عانى المواطنون الأفغان من تجربة طويلة مع ملف انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب جراء ثلاث حروب مر بها الشعب الأفغاني، بداية من الاحتلال السوفيتي عام (1979- 1989)، ثم الحرب الأهلية من بعد انسحاب السوفيت وفترة حكم طالبان الأولى، وصولًا إلى الاحتلال الأمريكي (2001-2021). 

في الواقع دائمًا ما تتهم القوات العسكرية بارتكاب انتهاكات وجرائم حرب وعنف بحق المدنيين في أوقات الحروب، وقد تستطيع القوات العسكرية السيطرة على الأمور وإبقاء الأحداث سرًا طوال فترة المعارك، ولكن عقب انتهاء الحرب، وانسحاب الجيوش، تبدأ الفضائح والتحقيقات الرسمية، وأحيانًا محاولات المحاكمة العادلة، وهذا ما يحدث الآن في قضية أفغانستان في سنوات الحرب الأخيرة ما بعد الاحتلال الأمريكي؛ إذ ظهر على السطح ملف انتهاكات ضد الإنسانية وجرائم الحرب الخاصة بالقوات الأجنبية في أفغانستان أثناء الحرب الأمريكية الأفغانية.

الغزو الأمريكي.. فصل جديد من معاناة الشعب الأفغاني 

بدأ صراع الحرب الأهلية في أفغانستان عقب انسحاب القوات السوفيتية عام 1989، والذي انتهى بتولي حركة طالبان سلطة الحكم في البلاد عام 1996 وحتى عام 2001 خمس سنوات تعرض فيهم العديد من الأفغان لأشكال مختلفة من انتهاكات حقوق الإنسان على يد طالبان، وبعد ذلك بدأ الشعب الأفغاني فصل معاناة جديد مع حقوق الإنسان بعد غزو الولايات المتحدة لأفغانستان عام 2001.

قررت الولايات المتحدة الأمريكية غزو أفغانستان بسبب أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، التي تبنى تنفيذها تنظيم «القاعدة» المستقر في أفغانستان حينها، وقد شارك في العملية العسكرية تحالف دولي ضخم يضم دول حلف الناتو، وكانت أمريكا صاحبة الحضور العسكري الأكبر في البلاد تليها بريطانيا، ثم ألمانيا.

استمرت الحرب حتى عام 2021، وكان من المقرر إخلاء آخر جندي أمريكي بحلول 11 سبتمبر كما صرح الرئيس الأمريكي جو بايدن، ولكن توقفت عملية الإجلاء مؤقتَا بعد سيطرة طالبان على البلاد، في حين أنهى حلف الناتو مهمته العسكرية عام 2014 تاركًا خلفه 13 ألف جندي ضمن قوات «حفظ السلام».

وقد أثارت الحرب الأمريكية جدلًا كبيرًا في ملف انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب التي ارتكبت في أفغانستان؛ مما فتح الباب على مصراعيه لعمليات التحقيق في الأخبار المتعلقة بجرائم الحرب والانتهاكات في أفغانستان.

جرائم قوات الدفاع الأسترالية

شاركت أستراليا ضمن التحالف الدولي في حرب أفغانستان، وأرسلت أكثر من 25 ألف جندي بين عامي 2005 – 2016 منهم 3 آلاف جندي من القوات الخاصة الأسترالية. وفي عام 2016 بدأ المفتش العام لقوات الدفاع الأسترالية القاضي بول بيرتون تحقيقًا عسكريًا حول أخبار ارتكاب القوات الأسترالية انتهاكات حقوق الإنسان في حق المدنيين الأفغان، والتي ترقى إلى جرائم الحرب.

وقد صدرت نتائج التحقيق، وأكدت بالفعل ارتكاب القوات الأسترالية جرائم حرب في أفغانستان تسببت في مقتل 39 مدنيًا، ووصفت نتائج التحقيق عمليات القتل بأنها لم تكن تحت ضغط الحرب أو بالخطأ، بل هي جرائم قتل متعمدة، ومتكررة، وموجهة، وقعت دون سبب منطقي.

ألقي اللوم على 25 جنديًا من وحدة النخبة الأسترالية، سحبت منهم الأوسمة العسكرية، وجرى وقف الوحدة عن العمل في الجيش الأسترالي، وأوصت النتائج الحكومة الأسترالية بالتحقيق في 36 قضية جنائية تخص قوات الدفاع الأسترالية وتوثق جرائم الحرب.

شملت انتهاكات حقوق الإنسان التي قامت بها قوات الدفاع الأسترالية في حق المدنيين الأفغان والواردة بالتحقيق جرائم حرب، إذ طلب قادة الكتائب وضباط الصف من الجنود الجدد تسجيل عملية قتل أولى، عن طريق قتل أحد السجناء باعتبار ذلك تقليدًا للكتيبة، وقد جرى تزييف الأدلة والعبث بمواقع الجرائم من خلال وضع أسلحة ومعدات بجوار الجثث للتغطية على الجرائم، كما تعمدت قوات النخبة قتل المدنيين الأفغان من الأطفال والنساء بلا داعٍ عدة مرات أثناء اشتباكات وصفت بالتقليدية مع مقاتلي طالبان.

ومن أشهر الانتهاكات التي وقعت على يد القوات الأسترالية حادثة إقليم أوروزغان جنوب أفغانستان عام 2009، حين قامت القوات الأسترالية باقتحام منزل، وقتل مجموعة أشخاص، منهم أب وأطفاله وخمسة من أقاربه، واستخدمت القوات الأسترالية أقصى درجات العنف في تلك الحادثة، واشتبكت بالأسلحة دون داعٍ، وألقت قنابل يدوية في نطاق ضيق مع تعمد قتل المدنيين دون سبب منطقي.

أثارت الحادثة فزع الإعلام والحكومة الأسترالية، وسعت العميد لين ماكديد مدير النيابات العسكرية في ذلك الوقت إلى توجيه التهم إلى الجنود الأستراليين، ومنهم تهمة القتل العمد لخمسة مدنيين أفغان، ورفعت تقرير للمدعي العام بذلك، والذي بدوره أسقط التهم بحجة ظهور نتائج جديدة لم نعرف يومًا ما هي. 

أدانت السلطات الأسترالية مرتكبي الجرائم، وفي حادثة اعتراف فريدة من نوعها، اعتذر رئيس قوات الدفاع الأسترالية أنجوس كامبل عام 2020 بشكل علني للحكومة الأفغانية عما حدث من انتهاكات وجرائم عنف في حق المدنيين الأفغان على يد قوات الدفاع الأسترالية، ملقيًا باللوم على ما سمي بثقافة المحارب الخاطئة التي امتلكها ضباط الصف. 

وقد جاء في نص الاعتذار «أعتذر بصدق وبلا تحفظ عن أي مخالفات ارتكبها جنود أستراليين. إن أي من الحوادث التي حدثت، لا يمكن وصفها بأنها كانت في خضم معركة. لم يقع أي شيء في ظروف كانت فيها نية الجاني غير واضحة، أو مشوشة، أو خاطئة. وهذه النتائج تشير إلى أخطر الانتهاكات للسلوك العسكري والقيم المهنية». 

قتل واغتصاب وتعذيب.. انتهاكات أمريكية 

بعد اعتراف الحكومة الأسترالية بأمر الانتهاكات الخاصة بالقوات الأجنبية في حرب أفغانستان، ومن ضمنهم قوات الدفاع الأسترالية، زادت الدعوات التي تطالب بعمل تحقيق أكبر وأوسع يشمل أحداث العنف طوال فترة الحرب.

لاحقت التهم القوات الأمريكية منذ بداية الحرب الأمريكية الأفغانية بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات ضد الإنسانية في حق المدنيين الأفغان. وتؤكد منظمة «هيومن رايتس ووتش» تورط الأمريكيين في جرائم حرب بأفغانستان، من خلال السماح للشركاء الأفغان والميليشيات المتعاونة بقتل المدنيين وارتكاب انتهاكات جسيمة في حق أبناء الريف بسبب تمركز قوات المعارضة، وحتى مقاتلي طالبان في الريف بشكل أكبر من العاصمة كابول الواقعة تحت سيطرة أمريكا وشركائها الأفغان.  

كما أدانت المنظمة القوات الجوية الأمريكية وتتهمها بارتكاب جرائم حرب بحق المدنين، بسبب قتل آلاف الأبرياء في الغارات الجوية الخاطئة المبنية على معلومات مضللة من المتعاونين أو الشركاء الأفغان، إلى جانب اتهام القوات الخاصة الأمريكية بجرائم تعذيب واغتصاب، وبتعمد قتل كبار السن والفلاحين بقرى الريف.

تؤكد المنظمة أن الولايات المتحدة كانت مرتبطة حتمًا بانتهاكات حلفائها، وهذا ما يظهر في حوادث عام 2001 حين شنت ميليشيات تابعة لأمريكا هجمات منهجية على قرى البشتون، واغتصبت النساء، وأعدموا الجنود الأمريكان المدنيين بإجراءات موجزة، وسرقت الماشية والأراضي، وتكرر الأمر مرة أخرى في أواخر عام 2016. 

ومن أشهر حوادث التستر على الشركاء الأفغان من قبل أمريكا السماح لعبد الرشيد دوستم بترويع سكان القرى متهمًا إياهم بدعم طالبان، وفي أواخر عام 2001 ذبحت قوات دوستم ما يصل إلى ألفي سجين من طالبان جرى أسرهم أو استسلموا.

ومن أمثلة الغارات الجوية الخاطئة التي أفادت التحقيقات في منظمة «هيومن رايتس ووتش» بارتكابها جرائم حرب في أفغانستان الغارة الجوية التي وقعت في 23 ديسمبر (كانون الأول) 2001، والتي قتلت حوالي 65 من كبار السن كانوا يسافرون إلى كابول لحضور حفل تنصيب كرزاي.

وفي عام 2003 قتلت طائرة أمريكية تسعة أطفال في وضح النهار في منطقة غارديز. وهناك الضربات الجوية المكثفة في عام 2009 في غرب محافظة فراه، والتي قتلت ما يقرب من 100 مدني، معظمهم من الأطفال الذين تحطم بعضهم إلى أشلاء.

وتشير تقارير المنظمة إلى ارتفاع عدد الضحايا المدنيين من الضربات الجوية في فترة إدارة ترامب، وتؤكد إنه بين عامي 2016 و2020 كان 40% من جميع الضحايا من المدنيين قد قتلوا بسبب الضربات الجوية الأمريكية والأفغانية.

وقد شرعت «المحكمة الجنائية الدولية» عام 2018 في فتح تحقيق شامل يضم كل أطراف الحرب، وقد رفضت الولايات المتحدة الأمريكية إجراء التحقيق بذريعة أن التحقيق يمثل تعدي على السيادة الأمريكية، ورفضت الحكومة الأفغانية بذريعة التأجيل حتى الانتهاء من التحقيقات الداخلية في أفغانستان.

لم تستسلم محكمة العدل الدولية، وباشرت بالتحقيق وسماع الشهود، وأبدت إدارة ترامب غضبها، وحذرت المحكمة الدولية، وأشارت إلى عدم اعتراف أمريكا بمحكمة العدل الدولية من الأساس، وفي عام 2020 فرضت إدارة ترامب قيود على السفر وعقوبات في حق موظفين بالمحكمة.

وبعد عامين من التحقيقات تؤكد «المحكمة الجنائية الدولية» وجود أدلة تثبت تورط القوات الأمريكية في جرائم ضد الإنسانية تتضمن عمليات قتل عشوائية، وعمليات عنف وتعذيب وسوء معاملة، وعمليات اغتصاب وعنف جنسي. داخل أفغانستان وخارجها في مراكز المخابرات بدول بولندا، وليتوانيا، ورومانيا، وحتى الآن لا نعرف ما مصير التحقيق، أو إلى أي المحطات سينتهي.

فيلم دنماركي يثير الجدل

ضمت الحرب الأفغانية الأمريكية عام 2001 تحالفًا دوليًا كبيرًا، مكونًا من أكثر من 30 دولة، منهم أعضاء حلف الناتو، إلى جانب قوات دولية لا تتبع حلف الناتو، مثل قوات الأردن، وجورجيا، وأستراليا، التي شاركت في الحرب، وقد طالت الاتهامات بالانتهاكات في حق المدنيين الأفغان القوات المسلحة المشاركة بالحرب، وليس القوات الأمريكية والأسترالية فقط.

وفي عام 2016 عرض فيلم دنماركي بعنوان «Armadillo» للمخرج توبياس ليندهولم، ويعرض الفيلم قصة غير واقعية عن القوات الدنماركية في حرب أفغانستان، قصة قائد كتيبة دنماركي في أحد القواعد البريطانية الدنماركية بأفغانستان، في أحد مرات الاشتباك مع عناصر حركة طالبان، يقرر قتل مدنيين أفغان أبرياء في سبيل إنقاذ جنوده وقتل مقاتلي طالبان، وعند العودة للدنمارك يتعرض القائد للمحاكمة بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات ضد الإنسانية.

وأثار الفيلم موجة جدل كبيرة في وسائل الإعلام والصحافة، وأصبح محط اهتمام المجتمع السياسي والعسكري، وحضر العرض الأول للفيلم كبار الساسة الدنماركيين ووزير الدفاع الدنماركي.

والجدير بالذكر أن المخرج الدنماركي صور الفيلم مع أشخاص حقيقيين، جنود دنماركيين وأيضًا لاجئين أفغان، ورشح الفيلم للعديد من الجوائز، وبعد الضجة التي أثارها الفيلم أمرت الحكومة الدنماركية بفتح تحقيق بشأنه لتكتشف إذا حدث ارتكاب من القوات الدنماركية لانتهاكات ضد الإنسانية في حرب أفغانستان كما حدث في قصة الفيلم.

ربما انتهاء الحرب في أفغانستان سيكشف لنا الكثير عن الانتهاكات في حق المدنيين، خاصة بعد الاعتراف الأسترالي والاتهامات الأمريكية الصعبة. 

المصادر

تحميل المزيد