قطر ودول الحصار

منذ بدء الأزمة الخليجية داومت دول حصار قطر وخاصة الإمارات والسعودية، التأكيد على عدم وجود إشارات انفراجها، وأن حل الأزمة لا يشكل أولوية بالنسبة لهما، في ظل إصرار قطر على عدم تحقيق شروطهما للمصالحة. لكن عدة تحركات اتخذتها الدولتان الخليجيتان مؤخرًا، أظهرت تراجعًا في تعامل الدولتين مع ملف الأزمة الخليجية.

هذا التقرير يقرأ هذه التحركات وما قد تعنيه، وأثره على الأزمة الخليجية والعلاقات الدبلوماسية بين قطر وقطبي الحصار، السعودية والإمارات.

«ذي إنترسبت»: هذه خطة السعودية لغزو قطر التي منعها تيلرسون فأقاله ترامب

هل تنهار الأزمة الخليجية أمام دبلوماسية «حب الخشوم»؟

واحدة من جملة تبعيات حصار قطر كان حظر الشحنات ذات المنشأ القطري من دخول موانئ الإمارات ومياهها الإقليمية، بالإضافة إلى قطع الإمارات جميع خطوط التواصل، وإغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات القطرية، وحاولت كذلك تعطيل عمل الموانئ القطرية. لكن في 12 فبراير (شباط) الجاري، قررت موانئ أبوظبي إلغاء هذا الحظر، وسمحت للشحنات ذات المنشأ القطري من دخول موانيها، عدا السفن التي ترفع علم قطر، والمملوكة لشركات شحن قطرية أو مواطنين قطريين.

Embed from Getty Images

الموانئ الإماراتية

وفي 23 فبراير الجاري انطلقت مناورات «درع الجزيرة المشترك 10»، والتي تستمر حتى 12 مارس (آذار) المقبل، بمشاركة قوات قطرية كانت قد وصلت في وقت سابق إلى قاعدة الملك عبد العزيز الجوية بالسعودية، واستقبلها رئيس لجنة الاستقبال العميد ناصر إبراهيم السالم. وذكرت وزارة الدفاع القطرية في بيانها أن: «التمارين الخليجية المشتركة، تهدف إلى زيادة توحيد المفاهيم والخطط الاستراتيجية العسكرية، وزيادة الترابط والتجانس بين القوات المشاركة من دول مجلس التعاون الخليجي».

وهو الموقف ذاته الذي أكدت عليه السعودية، إذ قال رئيس «مركز القرن للدراسات» في الرياض، سعد بن عمر أن: «الرياض تنظر لقوات درع الجزيرة على أنها تمس أمن الخليج بصفة عامة، وليس قطر وحدها، وتعني الرياض هنا أن أمن قطر يختص بالمملكة العربية السعودية، وبقية مجلس التعاون، فلا خلاف في أن تشارك قطر في تلك المناورة من منطلق أن أمن قطر يهم المملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج».

وجدير بالذكر أن تمرينات «درع الخليج المشترك رقم 1» سبق وأن أقيمت بالسعودية في أبريل (نيسان) 2018، لكن الرياض آنذاك لم تعلن بشكل رسمي مشاركة قطر، رغم رفع العلم القطري ضمن أعلام الدول المشاركة في التمرين، وبقي الأمر بدون وضوح، حتى عادت القوات القطرية وأعلنت وزارة الدفاع القطرية أن قواتها المسلحة شاركت في التمرينات بناء على دعوة تلقتها من رئيس أركان القوات المسلحة السعودي، وكان ذلك أول تمرين عسكري مشترك بين قطر والدول المقاطعة لها منذ بدء الأزمة الخليجية.

وبالحديث إلى مدير «مجموعة مراقبة الخليج»، يقول ظافر العجمي أن: «التعاون العسكري الخليجي هو جوهرة التاج في شبكة العلاقات الخليجية برغم أن الطبيعة السرية للعمل العسكري لا تُظهر مداه ولا تظهر عمقه». ويضرب العجمي مثالًا بما حدث مع بريطانيا في البريكست، حين قررت التخلي عن روابطها الاقتصادية، وعن كافة أشكال روابطها مع أوروبا، لكنها لن تخرج من «حلف الناتو» لأنه ضرورة أمنية. فقد كان بإمكانها أن تنفرد بقرارها السياسي، وقرارها الاقتصادي لكن ليس من السهولة أن تتخلى دولة عن شراكاتها العسكرية أو الأمنية، ولذلك يعتقد العجمي خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن التعاون العسكري الخليجي سيكون بمثابة جسر عودة العلاقات الخليجية لبعضها، وأن هذا التعاون هو ما سيعيد العلاقات بين دول مجلس التعاون ويعمل على زوال الأزمة الخليجية، بحسبه.

