في عهد بن علي، كانت الميزانية المخصصة للشرطة أعلى من ميزانية الجيش، فقد ارتفع عدد ضباط الشرطة بصورة كبيرة. كان بوسعنا أن نحسّ بأننا مهمّشون. *رئيس الأركان السابق للقوات المسلحة التونسية الجنرال سعيد الكاتب

ينم القول السابق عن مدى حرص الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، على إنشاء قبضة بوليسية داخلية، ورغم سقوط الرجل إثر ثورة جانفي (يناير/ كانون الثاني) 2011؛ إلا أن عملية ردع الشرطة التونسية عن ممارسات القمع والتعذيب التي بناها بن علي -وإن همدت قليلًا بعد الثورة- لم تتحقق على أرض الواقع. فالممارسات البوليسية (النوفمبرية) في إشارة إلى عهد بن علي، لا تزال تنال من التونسيين في السجون أثناء الاعتقال، وفي ميادين الاحتجاج السلمي. بل أخذت هذه القوى الأمنية تتمرد على القضاء والقانون والدولة سواء، في ظل تكرس ثقافة الإفلات من العقاب.

احتجاجات جانفي 2018.. الشرطة التونسية تكشف عن وجهها

يمكن القول إنه بعد مرور ثماني سنوات على الثورة التونسية، لم يلتقط التونسيون حتى يومنا هذا أنفاسهم، فما زالت بلادهم تضج بالمطالب الاجتماعية والاقتصادية، التي تدفعهم إلى الخروج في احتجاجات مستمرة لتحقيق مطالبهم، وذلك على اعتبار أن التظاهر حق، وأحد وجوه الحريات التي أباحتها تلك الثورة.

Embed from Getty Images

تدخل قوات الأمن احتجاجًا على حملة (فيك نستانيو/ ما الذي ننتظره؟) التونسية، بعد صدور قانون المالية

وفي الواقع، إن هذه الاحتجاجات أظهرت بوضوح وجود تجاوزات وانتهاكات الشرطة التونسية، ويمكن الاستشهاد على ذلك بما حدث في احتجاجات جانفي 2018، التي برزت فيها  روقات الشرطة بروزًا ملحوظًا بعد أن همدت قليلًا في السنوات الأولى للثورة. ففي اليوم الرابع من هذا الشهر خرجت التظاهرات المنددة بإقرار قانون المالية لسنة 2018، الذي تبناه البرلمان في 10 ديسمبر (كانون الأول) 2017، ودخل حيز النفاذ في 1 جانفي 2018، وفيما أراد التونسيون إظهار رفضهم للقانون الذي يزيد من قيمة الضرائب، ويتسبب في رفع أسعار المواد الأساسية، وفرض إجراءات تقشفية لتخفيض الإنفاق الحكومي، اصطدموا خلال بعض الاحتجاجات مع الشرطة، ووقعت أعمال تخريب مقرات حكومية وحرقها.

وبالرغم من أن الاحتجاجات التي حشدتها حملة «فاش تستناو؟» (ماذا ننتظر؟)، تراجعت إلى حد كبير منذ 15 جانفي، أي مع الذكرى السابعة لثورة الياسمين (يوم 14 جانفي)؛ إلا أن الأحداث أعادت للأذهان بشكل كبير تصرفات الشرطة إبان حكم النظام الذي أسقطته الثورة. فقد اعتقلت الشرطة أكثر من 930 شخصًا بتهم مختلفة مثل النهب، والاعتداء على الملك العام، وإشعال الحرائق، وإغلاق الطرقات بحواجز. كما اعتقلت 50 ناشطًا مجرد توزيعهم منشورات تنتقد سلميًّا سياسات الحكومة.

بشكل عام تعرض هؤلاء للعنف البدني من الشرطة، وأجبروا على التوقيع على اعترافات، وحرموا من الاتصال بمحام لهم، فيما أكدت «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان» أن من زارتهم من المعتقلين في سجن المرناقية في 17 جانفي 2018، كان أغلبهم يحملون علامات ضرب في الرأس، وعلامات ضرب زرقاء حول العينين، وأنوفًا مكسورة.

