جملة من العقوبات ذات الصبغة الاقتصادية يفرضها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية ضد روسيا بين الفينة والأخرى، بفعل التغيرات الأخيرة في المنطقة، لاسيما أزمة أوكرانيا، ومواقفها من الأحداث الجارية في العالم العربي.

هذه العقوبات شكلت في مجملها ضربة “مؤقتة” للاقتصاد الروسي، وانكماشه لفترة محدودة، لكن سرعان ما قابلته روسيا بعقد اتفاقات تلو الأخرى مع الصين، والتي تعد المنافس الأقوى لأمريكا ودولٍ في الاتحاد الأوروبي، مما شكل صفعة كبيرة لهم.

وتخشى أوروبا من تكرار جولات حرب الغاز بعدما عانت مرتين في السابق، ولاسيما أن ستة بلدان أوروبية تستورد كامل حاجتها من الغاز من روسيا، وفي العام الماضي بلغت حصة شركة غاز بروم الروسية 30% من حجم السوق الأوروبية.

لكن، هل ستشكل العقوبات الدولية على روسيا ضربة قاسية لها، وتضعف من اقتصادها العالمي؟ وما الأثر الذي ستتركه على روسيا؟ وكيف يمكن لروسيا أن تواجه هذه القرارات؟

 

ما هي طبيعة العقوبات المفروضة على روسيا؟

تشمل توسيع قائمة تجميد الأصول وحظر السفر على المسؤولين ورجال الأعمال والهيئات الروسية، إلى جانب من ينظر إليهم على أنهم “يدعمون ماديا أو ماليا الأعمال التي تهدد سيادة أوكرانيا وسلامة أراضيها واستقلالها، والموارد الاقتصادية مثل العقارات لرجال أعمال مقربين من الرئيس الروسي فلا ديمير بوتين، وإمكانية فرض حظر أسلحة على روسيا.

لكن، هناك بعض الاستثناءات بالنسبة للشخصيات من العقوبات، وهم الدبلوماسيون، والحالات التي تستند لدواعي إنسانية، إذا كان الشخص على سبيل المثال يحتاج لسداد نفقات علاج طبي.

و اللافت في موضوع العقوبات أن أبرز مسؤول روسي تستهدفه عقوبات الاتحاد الأوروبي حتى الآن هو”فياتشيسلا ففولودين”، النائب الأول لرئيس إدارة الرئاسة الروسية” الكرملين”، وهو مدرج أيضا على قائمة العقوبات الأمريكية.

 

كيف تواجه روسيا العقوبات؟

لابد من الإشارة هنا إلى أن روسيا تعد أكبر شركاء الاتحاد الأوروبي في مجال الطاقة، وبمراجعة بعض المؤشرات تبرز أهمية دور الطاقة في علاقات الطرفين، فأوروبا تعتمد على روسيا في قرابة 36% من واردات الغاز الطبيعي، و31% من النفط،و30% من الفحم.

وفي الوقت نفسه تبلغ حصة أوروبا من صادرات النفط الروسية حوالي 80%،و70% من الغاز، ونصف صادرات الفحم الروسي، وفي حال توسع الخلاف بين الطرفين، على خلفية الأزمة الأوكرانية، قد تطرأ تغيرات كبيرة على هذه المؤشرات لتطال أسواق الطاقة العالمية.

لذلك، كانت روسيا تواجه سياسة العقوبات بلغة التهديد بقطع الغاز عن الدول الأوروبية كما جرى خلال الأزمة الأوكرانية، في الأشهر القليلة الماضية، حينها بدأت تلوح في الأفق حرب غاز جديدة بين روسيا وأوكرانيا.

وحينها عمّقت الصين وروسيا بذلك من العلاقات الثنائية في مجال الطاقة، الأمر الذي من شأنه تقليل اعتماد روسيا على أوروبا لتصدير الغاز والاستفادة من عائداته، حيث وقعتا اتفاقيات في مجالات الطاقة والمالية والتجارة وصفتها موسكو بأنها دلالة على تحول في سياستها تجاه آسيا، سيساعدها على تخفيف وطأة العقوبات الغربية المفروضة عليها بسبب أزمة أوكرانيا.

وتشمل الاتفاقيات التي وقعت اتفاقية حكومية للتعاون بشأن نقل إمدادات الغاز الطبيعي عبر ما يطلق عليه اسم الطريق الشرقي، وهي اتفاقية ضرورية للمضيق دما في تنفيذ اتفاق لتوريد الغاز الروسي إلى الصين لمدة 30 عاما بقيمة 400 مليار دولار جرى توقيعه في مايو/ أيار الماضي.

حيث وضعت كل من روسيا والصين اللمسات الأخيرة على اتفاق لمبادلة العملات بقيمة 25 مليار دولار، يسمح لهما بزيادة التبادل التجاري بالعملات المحلية وتقليص الاعتماد على الدولار الأميركي في المدفوعات الثنائية.

 

ما آثار العقوبات على روسيا ودول الاتحاد الأوروبي؟

يرتبط الاتحاد الأوروبي بعلاقات اقتصادية مع روسيا أقوى من الولايات المتحدة، ولذا فإن تضييق نطاق عقوبات الاتحاد الأوروبي سيحد من التأثير الشامل لها على موسكو، بيد أن مراقبين يقولون:”إن العقوبات هي على الأرجح أمر سيء للاقتصاد الروسي الذي تراجع هذاالعام”.

وبعد سنوات من الانتعاش بفضل إيرادات النفط الروسي، فإن الاقتصاد يواجه الآن تراجعا في الاستثمارات المباشرة وهروبا كبيرا لرأس المال، حيث تترنح روسيا على شفا ركود اقتصادي،بعد أن حقق اقتصادها نموا بلغ فقط 1.3 في المئة العام الماضي، ولم يحقق نموا على الإطلاق بين أبريل/نيسان، ويونيو/حزيران.

وبالنسبة لدول الاتحاد الأوروبي فستشعر بعضها حسب مراقبين بالتأثير أكثر من دول أخرى،بعد أن أصبحت روسيا سوقا مزدهرا للسلع الاستهلاكية الغربية في العقد الماضي.

وبالتالي، فإن هولنداوإيطاليا تعتمدان بشكل كبير على صادرات الطاقة الروسية، بالإضافة إلى أن بعض جيران روسيا من دول الاتحاد السوفيتي السابق يعتمدون بشكل كامل على شحنات الغاز الروسية.

وثمة من يرى أن العقوبات الغربية الحالية قد لا تضر قدرات الاقتصاد الروسي بشكل مباشر في المدى المنظور، مما لا يشكل ضغطاً كبيراً على روسيا يجبرها على مراجعة مواقفها،لكن دخول حرب الغاز على خط الأزمة قد يخلع عليها صعوبات وحسابات معقدة.

 

ماذا سيضيف توقيع الاتفاقات مع الصين لروسيا؟!

تعتبر روسيا أن توقيع اتفاقات الغاز مع الصين ساهمت في رد اعتبار البلاد أمام كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، واللتان تفرضان عقوبات اقتصادية على روسيا، والتي ردت بالمثل على تلك العقوبات، وذلك بعد توجيه اتهامات لموسكو بضلوعها في الأزمة الأوكرانية.

وتريد أيضا تعزيز قطاع الطاقة في الاقتصاد الروسي الذي عانى من هبوط أسعار النفط خلال الفترة الماضية، لتبعث برسالة ضمنية -من خلال الاتفاقية الروسية الصينية- إلى الغرب بأنه لا يحتاج إليهم وأنه يستطيع إنقاذ اقتصاد بلاده.

ويطمح صناع القرار في موسكو إلى تطوير العلاقات الاقتصادية بين روسيا والصين بشكل كبير، لاسيما وأن الاستثمارات الصينية المباشرة في روسيا لا تتجاوز 4.5 مليارات دولار، ورجال الأعمال الروس لا يستثمرون أكثرمن 2.5 مليار في الصين، وحجم التبادل التجاري ضئيل ولم يتجاوز تسعين مليار دولار في العام 2013.

وبالمقارنة فإن حجم التبادل بين الصين والاتحاد الأوروبي يصل إلى 540 مليار دولار، ومع الولايات المتحدةإلى 500 مليار. ومازالت أوروبا تستأثر بقرابة 85% من حجم التبادل التجاري الروسي.

المصادر

تحميل المزيد