Embed from Getty Images

تدريبات عسكرية خليجية مشتركة -أرشيف

ويضيف العجمي لـ«ساسة بوست»: «في الكويت راهن صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر على أن الزمن هو ثلثي حل الأزمة، فأشاع ما يعرف بثقافة مجالسة الخصوم، ذاك الأسلوب الذي تنتهجه الكويت في وساطتها بجمع الفرقاء، وإن لم يكن تحت مظلة سياسية، بدليل أننا شاهدنا اجتماعًا لرؤوساء البرلمانات الخليجية للدول الست، وكان هناك اجتماع رياضي للدول الست واجتماعات شبابية، ولم تمنع الأزمة أن نشاهد فعاليات اقتصادية ورياضية مشتركة».

ويضيف العجمي: «في تقديري أن عواصم الغضب تتحول إلى عواصم العتب، الأزمة الخليجية في طريقها للحل لكن كما قلنا يجب إعطاء الزمن الحق في حل مثل هذه الأمور». ويشدد العجمي على أهمية الدبلوماسية الخليجية التي أثبتت فعالياتها في طي الكثير من الخلافات، وهي دبلوماسية احترام الكبير أو صلح العرب أو ما يسمى بدبلوماسية حب الخشوم، وتابع القول: «هذه الدبلوماسية أراهن أنها ستكون هي ما يحل الأزمة الخليجية بحكم أنها دبلوماسية أثبتت فعاليتها في الكثير من الأزمات الخليجية السابقة داخل البيت الخليجي، وهي دبلوماسية لا تعترف بما في الاتفاقيات بقدر ما تعترف بما في النفوس».

بلغة الأرقام.. ماذا استفاد الاقتصاد القطري بمقتل خاشقجي؟

دول الحصار وحفظ ماء الوجه أمام المنظمات الدولية

يعتبر الباحث السياسي في العلاقات الدولية رامي الجندي أن قرار السلطات الإماراتية بالسماح للسفن القطرية بالمرور هو قرار سياسي واقتصادي بامتياز؛ ويرجعه إلى إدراك السلطات الإماراتية أنها تخسر مصداقيتها أمام المنظمات الدولية، إذ ادعت الإمارات الشهر الماضي في شكوى إلى «منظمة التجارة العالمية»، أن قطر هي من يفرض الحصار عليها. لكن الحقيقة أن قطر قد سبقت الإمارات في تقديم شكوى ضد الأخيرة إلى «منظمة التجارة العالمية» في يوليو (تموز) 2017، أي بعد شهر واحد من الحصار الرباعي عليها.

Embed from Getty Images

احتفال فريق قطر بالفوز في كأس آسيا على الأرض الإماراتية

ويشدد الجندي خلال حديثه لـ«ساسة بوست» على أن الحراك الدبلوماسي القطري في الساحة الدولية، وضع دول الحصار في مأزق كبير، بعد العديد من اتفاقيات التعاون المشترك الدولية، والتدريبات العسكرية المشتركة سواء مع الولايات المتحدة الأمريكية أم مع غيرها، لذلك فإن السعودية والإمارات، المنهكتان اقتصاديًا من حرب اليمن المستمرة منذ سنوات؛ ترغبان «بصفتهما مُحاصِر لقطر»، في عودة العلاقات الاقتصادية، لكن يمنعهما كبرياؤهما من ذلك، بحسب الجندي.

ويستدرك الجندي القول: «ربما رأت الإمارات في قرار عودة التجارة البينية شرط عدم رفع علم قطر على السفن، أفضل الطرق في معالجة تكتيكية للأزمة المفتعلة والتي لا أساس قانوني لها»، ويشير الجندي إلى خروج تقارير مؤسسات دولية اقتصادية تتحدث عن تراجع الوضع الاقتصادي الاماراتي وإغلاق الآلاف من الشركات الأجنبية في الامارات، وإرجاع شيكات مستحقة بقيمة 7 مليار دولار. ويضيف خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن الوضع الاقتصادي السعودي ليس ببعيد أيضًا، بينما الوضع الاقتصادي في قطر يتقدم إلى مزيد من الرخاء بفضل صفقات اقتصادية متعددة للغاز مع أوروبا، فقد وقعت «قطر للبترول» مؤخرًا عقودًا مع شركات عالمية ومحلية بنحو 2.5 مليار دولار في قطاع الطاقة، كما حققت قطر فائضًا في الميزان التجاري لعام 2018، بلغ 52.6 مليار دولار بزيادة 40% عن عام 2017.

Embed from Getty Images

محكمة العدل الدولية في لاهاي خلال جلسة للنظر في انتهاكات الإمارات ضد قطر

وفيما يتعلق بمشاركة قطر في تدريبات درع الجزيرة، فيعتقد الجندي أنها رسالة سياسية من قطر بأنها ملتزمة ومشاركة في أي تدريبات للدفاع عن أمن الخليج وحماية أراضيه، وأنها جزء ومكون رئيسي في منطقة الخليج، بجانب التزامها بعضوية دول مجلس التعاون الخليجي؛ مشددًا على أن مصير الأزمة الخليجية، مرهون بتغيير سياسي جوهري في مراكز صناع القرار لدى الدول المحاصِرة لقطر؛ عبر تغليب منطق العيش المشترك والتعاون والمصلحة العامة، حيث أن مهددات منطقة الخليج ليست حكرًا على دولة دون غيرها.

دول الحصار في «موقف محرج»

لا يستبعد أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة صنعاء، عبد الباقي شمسان، وجود ضغوط دولية على دول الحصار بهدف تخفيف الكثير من الإجراءات، أو رفع الحصار جملة إذا استدعى الأمر، مستدركًا خلال حديثه إلى «ساسة بوست»: «لكن يبدو لي أن إجراءات رفع الرسوم والسماح بمرور السفن دون رفع العلم القطري هي ذرة ما لامتصاص الضغط الدولي الذي يريد عودة اللحمة الخليجية بهدف التركيز على استهداف إيران، فدول الحصار استراتيجية ما زالت تستهدف قطر».

Embed from Getty Images

الرئيس المصري وولي العهد السعودي

ويضيف خلال حديثه لـ«ساسة بوست»: «من خلال قراءة تداعيات المؤتمر الأخير في شرم الشيخ أعتقد أن دول الحصار وتحديدًا مصر والبحرين والسعودية والإمارات متجهة نحو تشديد الحصار، فقد تكشف أن هناك هدفًا مركزيًا لهذه البلدان بقلب نظام الحكم أو استمرار الحصار ضد قطر، لكني أعتقد أن الفشل حليف لتلك البلدان لأن ليست لها مسوغات قانونية أو مسوغات يمكن الاستناد إليها لإحداث أي تغيير في قطر، فهناك توازنات إقليمية ودولية لا يمكن تجاوزها»، ويتابع القول: «كان المخطط لإسقاط النظام في قطر، لكن الدوحة استطاعت امتصاص لحظة الحصار المفاجئة نظرًا لقدرتها وعلاقاتها، وأيضًا لما كان لديها من بعض الخطط التي أعدتها باعتبارها نوعًا من درء الخطر في حال فرض حصار».

ويوضح شمسان أن دول الحصار الآن في حالة صدمة من كون قطر استطاعت أن تسوق للعالم مدى قدرتها وحرفيتها، مما وضع دول الحصار في موقف محرج خاصة أنها لم تستطع تقديم مبررات لهذا الحصار، وهو أمر متزامن مع السياسات والإجراءات في اليمن ولبنان وحادثة مقتل المعارض السعودي جمال خاشقجي التي أضعفت موقف دول الحصار أيضًا.

ويشير شمسان إلى وجود صراع بين تياران في الإدارة الأمريكية، يختلفان حول هل يتم إعادة قطر إلى حاضنتها ليتشكل ناتو لمواجهة إيران أو تستنزف بقية دول الخليج، ويقول: «حتى اللحظة ما زال الموقف الأمريكي في صراع بين بيوت مصانع القرار وبين استثمار الفجوة الخليجية بحيث يتم استنزاف دول الخليج بهذا الانقسام وتصفية بعضها البعض مع بقاء الوضع الإسرائيلي في علاقة تطبيع تدريجيًا كما هو الحال في وارسو»، ويختم بالقول: «حتى يحسم ذلك أعتقد أن قطر استطاعت أن تخرج من عنق الزجاجة، وأن تحقق إنجازات على دول الحصار وأن تسوق ذاتها على أنها دولة صغيرة ولكنها كبيرة من حيث علاقتها من حيث امتلاكها للمعرفة وبيوت الخبرة في كيفية تجاوز الأزمة».

«التليجراف»: مباراة السعودية وقطر.. سلاحٌ مهم في حرب العلاقات العامة بينهما

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد