عام 2003 ظهرت حركة «أنونيموس» للمرة الأولى – وهي مجموعة اختراق عالمية ذات تأثير واسع على شبكة الإنترنت – كحركة عشوائية ومراهقة. إلا أنها تمكنت بمرور الوقت من النضوج حتى أصبحت حركة عالمية؛ إذ عرفت في السنوات الأخيرة بمجموعة من الهجمات التي شنتها على المواقع الحكومية في مختلف دول العالم، فيما وصفته باسم «النضال الإلكتروني».

وخلال الشهر الماضي أصدرت الحركة مجموعة من البيانات تتناول انتشار فيروس «كورونا» عالميًا، كان آخرها في الأيام الثلاثة الأخيرة، اتهمت فيها الصين بإخفاء المعلومات عن بداية توقيت ظهور الفيروس الجديد، واحتمالية تصنيع الفيروس داخل أحد معامل التجارب في ووهان، وغيرها من الاتهامات المثيرة للريبة.

في السطور التالية تحليل لأهم ما جاء في تقارير «أنونيموس» الأخيرة.

«أنونيموس» تتحدى قادة العالم بأن يقولوا حقيقة فيروس «كورونا»

«تحياتي إلى مواطني العالم، هذه رسالة من مجهول حول طريقة تعامل حكومتك مع وباء كورونا المتنامي» *أنونيموس

في الفيديو الأخير لحركة الاختراق العالمية، أشار «المجهولون» إلى أن الحكومة الصينية قد هددت النشطاء، والأطباء، والمواطنين العاديين بالاعتقال، وذلك في حالة نشر معلومات عن الفيروس تتعارض مع التصريحات الرسمية للحكومة. وكان الطبيب الصيني لي وين يانج هو أول من أطلق تحذيرات حول انتقال الفيروس بين البشر وبعضهم البعض، وذلك قبل أسابيع من إخبار الجمهور بما يحدث، وقد جرى إسكاته من قبل الحكومة الصينية؛ حتى توفي  متأثرًا بالعدوى في المشفى نفسه الذي كان يعمل به.

تشير «أنونيموس» إلى أن الفيروس كان ينتشر في جميع أنحاء ووهان ومنها إلى العالم، منذ الأول من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وذلك بحسب دراسة عالم الأحياء التطوري، كريستيان أندرسون، التي أجريت على 27 جينومًا من المرضى الأوائل. وبالتالي يكون الفيروس قد شق طريقه إلى كل ركن من أركان العالم بحلول الوقت الذي قررت فيه الحكومة الصينية الإفصاح عن الفيروس وإغلاق مدينة ووهان.

(التقرير الأخير لحركة أنونيموس)

تؤكد الحركة في الفيديو على أن الفيروس قد انتشر في صمت بين سكان الولايات المتحدة – على سبيل المثال – مدة ستة أسابيع على الأقل، والسبب في هذا الانتشار الصامت كان فترة الحضانة الكبيرة للفيروس، والتي قد تصل إلى 27 يومًا؛ ما يعني أن المريض المصاب من الممكن أن يتجول مدة شهر كامل ويصيب أشخاصًا آخرين دون معرفة منه أو منهم بذلك. كل هذا يزيد من قدرة المرض الجديد على الانتشار بطريقة غير مكتشفة.

This case, WA2, is on a branch in the evolutionary tree that descends directly from WA1, the first reported case in the USA sampled Jan 19, also from Snohomish County, viewable here: https://t.co/gxyo0PsJ7x 2/9 pic.twitter.com/LBH26A0AFC

— Trevor Bedford (@trvrb) March 1, 2020

نشرت الحركة مجموعة من الرسوم البيانية على مدونتها الرسمية، توضح فيها خلال هذا العام عدد زيارات المرضى للمستشفيات بأعراضٍ تشبه الإنفلونزا الموسمية، لكن لم تثبت إصابتهم بالأنفلونزا. وتظهر في تلك الحالات انتشار مرض غامض قد يشكل وباءً عالميًا.

