في حي سيسلي النابض بالحياة في إسطنبول، ثمة برجان فاخران متجاوران، يمثلان قيمة كبرى لعالم المال والأعمال في إسطنبول وتركيا ككل، إلا أن شيئًا واحدًا كان قد أثار اللغط بشأنهما منتصف العام الماضي: فقد كان اسم «ترامب» يعلو البرجين.

تعود ملكية «برجا ترامب» إلى رجل الأعمال التركي والملياردير التركي «آيدن دوغان»، وكان قد أقام البرجين بموجب اتفاقية شراكة مع الملياردير الأمريكي والرئيس الحالي «دونالد ترامب»، في يونيو (حزيران) الماضي، وبعد أن صار ترامب لا يترك مناسبة من غير أن يمطر المسلمين بوابل من التصريحات العنصرية، وإثر تعهده بمنع المسلمين من دخول البلاد حال انتخابه رئيسًا، وقتها لم تعجب تلك التصريحات الرئيس التركي، فأعلن أن على «عائلة دوغان» إزالة اسم «ترامب» من على واجهة مبناهم.

«كيمياء» أخرى بين أردوغان وترامب

لكن، ولأن السياسة لم تعرف يومًا ثباتًا مطلقًا على المواقف، فلم تكد تمض بضعة أشهر، ومع اقتراب السباق نحو البيت الأبيض إلى نهايته، بدأ الموقف التركي يلين شيئًا فشيئًا، فصدرت إشارات عدة تدل أن أنقرة تفضل أن يكون ترامب رئيسًا، لا كلينتون، كما كانت تركيا من أوائل الدول التي هنأت ترامب بالفوز، وقد هاتفه أردوغان شخصيًا، كما بالغت وسائل الإعلام التركية المؤيدة للحكومة في الاحتفاء بفوزه، مستبشرة بعهد جديد تفتَح فيه صفحة ناصعة البياض من العلاقات التركية- الأمريكية.

https://www.youtube.com/watch?v=4GXijFaPX5c

 

فما السر إذا في تبدل المواقف في هذا الوقت القصير؟

يمكن القول إن لحظة الانقلاب الفاشل ليلة 15 يوليو (تموز) في تركيا كانت لحظة مفصلية، وقتها سارع ترامب لإعلان إدانته، وتعاطفه مع الحكومة التركية المنتخبة، كما أبدى لاحقًا دعمه لعمليات «التطهير» التي شنتها الحكومة ضد من وصفتهم بـ «الانقلابيين» في صفوف مؤسسات الدولة، كما رفض ترامب وصف تركيا بأنها دولة «ديكتاتورية».

في المقابل، كانت تصريحات كلينتون غير مبشرة بالنسبة للقيادة التركية، فقد انتقدت إجراءات الحكومة بحق مناوئيها، وتعهدت – بعبارات صريحة- لا تقبل اللبس بالمضي قدمًا في خطط تسليح الأكراد في كل من سوريا والعراق، لمحاربة «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)»، وهو الأمر الذي يثير حساسية شديدة لدى القادة الأتراك، ومن ثم فقد كانت النظرة في أروقة السياسة التركية إلى كلينتون باعتبارها ستصبح امتدادًا لإدارة أوباما، وهي التي لم يكن لها أردوغان الكثير من الود.

وفي حين كانت الصحف التركية تتحدث عن علاقات «مشبوهة» تربط رجال أعمال أتراك محسوبين على حركة غولن -عدو الحكومة الأول- بكلينتون، وأنباء عن تبرعات من الحركة لصالح المرشحة الديمقراطية، كان مستشار ترامب للشؤون الأمنية «مايكل فلين» يتحدث أن على الولايات المتحدة أن تسلم غولن إلى تركيا، الأمر الذي كان يزيد من ارتياح القادة الأتراك تجاه ترامب وإدارته.

والجدير بالذكر أن «فلين» – الذي أقيل بعد أسابيع قليلة على خلفية اتصالات مزعومة بينه وبين الروس- ، قد اتّهم بعد ذلك بأنه على صلة بجماعات ضغط «لوبي» تعمل لصالح تركيا في واشنطن، ونفت إدارة ترامب بعد ذلك علمها المسبق بهذا الأمر، إلا أنه قد يمثل مظهرًا آخر من مظاهر الارتياح التركي لمجيء ترامب وليس هيلاري كلينتون إلى سدة الحكم في المكتب البيضاوي.

وزاد استبشار القادة الأتراك بترامب حين قرر الأخير توجيه ضربة إلى قاعدة الشعيرات الجوية التابعة لنظام الأسد، عقابًا له على استخدام الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين في بلدة خان شيخون، وقتها، حظيت تلك الخطوة بمباركة أردوغان الذي وصفها «بالخطوة الإيجابية»، مطالبًا بإجراءات إضافية للإطاحة بالأسد، وقد أثارت تلك الضربة الآمال التركية مجددًا بدور أمريكي أكثر فعالية في الحرب السورية، بعد إدارة أوباما التي اتهمها الإعلام التركي بارتكاب كل الأخطاء في سوريا.

«للخلف در»: لماذا تغيّب أردوغان إذًا عن قمة الرياض؟

لأجل ما تقدم، وبالنظر كذلك إلى العلاقة المميزة التي تربط المملكة العربية السعودية بتركيا، كان من المستغرب بالنسبة للكثيرين أن يتغيب أردوغان عن قمة الرياض.

ففي اللحظة التي كان يجتمع فيها عشرات من قادة وزعماء الدول الإسلامية  مع الرئيس الأمريكي في الرياض، لتدشين تحالف دولي لمحاربة «الإرهاب»، كان أردوغان يحتفل بعودته إلى صفوف حزبه – العدالة والتنمية – في تركيا بعد أن أتاحت له التعديلات الدستورية ذلك الأمر، وهو الحدث الذي كان يمكن تأجيله أو تقديمه بطبيعة الحال إن كان لدى أردوغان نية في حضور القمة التي كان في مقدمة المدعوين إليها، غير أنه اكتفى بإرسال وزير خارجيته «مولود جاويش أوغلو» بدلاً منه.

فما أسباب هذا «الفتور» التركي إزاء حدث ضخم بمثل هذا الحجم، وبمثل تلك الأهمية؟

يلزمنا العودة أيام قليلة إلى الوراء، حيث كان الرئيس  التركي في زيارة  إلى واشنطن، وفي حين كانت وسائل الإعلام الموالية للحكومة تطير فرحًا بمشهد هنا أو هناك، عن لغة جسد أردوغان، أو تربيته على كتف ترامب أو طريقة السلام بين الرجلين، محاولة أن تستخلص من ذلك استنتاجات ما بشأن دلالات ذلك على الود بين الرجلين، فإن الحقيقة «المرة» بالنسبة للأتراك كانت أن الزيارة وفي نظر العديد من الخبراء قد فشلت في تحقيق أهدافها.

 

فقبل الزيارة المرتقبة ببضعة أيام فقط، أصدر البنتاغون قرارًا يقضي بتقديم السلاح والعتاد للمقاتلين الأكراد من أجل معركة الرقة المرتقبة ضد «داعش»، أسلحة خفيفة وذخيرة ومدافع رشاشة ومركبات مدرعة ستقدم كهدية أمريكية إلى أعداء أردوغان، ابتلع الأخير تلك الإهانة، واكتفى بتصريحات منتقدة للخطوة الأمريكية، ولكنه أبقى على زيارته للبيت الأبيض.

وتزامنًا مع الزيارة، أفردت صحيفة الواشنطن بوست البارزة صفحاتها لعدو أردوغان اللدود رجل الدين التركي «فتح الله كولن» الذي شن هجومًا على أردوغان وحكومته، وهو ما كان يعني أن كل جهود الحكومة التركية ولوبياتها في واشنطن قد فشلت في التأثير على مجريات السياسة والإعلام في البلاد.

حتى الزيارة نفسها، لم تكن بتلك الحفاوة التي تحدث عنها إعلام أردوغان، فكانت عبارة عن عشرين دقيقة جلها ضاع في الترجمة، وتضمنت في نظر بعضهم «إهانات بروتوكولية» أبرزها أن رئيس المخابرات التركي لم يجد نظيره على مأدبة الغداء كما تقتضي العادة.

وفضلاً عن ذلك، وعلى بعد أمتار من الزيارة، تعرضت مظاهرات – ادعت الحكومة  التركية أنها كانت لأنصار حزب العمال  الكردستاني – للضرب من حرس الرئيس التركي، وقد أثارت تلك الحادثة غضب الساسة والإعلاميين الأمريكيين، الذين رفضوا أن «يمارس أردوغان قمعه على الأراضي الأمريكية»، ووصفها وزير الخارجية الأمريكي بـ«الأمر غير المقبول».

وحتى الملف السوري الذي كانت أنقرة تأمل خيرًا فيه من واشنطن، فيبدو أنه لا جديد جذريًا على الطاولة الأمريكية بشأنه، وقد جاء التأكيد الأمريكي على المضي قدمًا في التنسيق مع الروس في هذا الملف ليزيد من إحباطات أردوغان ورجاله ونقمتهم على ترامب وإدارته.

يمكن إذا فهم غياب أردوغان عن تلك القمة رغم أهميتها، رمزيًا على الأقل، كإشارة اعتراض تركية على مسار الإدارة الأمريكية الذي يتعارض مع مصالح أنقرة وتوجهاتها.

المصادر

تحميل المزيد