بل إن الشرطة التونسية في هذه الأحداث لم تكتف باعتقال من خرجوا إلى الشارع، وقادت حملة اعتقالات من داخل المنازل، وكان من هؤلاء الذين تم اعتقالهم المواطن عماد النفزي (27 عامًا) الذي اقتحمت الشرطة منزله في الثانية بعد منتصف ليلة 13 جانفي، وبعدما ضربت أسرته بالهراوات ومنهم أمه، قادت الشرطة عماد وأشقاءه الثلاثة بملابسهم الداخلية، حفاة، إلى السيارة، ثم أفرجت عن الأشقاء، عدا عماد الذي نقل إلى مركز الاحتجاز في بوشوشة بتونس العاصمة، وتعرض للتعذيب حتى رأته أمه في أول زيارة له يحمل علامات زرقاء حول عينه، ويعرج نتيجة تعذيبه للاعتراف بارتكاب جريمة نهب، لكن المحكمة الابتدائية في منوبة برأت عماد في 23 جانفي 2018، من جميع التهم.

Embed from Getty Images

لافتات ضد تعذيب الشرطة التونسية

الحدث الأكثر صدمة، كان مقتل رجل عاطل عن العمل يدعى خمسي اليفرني (41 عامًا)، في احتجاجات طبربة في اليوم الثامن من جانفي 2018، وفي الوقت الذي ادعت فيه الشرطة التونسية أن الرجل يعاني من مرض تنفسي مزمن، وتوفي بسبب الاختناق بالغاز المسيل للدموع، أكدت منظمة «هيومن رايتس ووتش» في تحقيقها حول حادثة الوفاة أن «مقاطع الفيديو والروايات تشير إلى احتمال كبير بأن سيارة الشرطة صدمت اليفرني أثناء محاولتها تفريق الاحتجاجات». ونقلت المنظمة عن أنيس النفزي (29 عامًا) قوله إنه: «شاهد سيارة شرطة تُسرع في اتجاههم، لمحاولة تفريقهم على ما يبدو. فرّ الأشخاص في كل الاتجاهات، لكن السيارة صدمت واحدًا منهم»، وشوهدت علامات حمراء كبيرة على جسد اليفرني، وبدا ظهره مكسورًا حين حاول المتظاهرون القيام له بإنعاش قلبي- رئوي.

وتظهر الأرقام التي صدرت في عام 2016 أن أكثر من 60% من حالات التعذيب؛ قد مارستها الشرطة التونسية، بينما بلغت الحالات التي ارتكبها حراس السجون حوالي 30%، ولم تتجاوز نسبة سوء المعاملة على يد الحرس الوطني 10%. كذلك كان العدد الأكبر من القضايا المسجلة لدى المنظمات الحقوقية في عام 2017، تقف وراءه أجهزة الشرطة، ثم السجون في المرتبة الثانية، يليهما جهاز الحرس (الدرك).

القوات المسلحة التونسية.. قصة جيش لا يسعى إلى السلطة!

النقابات الأمنية التونسية: «ليّ ذراعك يا علاف»

في السادس والعشرين من فيفري (فبراير/ شباط) 2018، استعدت المحكمة الابتدائية في ولاية بن عروس (شمال تونس) لمحاكمة خمسة عناصر أمنية متهمين بشبهة تعذيب مواطن تونسي، وما إن بدأ القاضي بمباشرة عمله حتى عج فضاء المحكمة بأعداد كبيرة من منتسبي النقابات الأمنية مدججين بالسلاح، وتمكنوا من تحرير زملائهم الموقوفين.

تظاهرة للتنديد بتعذيب الشرطة في تونس

هذا المشهد التراجيدي الذي أوحي تلقائيًّا بأن السلطة القضائية في تونس، توقفت عن عملها داخل المحكمة تحت تهديد الأمن، أثار غضب التونسيين وخوفهم من كون تجاوزات النقابات الأمنية أصبح ترقى إلى مرتبة الجرائم المنظمة، فالنقابات التي ُمح بإنشائها في 25 ماي (مايو/ أيار) 2011، أصبحت تنظم مظاهرات ووقفات احتجاجية أمام قصر الحكومة والبرلمان، في تحدٍ لقانون الطوارئ المعمول به في تونس ويمنع مثل هذه التظاهرات. وكذلك تقوم هذه النقابات بالعمل على تقزيم عمل مؤسسات الدولة وأخذ دور بعضها، ولا تتوانى عن الابتزاز وتبادل المصالح، يرى الحقوقيون التونسيون أن النقابات في ظل وجود حكومة تكرس ثقافة الإفلات من العقاب أخذت تتمرد على القانون والدولة.

فحسب بيان نظمة «POMED» الأمريكية، الذي جاء ردًّا على هجوم نقابات قوات الأمن الداخلي على محكمة بن عروس، فإن «هذه النقابات سعت صراحة إلى كبح الرغبة الثورية في تطهير قطاع الأمن وإصلاحه، وأصبحت تتدخل في الترقيات الوظيفية، وفي تعيين المديرين العامين في وزارة الداخلية». كما كان من أهمّ نتهاكاتها: «الرشوة، والتواطؤ مع المهربين، والتعذيب، وابتزاز السياسيين، وتعطيل المحاكمات القضائية، وتعطيل نقابات الشرطة المحاكمات، ما يؤدي إلى تآكل سيادة القانون، والسيطرة المدنية على قوات الأمن، وهي المكونات الحاسمة للديمقراطية».

وقد وصل الأمر بهذه النقابات إلى حد التهديد برفع الحماية الأمنية عن نواب البرلمان، ورؤساء الأحزاب الممثلة في مجلس نواب الشعب، حدث ذلك في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، حين طالبت النقابات بعرض مشروع قانون زجر الاعتداءات على القوات الحاملة للسلاح جلسة عامة في البرلمان التونسي، وطالبت أن يتم ذلك في ظرف 15 يومًا، وبالفعل تم عرض القانون في البرلمان بنصوصه المثير للجدل، ومنها عقوبة العامين بالسجن «لكلّ من تعمد تحقير القوات المسلحة بقصد الإضرار بالأمن العام»، وكذلك يعاقب «بالسجن بقية العمر كل من تعمد حرق أو هدم مقر أسلحة أو حرق أو تحطيم عربة أو آلية تابعة للقوات المسلحة»، كما يعاقب بالسجن مدة خمسة أعوام «كل من هدد بارتكاب جناية أو جنحة في حق عون من الأعوان».

Embed from Getty Images

والدة شاب تونسي قتل في السجن

وتتحرك هذه النقابات حتى للانتقام من الأشخاص الذين انتقدوها، كأن تلغي دون وجه حق، حفلات مغني الراب الشهير أحمد بن أحمد المشهور بـ«كلاي بي بي جي» في محافظة المهديّة الساحلية، بسبب تأديته لأغنية راب تنتقد بعض تصرفات قوات الأمن. إذ لم تكتف عناصر الأمن بالانسحاب من حماية الحفل ومقاطعة الحفلات اللاحقة للمغني، بل اتهّم كلاي جي لاحقًا قوات الأمن بمهاجمته هو وأعضاء فرقته بالهراوات والقنابل المسيلة للدموع فور مغادرتهم لمسرح المهرجان. وسبق أن أجبرت هذه النقابات مسؤولي أكبر المهرجانات في تونس على منحهم وعائلاتهم تذاكر دخول مجانية للحفلات، بعد أن هددتهم بعدم تأمين حفلات المهرجان حال لم يتم الاستجابة لمطلبهم.

ولن يفلت الصحافيون التونسيون من العصا البوليسية للنقابات الأمنية، فقد ارتفعت وتيرة الاعتداءات ضدهم في الفترة الأخيرة، حتى وثقت دراسة لنقابة الصحافيين التونسيين 25 شكوى خاصة بانتهاكات للنقابات الأمنية، قدمها الصحافيون خلال عام 2018، بينما قال 64.4% من الصحافيين المشاركين في الاستطلاع، والذين تعرضوا لاعتداءات من القوات الأمنية إنهم لم يتلقوا أي اعتذار من الشرطة أو وزير الداخلية، وهو وضع دفع نقابة الصحافيين في تونس لتأكيد أن ممارسات وزارة الداخلية تذكّر بزمن الاستبداد في النظام السابق. فلم تكتف صفحة نقابة قوات الأمن الداخلي في مدينة صفاقس بوصف الصحافيين بالخونة لنقدهم سياسات وزير الداخلية المتعلقة بحرية الصحافة، بل تطاول عليهم الناطق الرسمي باسم النقابة الجهوية لقوات الأمن الداخلي في صفاقس، السيد نور الدين الغطاسي، حين قال وهو يهدد الصحافيين بسطوة رجال الشرطة: «الداخلية برجالها يبولوكم الدم، ويحبلوا الذكر قبل الأنثى».

مظاهرات أثلجت الإمارات.. قصة الاحتجاجات المشتعلة في تونس الآن

انون الإرهاب وزمن الممارسات النوفمبرية

اتخذت القوى الأمنية في تونس سلسلة الهجمات المسلحة، ذريعة لتشديد الإجراءات الأمنية، فزادت من الاعتماد على قوانين الطوارئ، التي لا يتماشى كثير منها مع التزامات تونس الدولية في مجال حقوق الإنسان.

Embed from Getty Images

مظاهرة ضد تعذيب الشرطة في تونس

وادعت أن الغرض من هذه الإجراءات هو منع الهجمات الإرهابية، ومنع آلاف التونسيين من الانضمام إلى الجماعات المسلحة، بل إن الحكومة التي فازت في الانتخابات الأخيرة لم تخجل من القول بأنه لا مكان لحقوق الإنسان في مواجهة «الإرهاب» مدعومة بخطاب إعلامي قوي.

وظهر بوضوح تبني العناصر الأمنية لممارسات نظام بن علي منذ مطلع سنة 2015، حين وقعت هجمات إرهابية في متحف باردو وشاطئ مدينة سوسة، فاعتقلت قوى الأمن على إثر هذه الأحداث أكثر من 100 ألف شخص دون سند قانوني حتى إخلاء سبيلهم لعدم إدانتهم، فيما تعرض أشخاص لمجرد مظهرهم أو لمعتقداتهم الدينية إلى تفتيش منازلهم بدون إذن قضائي، ولأوامر تعسفية بالإقامة الجبرية، ولقيود على السفر، في ما يُعرف بالإجراءات الحدودية (أوامر إس 17).

بيد أن تقرير لـ«منظمة العفو الدولية» (أمنستي)، أكد أن من تم اعتقالهم على شبهة الإرهاب قد «تعرضوا لضرب وحشي بالعصي والخراطيم المطاطية، ووُضعوا في أوضاع مؤلمة، مثل وضع (الفروج المشوي)، أو أُجبروا على الوقوف فترات طويلة، أو صُعقوا بصدمات كهربية، أو حُرموا من النوم، أو تعرضوا لصب الماء البارد عليهم». كما عرض التقرير حالات تعرضت للعنف الجنسي، بما في ذلك الاغتصاب.

ويؤكد التقرير أن «العامين الماضيين قد شهدا تزايدًا يبعث على القلق في استخدام أساليب قمعية ضد المشتبه بهم في قضايا تتعلق بالإرهاب، وهو الأمر الذي يعيد إلى الأذهان أمثال تلك الأساليب في عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي».

Embed from Getty Images

محامي تونسي تعرض لتعذيب في عهد بن علي

حسب تقرير «أمنستي» «فرضت قوات الأمن تلك الإجراءات (مكافحة الإرهاب) على نحو تعسفي وقمعي ويتسم بالتمييز. وتهدد هذه الانتهاكات بإهدار المكاسب التي تحققت على مدار السنوات الست الماضية، والتي شهدت تمتع التونسيين بقدر أكبر من حرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات، وهي الحقوق المكفولة في الدستور الصادر عام 2014». وينقل التقرير الذي جاء تحت عنوان «نريد نهاية للخوف: انتهاكات حقوق الإنسان في سياق حالة الطوارئ في تونس»؛ قصة أحمد (اسم مستعار) الذي قُبض عليه في مدينة بن قردان، في مارس (آذار) 2016، إذ قال الرجل: إن «أفراد قوات الأمن اقتحموا منزل أسرته بالقوة، واعتدوا بالضرب على زوجته؛ مما أدى إلى إجهاض حملها، كما ألقوا القبض على اثنين من أشقائه، وتعرض للتعذيب، بما في ذلك اغتصابه بعصا، في مركز الشرطة»، كما قال الرجل: «ظلوا يضربونني إلى أن فقدت الوعي.. ضربوني على ساقيّ، وقدميّ، وذراعيّ فامتلأت بالرضوض والتهبت. ولا تزال تنتابني كوابيس بسبب التعذيب الذي تعرضت له. ظلوا يضربونني إلى أن انخلعت بعض أظافر قدميّ».

«ميدل إيست آي»: ثورة تونس تصمد خلف واجهة من «النجاح»

المصادر

تحميل المزيد