تشير «أنونيموس» إلى أن الوضع قد خرج من السيطرة الدولية، وعلى حكومات العالم أن يصارحوا مواطنيهم بحقيقة الأمر، عوضًا عن إخبارهم بأن الأمر تحت السيطرة، وأن الفيروس ليس شيئًا يستحق الذعر والقلق، خاصةً حكومات الصين، وإيران، وإيطاليا. كما يضيف البيان أن الشعوب لم تعد تصدق تلك الادعاءات، خاصةً بعد وصول المرض إلى بعض أفراد الحكومة. في الوقت ذاته تحاول إدارة ترامب الأمريكية السيطرة على تدفق المعلومات حول الفيروس؛ وذلك لمنع حالات الذعر، وإبقاء المواطنين متفائلين؛ مما يعرض الشعوب – بحسب التقرير – إلى خطر تفشي الوباء بشكل يشبه إلى حدٍ كبير ما تعرض له العالم خلال وباء «الإنفلونزا الإسبانية».

في الصين يخاف المواطنون من حكومتهم أكثر من المرض

«كانت هناك فاشيات في الماضي، لكن الفاشية الحالية لم يسبق لها مثيل»

هكذا أشارت حركة «أنونيموس» في أحد بياناتها حول انتشار فيروس «كورونا» داخل الصين. ويضيف البيان: «لم يحدث من قبل أن جرى وضع مئات الملايين من المواطنين في حجرٍ صحي بهذا الحجم، مقيدين داخل منازلهم، وقد أغلقت منافذ التجارة والتصنيع في واحدة من أكبر اقتصاديات العالم». جاء هذا البيان عقب وضع مدينة ووهان الصينية تحت الحجر الصحي.

في الوقت الذي يقارن فيه العالم الفيروس الجديد بالأنفلونزا الموسمية، تؤكد «أنونيموس» على أن التدابير الاحترازية التي أجرتها الحكومة الصينية لا يمكن اتخاذها إلا إذا كان الوضع خطيرًا للغاية. تشير الشرطة العسكرية في الشوارع بالبزات الواقية، وتطلق الشاحنات مواد كيميائية مطهرة في السماء والشوارع. بالرغم من ذلك لا تريد حكومات العالم والمنظمات الدولية، والتي منها «منظمة الصحة العالمية» – بحسب البيان – أن يعرضوا المواطنين للذعر، وبالتالي يتحكمون في الطريقة التي تتدفق بها المعلومات إلى الجمهور.

(رسالة من أنونيموس عن كورونا فيروس)

يشير البيان إلى أن أعداد المصابين والضحايا في الصين ليست دقيقة نسبةً لما يحدث على أرض الواقع؛ إذ كانت هناك فجوة كبيرة في اختبار وحساب الحالات بشكلٍ صحيح، خاصةً مع وفود أعداد كبيرة من المواطنين المتوجسين خيفةً إلى المستشفيات التي اكتظت إلى درجة لم تعد قادرة معها على قبول أي شخص لتحديد ما إذا كان مريضًا أم لا. وبالتالي لم يجر إدراج هؤلاء الأشخاص في الإحصاء الرسمي، ولا غيرهم ممن توفوا قبل الحصول على الرعاية الطبية اللازمة، إذ ورد ذكر سبب الوفاة في التقارير الرسمية التهاب رئوي.

«كورونا» ليس الوحيد.. هذه هي هجمات «أنونيموس» السابقة

لم تكن تلك المعلومات عن فيروس «كورونا» هي المعلومات الوحيدة التي قامت بتسريبها «حركة الاختراق العالمية (أنونيموس)»؛ إذ كان للمجموعة هجمات سابقة استهدفت مواقع حكومية للعديدِ من الدول، وحصلت على مؤازرات من متسللين آخرين إلى شبكات الإنترنت حول العالم، عرف عنهم «النضال الإلكتروني»، فما هي أهم هجمات «أنونيموس» السابقة؟

في عام 2012 هدد قراصنة الإنترنت المعروفون باسم «أنونيموس» بشنِ حربٍ مفتوحة ضد السلفيين و«حركة النهضة» الإسلامية التي قادت الائتلاف الثلاثي الحاكم في تونس حينذاك. وكانت المجموعة قد اخترقت صفحات ومواقع حسابات بريدية للأحزاب والتيارات الإسلامية من أعضاء الحكومة التونسية التي كان يرأسها حمادي الجبالي، أمين عام «حركة النهضة»، وذلك في شهري مارس (آذار) وأبريل (نيسان) من العام نفسه.

لم تكن تلك هي الحكومة الوحيدة هاجمتها مجموعة «أنونيموس»؛ فقد سبق وأن شنت المجموعة هجومًا على الحكومة التركية؛ إذ أعلنت الحركة مسؤوليتها عن استهداف عدد كبير من الخوادم التركية الإلكترونية للمواقع الحكومية والتجارية والمصارف عام 2015، بعدما تمكن المتسللون من تعطيل الوصول إلى أكثر من 400 ألف موقع. هذا بالإضافة إلى شن أعنف هجوم تعرضت له الحكومة الإسرائيلية، وذلك بعد قصف غزة عام 2012 من خلال 60 مليون محاولة اختراق تعرضت لها مواقع حكومية إسرائيلية في أبريل 2013؛ مما أدى إلى شلل تام للمواقع الحكومية فيما عرف باسم «عملية إسرائيل».

(بيان اختراق المواقع الحكومية الإسرائيلية)

ومنذ أكثر من ثلاث سنوات، تحديدًا عام 2016، ادعت جماعة المجهولين مسؤوليتهم عن اختراق حسابات مرشح الحزب الجمهوري للرئاسة الأمريكية، دونالد ترامب؛ إذ قاموا بإذاعة رقم الضمان الاجتماعي الخاص به، ورقم هاتفه الخلوي، وغير ذلك من المعلومات الشخصية. ولم تكن هذه الحوادث هي حوادث القرصنة الوحيدة التي أعلنت المجموعة مسؤوليتها عنها؛ إذ ارتبط اسم «أنونيموس» بعدة حوادث اختراق عالمية على مر السنين، كان ضحاياها شركات كبرى، وحكومات دول، ومؤسسات دينية، وأخرى مالية.

تشير التقارير العالمية – نسبةً إلى أحد أعضاء الحركة السابقين – إلى أن جماعة أنونيموس هي مجموعة غير مؤدلجة من الأفراد، يمكن لأي شخص أن يستخدم علامتهم التجارية لعرض قضيته. تشير المجموعة في أحد بياناتها المصورة إلى أنها ليست بمنظمة، ولا تخضع المجموعة لأية حركة سياسية، أو أيديولوجية معينة، فالفكرة الأولية عن «أنونيموس» أنها صممت ليتبناها أي شخص، أما أعضاء أنونيموس فيشملون رجالًا، ونساءً، ومسنين، وشبابًا، من مختلف الأعراق والجنسيات. وتسعى المجموعة إلى مكافحة سيطرة الحكومة على الأفراد لدفعهم للعمل وفق صورة معينة، وبالتالي كان المبدأ الوحيد لهم هو «مكافحة القمع».

تستطيع أن تلمح ذلك في حديث الشباب الصغار عن الحركة في الفيلم الوثائقي «نحن فيلق» لعام 2012، والذي يروي قصة نشطاء الإنترنت لمجموعة «أنونيموس»، ومفهوم النضال الإلكتروني الذي يهدف إلى مكافحة سيطرة الحكومات. لذا تتعامل الحكومات مع تلك المجموعة على أنها حركات تخريبية غير قانونية.

منوعات

منذ 7 شهور
مترجم: هذه الرواية تنبأت بانتشار كورونا في ووهان منذ 1981

المصادر

تحميل المزيد