الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، المنتشي بفوزه في انتخابات 17 أبريل بولاية رابعة لحكم الجزائر مِن على كرسيه الطبي، والرجل الطاعن في السن (77 عامًا) الذي فاز في انتخابات رئاسية رغم أنه لم يخرج قط إلى الناخبين ليشرح لهم برنامجه السياسي والرئاسي، اجتمع بوزرائه وخاصة قادته العسكريين، ودعاهم إلى “حرب” بلا هوادة على الإرهاب، دون أن ينسى أن يدعو الشعب إلى التعاون في هذه الحرب.

شمّاعة..

“شمّاعة” الإرهاب أعطت أكْلها ونتائجها “المحمودة” حتى من قِبل ساسة أعظم دولة؛ حيث نجحت الولايات المتحدة الأمريكية إلى حد كبير في إقناع حلفاء كثيرين وضمهم إلى “حلف الخير” المنافح عن القيم والمثل الإنسانية، بحسبها، ضد “حلف الشر” الذي يريد تدمير الإنسانية والوطء على الحريات الكونية، وإعادة الناس إلى “ظلام” القرون الغابرة في التاريخ. ولذلك فلا بأس وربما من الواجب أن يرفع هذه “الشماعة” حُكّامُنا العرب الذين يفتقدون إلى “شعبية” وإلى “شرعية”، ويسعون من خلال التلويح بورقة الإرهاب إلى استرجاع بل واكتساب “شرعية” عجزوا عن الوصول إليها ديمقراطيًّا!

الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة وقائد الجيش صالح قايد

الرئيس الجزائري المنتخب لولاية رابعة رغم مرضه، عبد العزيز بوتفليقة، لم ينتظر كثيرًا وطويلاً بعد “تتويجه” بولاية رابعة لحكم “بلاد المليون شهيد” – رغم المعارضة الشعبية التي دعت إلى “رحيله” مع نظامه العسكري -؛ وبعد أن أعاد “تنصيب” غالبية وزراء حكوماته السابقة، اجتمع الرئيس بعد أقل من شهر مع وزرائه المعينين ومنهم قادته العسكريون يتقدمهم نائب وزير الدفاع وقائد أركان الجيش الوطني الشعبي (الجيش)، الفريق أحمد قايد صالح، واحد من أبرز وجوه النظام المعروفين بإصرارهم على بقاء النظام الحالي، خوفًا من “محاسبة” شعبية قد تأتي مع أي موجة تغيير!

بوتفليقة المُقعد يحارب الإرهاب!

اجتماع بوتفليقة مع هؤلاء تخلّله “أمرٌ” لقيادة الجيش والقوات الجوية بتكثيف عمليات المراقبة الجوية على الحدود الجزائرية، وتوجيه ضربات جوية لسيارات التهريب قرب الحدود التي تمون إرهابيي “القاعدة”، والقيام بعمليات مسح أمني للكشف عن المخابئ الجديدة في الصحراء والقضاء على شبكات الإسناد اللوجيستي، كما ذكرت مصادر وُصِفَت بـ”المقربة”، في تصريحات صحفية، وكشفت أيضًا عن مساعي “القاعدة” والجماعة المعروفة باسم “المرابطين” للحصول على شحنات كبيرة من الوقود وقطع الغيار من الجزائر بعد حصولها على ترسانة من شحنات الأسلحة من ليبيا، تحضيرًا لعمليات عسكرية وشيكة، كما قالت التقارير التي تطرقت أيضًا إلى دعوة بوتفليقة – عبر الوكالة طبعًا – الشعب الجزائري إلى التكاتف مع السلطات لمحاربة “الإرهاب”.

الرئيس الجزائري الباحث عن أي مبرر لـ”تزكية” ولايته الرابعة المثيرة للجدل، ربما له أكثر من عُذر لـ”الركوب” على ملف الإرهاب، من أجل البحث عن “شرعية” مفقودة، إلا أن الأمر مختلف تمامًا مع رؤساء عرب آخرين استغلوا “جوكير” الإرهاب إما من أجل الوصول إلى الحكم، أو لضمان استمرارهم فيه.

المشير والإرهاب!

المشير عبد الفتاح السيسي المرشح لرئاسة مصر

ليس المشير عبد الفتاح السيسي، “حاكم” مصر المقبل، كما تشير إلى ذلك كل المؤشرات قُبيل الانتخابات الرئاسية في أرض الكنانة، بعد نحو سنة من إطاحته برئيس منتخب ديمقراطيًّا، إلا نموذجًا صارخًا لتفضيل حكام العرب – لا سيما ما بعد موجة “الربيع العربي” – لمعزوفة الإرهاب، التي يبدو أنها بقدر ما وجدت دعمًا ماديًّا سخِيًّا من ريع بترول شبه جزيرة العرب، بقدر ما لقيت تأييدًا منقطع النظير من قبل ساسة واشنطن.

قادة البيت الأبيض يتابعون مباشرة عملية القبض على زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن

واشنطن التي منحت منذ الانتخابات النيابية الموريتانية، في خريف السنة الماضية، “التزكية” لبقاء رئيس بلاد شنقيط محمد ولد عبد العزيز، هي نفسها التي أوفدت وزير خارجيتها، جون كيري، عشية اقتراع الرئاسة في الجزائر ليصرح بأن دعمها للجزائر نابع من “تعاون البلدين الإستراتيجي” لمحاربة الإرهاب في المنطقة.

إنها واشنطن نفسها التي لم تنبس ببنت كلمة عندما “أطاح” وزير الدفاع المصري، عبد الفتاح السيسي، برئيس منتخب ديمقراطيًّا لأول مرة في تاريخ مصر، وعلّقت -احتياطًا- مساعداتها العسكرية لهذا البلد، لكن سرعان ما عادت لتمد القاهرة بطائرات حربية من نوع “أباتشي” بدعوى محاربة الإرهاب في صحراء سيناء، بالرغم من أن القانون الأمريكي يحذر ويمنع تقديم المساعدة العسكرية لأنظمة سياسية غير ديمقراطية!

الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز الذي جاء إلى الحكم بانقلاب عسكري يستعد لولاية جديدة في الشهر المقبل

ويبدو أن واشنطن والغرب عمومًا بعدما كانوا متوجسين من أن رياح “الربيع العربي” قد تعصف بمصالحهم – والتي هي بطبيعة الحال نفس مصالح الأنظمة غير الديمقراطية في المنطقة – جاءت الفرصة مناسبة لإحياء ورقة الإرهاب التي كاد يطالها النسيان، لا سيما أنها لم تؤد إلا إلى احتلال بلدان (مثل أفغانستان والعراق) وإثارة الفوضى بها، ولا سيما بعد ما وقع في مصر الثورة عندما أطيح برئيس منتخب وتم اعتبار جماعة “الإخوان المسلمين” جماعة إرهابية تمامًا كما اعتبروا “القاعدة” و”النّصرة” و”بوكوحرام” وغيرها من الجماعات التي تهوى إهدار الدم، علمًا أن “الإخوان المسلمين” يعلنونها على رؤوس الأشهاد أن تحركهم ومنهجهم سِلميان.. إنه خلط أوراق اللعبة ليظهر “جوكير” اسمه الإرهاب!

عرض التعليقات
تحميل المزيد