين العام إلى الصحراء السفير كريستوفر روس، قبل نحو سنتين متهما إياه بالانحياز إلى أطروحة الخصوم، قبل يجري الأمين العام الأممي اتصالا هاتفيا بالملك، ويعود روس إلى مهامه من جديد، وسط شكوك بعض المتتبعين عما إذا كان سيلتزم بـ”الحياد” في الملف.

بان كي مون مع زعيم البوليساريو محمد عبد العزيز

بان كي مون مع زعيم البوليساريو محمد عبد العزيز

وبالرجوع قليلا إلى تاريخ القضية/المشكلة فإن هناك من ينظر إلى أن قضية الصحراء تختلف في جوهرها وأبعادها الإقليمية والدولية عن القضايا الأخرى المعروضة على اللجنة الرابعة التابعة للأمم المتحدة المكلفة بتصفية الاستعمار، والتي تتعلق في أغلبها بجزر لا زالت تخضع للاحتلال من طرف دول أجنبية، كما يرى ذلك الباحث في القانون العام، محمد حنين، الذي يؤكد في مقال له بهذا الشأن، أن المغرب هو الذي بادر أول مرة إلى طرح قضية إنهاء الاستعمار في الصحراء ومنطقة “سيدي إفني” (اللتين كانتا مستعمرتين إسبانيتين)، في وقت لم يكن فيه آنذاك ما يسمى بالبوليساريو. و لم يتم الشروع في دراستها من طرف اللجنة الرابعة إلا في سبتمبر/أيلول 1963، ولم تصدر مشروع توصيتها الأولى حولها إلا في أكتوبر 1964، وهو المشروع الذي اعتمدته الجمعية العامة سنة 1965 تحت رقم 2076. هذه التوصية طالبت إسبانيا باتخاذ التدابير الضرورية من أجل وضع حد لاستعمار الصحراء و”سيدي إفني”، والتفاوض في هذا الشأن مع المغرب وموريتانيا حول المشاكل التي يطرحها الإقليمان فيما يتعلق بالسيادة.

ارتياح جزائري

القلق المغربي من تقرير الأمين العام بان كي مون قوبل بـ”ارتياح” من طرف كل من الجزائر والبوليساريو؛ بحيث نُقل عن الناطق باسم وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية، عبد العزيز بن علي الشريف، أن الجزائر “تعرب عن ارتياحها لكون التقرير يذكر بأن قضية الصحراء الغربية مسألة تصفية استعمار، وأن هذا الإقليم مدرج على قائمة الأقاليم غير المستقلة للأمم المتحدة وذلك منذ 1963”.

نفس الارتياح عبرت عنه جبهة “البوليساريو” التي سارع “زعيمها”، محمد عبد العزيز، الذي بالمناسبة ما تزال أسرته وعلى رأسها والده الطاعن في السن يطالبانه من مسكنهما بمدينة “قلعة السراغنة” بالعودة إلى وطنه المغرب والتراجع عن أطروحة الانفصال الذي تبناها في سياق أجواء فرضتها الحرب الباردة، إلى توجيه رسالة إلى أمين العام الأممي، ردا على اتصال الملك محمد السادس الهاتفي، ذكر فيها بأن المغرب يمثل “الخطر الحقيقي على الاستقرار والأمن والسلام في المنطقة”، من خلال إصراره على النهج العدواني التوسعي تجاه جيرانهم كما قال، مؤكدا أنه “قد حان الوقت بما لا يحتمل أي تأجيل، لإيجاد آلية دائمة، مستقلة ومحايدة، قادرة على حماية حقوق الإنسان في الصحراء الغربية ومراقبتها والتقرير عنها”.

عناصر مسلحة تابعة للبوليساريو

عناصر مسلحة تابعة للبوليساريو

ويبدو أنه إذا كان المغرب يعتبر مسألة توسيع صلاحيات ومهام بعثة الأمم المتحدة إلى الصحراء (مينورسو)، لتشمل مراقبة حقوق الإنسان بالأقاليم الصحراوية الخاضعة للسيادة المغربية، هو “مسٌّ” بسيادته على هذه الأقاليم على اعتبار أنه يتوفر على آلية وطنية في هذا الصدد هي “المجلس الوطني لحقوق الإنسان” الذي يقوم بمهامه على مستوى المراقبة في كافة الأقاليم المغربية بما فيها أقاليم الصحراء، كما تقول الرباط، فإن البوليساريو ومعها الجزائر ترفضان هما أيضا أية مراقبة لحقوق الإنسان بمخيمات تندوف بالجنوب الجزائري حيث يوجد اللاجئون الصحراويون، بل ترفضان حتى إجراء إحصاء دقيق لهم، وهو ما فتئ المغرب يطالب به ويصف هؤلاء اللاجئين بأنهم “مغاربة صحراويون محتجزون” من قبل الجزائر والبوليساريو، وينتظرون فقط تدخل الأمم المتحدة للعودة إلى وطنهم المغرب.

أطماع؟

إذا كان الملف ما يزال يراوح مكانه منذ بداية تسعينيات القرن الماضي عندما قبل الأطراف بتدخل الأمم المتحدة لإيجاد حل له، وهو الملف الذي ظهر منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي في أوج الحرب الباردة، فإن المتتبع للشأن العربي يرى أن الصراع هو بين النظامين المغربي والجزائري بالأساس، وذلك من أجل “تزعّم” إقليمي مفترض، وليست البوليساريو إلا أداة يستعملها النظام الجزائري لأجل تحقيق أجندة حكام قصر المرادية بالجزائر الذين لا يريدون إطلالة على المحيط الأطلنتي وهو ما لن يتأتى إلا عبر “دويلة صحراوية” تكون تابعة له قبل أن يتم “التهامها” بعد ذلك تماما كما فعلت روسيا هذه الأيام مع شبه جزيرة القرم في أوكرانيا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد