جاء القانون الدولي واتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، التي صدرت عام 1961، واتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية الصادرة عام 1963، ليصدروا ما يُعرف بـ«الحصانة الدبلوماسية»، و«الحصانة القنصلية»، وهما المصطلحان اللذان يعطيان امتيازات وحصانة لأفراد البعثة الدبلوماسية والقنصلية لدولةٍ ما في الدولة المستقبِلة، ولكن ماذا لو تعارضت هذه الحصانة مع انتهاكات قانونية من قبل أحد أفراد البعثات الدبلوماسية في الدولة المضيفة؟

تعد قضية مقتل الصحافي السعودي المعارض جمال خاشقجي القضية الأبرز الموجودة على الساحة الدولية في الوقت الحالي، وهي القضية التي أعادت مرة أخرى الحديث عن القانون الدولي والعلاقات الدبلوماسية والقنصلية بين الدول، وتحديدًا بين تركيا والمملكة العربية السعودية في هذه القضية.

هل فاتك شيء من القصة؟ أهم محطات أزمة خاشقجي منذ اختفائه وحتى الآن

القضية أيضًا أعادت تسليط الضوء على الحصانات الممنوحة لمقار البعثات الدبلوماسية والقنصلية؛ إذ تم طرحها مرة أخرى بسبب رغبة تركيا في تفتيش مقر القنصلية السعودية في إسطنبول؛ حيث شوهد خاشقجي للمرة الأخيرة، عندما دخل القنصلية في الثاني من أكتوبر (تشرين الثاني) الجاري، من أجل تجديد بعض الأوراق الرسمية الخاصة به.

وبعد إعلان موقع «الجزيرة» الإخباري، بحسب مصادرة تركية، أن جريمة مقتل الصحافي السعودي المعارض، جمال خاشقجي، تمت في غرفة القنصلية السعودية في إسطنبول، وبحضور القنصل السعودي، محمد العتيبي شخصيًا، هل يمكن محاكمة القنصل السعودي؟ وهل لهذا السبب غادر تركيا عائدًا إلى المملكة العربية السعودية هربًا من التوقيف؟

جدل قانوني حول المصير الذي ينتظر العتيبي في قضية خاشقجي

يعد رئيس البعثة الدبلوماسية، أو القنصلية، ممثلًا عن دولته داخل السفارة أو القنصلية؛ أي أن القنصل السعودي في إسطنبول، محمد العتيبي، يعد مسؤولًا عن أي شيء يحدث داخل القنصلية السعودية في إسطنبول، وفي الوقت الذي تحقق فيه السلطات التركية بعد دخول القنصلية التركية، فإن الشبهات تحوم حول تورط القنصل السعودي في مقتل خاشقجي، بعد الأنباء حول تقطيع جثته إلى أجزاء، ونقل جزء منها إلى منزل القنصل السعودي، ودفن جزء آخر في حديقة القنصلية. ولكن ماذا يمكن أن يحدث للعتيبي طبقًا للقانون الدولي، بعد ذكر مصادر تركية ثبوت تورطه في القضية وعلمه بها؟

المادة 41 من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية نصَّت على أنه «مع عدم المساس بالمزايا والحصانات، على الأشخاص الذين يتمتعون بها احترام قوانين ولوائح الدولة المعتمدين لديها، وعليهم كذلك واجب عدم التدخل في الشؤون الداخلية لتلك الدولة». يأتي هذا في الوقت الذي عارض فيه عدد من فقهاء القانون الدولي الحصانة المطلقة التي يحصل عليها المبعوث الدبلوماسي، والتي قد تستخدم فيما يتعارض مع وظيفته الدبلوماسية.

يأتي هذا في الوقت الذي يتمتع العتيبي بالحصانة القنصلية، فهناك فرق بين الحصانة الدبلوماسية والحصانة القنصلية؛ إذ تعتمد الحصانة الدبلوماسية على النصوص المذكورة في اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية 1961، ويختص بها السفراء فقط، أو القائمون على السفارة، حتى لو كانوا بدرجة قنصل أو وزير مُفوِّض؛ فالحصانة التي يتمتع بها السفير أو رئيس البعثة الدبلوماسية تشمل حصانة قضائية بسبب منصبه، بالإضافة إلى حصانة شخصية مطلقة لشخصه، فلا يمكن إيقافه تحت أي ظرف من الظروف في الدولة المستقبلة؛ وذلك بسبب اعتبار السفارة أعلى أشكال التمثيل الدبلوماسي بين طرفين؛ فهي تدير الأمور السياسية، والتجارية، والخدمية في الوقت نفسه، بينما تتعلق القنصلية بالأمور الخدمية فقط في حال وجود سفارة للبلد المعتمدة، وهو الحال في تركيا؛ إذ توجد سفارة للمملكة العربية السعودية في أنقرة، بالإضافة إلى القنصلية السعودية في إسطنبول.

ومن هنا يكون «العتيبي» رئيسًا فقط للبعثة القنصلية السعودية في تركيا، وليس رئيسًا للبعثة الدبلوماسية جميعها التي يرأسها السفير السعودي في أنقرة وليد عبد الكريم الخريجي. فالحصانة القنصلية الممنوحة للعتيبي نابعة عن المادة 43 في اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية 1963؛ والتي تطرقت إلى موضوع الحصانة القنصلية؛ إذ نصت على أنه:

«1- لا يخضع الموظفون القنصليون لصلاحية السلطتين العدلية والادارية في الدولة المضيفة فيما يتعلق بالأعمال المنجزة في مجرى ممارستهم الأعمال القنصلية.

2- إن أحكام الفقرة الأولى من هذه المادة لا تسري على الدعاوى المدنية الناشئة:

أ- إما عن عقد مع موظف قنصلي أو مستخدم قنصلي لم يتعاقد فيه صراحة أو ضمنًا بالنيابة عن الدولة الموفدة.

ب- أو عن فريق ثالث يطلب التعويض عن الأضرار اللاحقة به في أراضي الدولة المضيفة من جراء حادث سيارة أو سفينة أو طائرة».

القنصل السعودي في إسطنبول محمد العتيبي – المصدر: سبوتنيك

ومن هنا خرجت مجموعة أخرى من فقهاء القانون الدولي المختلفين والمنتقدين لاتفاقية فيينا التي تمنح حصانة كبيرة للمبعوثين الدبلوماسيين أو القنصليين؛ فبالنسبة للحصانة القنصلية، التي يتمتع بها العتيبي، إذ يرى بعض الفقهاء القانونيين أن اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لا تمنع إيقاف واعتقال أحد أفراد البعثة القنصلية، أو حتى رئيسها، استنادًا إلى المادة 41 والمادة 42 من الاتفاقية نفسها؛ إذ ذكرت المادة 41 في فقرتها الأولى أنه لا يخضع الموظفون القنصليون للاعتقال أو التوقيف الاحتياطي بانتظار المحاكمة، إلا في حالة الجرم الخطير، وتنفيذًا لقرار السلطة العدلية المختصة، ومن هنا استند عدد من الفقهاء القانونيين على أن ما فعله «العتيبي» باعتباره شاهدًا ومتورطًا في مقتل «خاشقجي» يعتبر جرمًا خطيرًا، وأن قرار إيقافه أو اعتقاله في تركيا سيكون قانونيًا طالما جاء بقرار قضائي، وبالتالي يمكن اعتقاله وإيقافه ومحاكمته.

الجدير بالذكر أن من أحد أشهر حالات انتهاك أحد أفراد البعثة القنصلية للقانون الداخلي للدولة المستقبلة، هي حالة الدبلوماسية الهندية دفياني خوبراجاد، نائب القنصل الهندي العام في نيويورك، والتي أوقفتها السلطات الأمريكية في أواخر عام 2013 بسبب كذبها في وقتٍ سابقٍ من أجل الحصول على تأشيرة دخول الولايات المتحدة الأمريكية، وبسبب سوء معاملة خادمتها وإعطائها راتبًا أقل من المتفق عليه معها.

وقد قامت الولايات المتحدة الأمريكية بإيقاف الدبلوماسية الهندية واعتقالها وتفتيشها عارية مثل باقي السجينات في السجون الأمريكية، إلا أنه تم الإفراج عنها بعد يومٍ واحدٍ فقط؛ لتتلقى مذكرة من قِبل الخارجية الأمريكية تطالبها بمغادرة الولايات المتحدة الأمريكية خلال 24 ساعة، وهو ما فعلته فعلًا الدبلوماسية الهندية.

أزمة اعتقال «خوبراجاد» أثارت غضب الحكومة الهندية آنذاك؛ إذ أعلنت تقليل الامتيازات التي يتميز بها الدبلوماسيون الأمريكيون في الهند؛ إذ قامت بإغلاق نادٍ وملهى ليلي كان مخصصًا للبعثة الدبلوماسية في نيودلهي، كما أزالت أجهزة الأمن الهندية حواجز كانت تنصبها الشرطة في محيط السفارة الأمريكية في نيودلهي. الجدير بالذكر أن الولايات المتحدة الأمريكية لديها قانون خاص بها من أجل معاملة الدبلوماسيين الأجانب في الولايات المتحدة، وهو القانون المتعلق بالحصانة الدبلوماسية والقنصلية التي أصدرته وزارة الخارجية الأمريكية، والذي يشرف عليه قسم الأمن الدبلوماسي، ولهذا السبب، ذكرت بعض وسائل الإعلام أن المملكة العربية السعودية لم تتمكَّن من قتل خاشقجي في قنصلية بلاده في نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية.

ماذا لو تورَّط السفير السعودي في أنقرة أيضًا؟

يعتبر السفير السعودي في أنقرة، وليد عبدالكريم الخريجي، رئيس البعثة الدبلوماسية السعودية في تركيا، وفي حال تورطه وعلمه بمقتل الصحافي السعودي المعارض، جمال خاشقجي، فلا يمكن بأي شكلٍ من الأشكال إيقافه، أو اعتقاله، أو محاكمته؛ وذلك بسبب تمتعه بحصانة قضائية بسبب منصبه كسفيرٍ ودبلوماسي في تركيا، وأيضًا بسبب تمتعه بحصانة شخصية مطلقة كرئيسٍ للبعثة الدبلوماسية.

الكثير من فقهاء القانون الدولي انتقدوا هذه الحصانة المطلقة لرؤساء البعثات الدبلوماسية؛ إذ يرى منتقدو الحصانة الدبلوماسية أن الحصانة القضائية للمبعوث الدبلوماسي يجب أن تكون مرتبطة بأعماله الرسمية، ومن المفروض أنه بمجرد الانتهاء من أعماله ترفع عنه الحصانة بصفة مباشرة وتلقائية، إلا أن القانون الدولي لم يقدم ما يمكن أن يدين المبعوث الدبلوماسي الذي يرتكب جريمة في الدولة المستقبلة بعد، مفترضًا حسن سلوك المبعوثين الدبلوماسيين في كل دول العالم، وبالتالي لا يمكن محاكمة أو استدعاء السفير السعودي في أنقرة، حتى لو كان على علم بجريمة قتل خاشقجي، وحتى لو كان شاهدًا عليها؛ بسبب منصبه وحصانته الشخصية الدبلوماسية المطلقة.

ويعد انتهاك أحد أعضاء البعثة الدبلوماسية لأحد حقوق الإنسان، أو ارتكابه أي جريمة في الدولة المستقبلة، أمرًا خطيرًا للغاية، ويلقي بالمسؤولية على هذا الفرد أولًا، وعلى دولته ثانيًا؛ إذ يفترض القانون الدولي أن كل دولة ترسل أفضل من يستطيع تمثيلها في بعثتها الدبلوماسية. وهذا قد يستدعي في بعض الأحيان قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

السفير السعودي في أنقرة، وليد الخريجي مع أردوغان – المصدر: وكالة الأنباء السعودية

ولكن في الوقت نفسه، أقصى ما يمكن أن تفعله تركيا تجاه السفير السعودي في أنقرة، وليد الخريجي، في حال ثبوت تورطه في قضية اغتيال جمال خاشقجي هو إعلانها بأنه «شخص غير مرغوب فيه»، وذلك طبقًا للمادة التاسعة في اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، والتي ذكرت في هذا الشأن أنه «للدولة المعتمد لديها في أي وقت وبدون ذكر الأسباب أن تبلغ الدولة المعتمدة أن رئيس أو أي عضو من طاقم بعثتها الدبلوماسية أو طاقم البعثة من غير الدبلوماسيين أصبح شخصًا غير مقبول وغير مرغوب فيه، أو أن أي عضو من طاقم بعثتها كذلك، وعلى الدولة المعتمدة أن تستدعي الشخص المعني، أو تنهي أعماله لدى البعثة وفقًا للظروف».

وبالرغم من وجود العديد من الحالات التي انتهك فيها أفراد من البعثة الدبلوماسية جرائم مختلفة، مثل القيادة تحت تأثير الكحول، والاغتصاب والتحرش الجنسي، والقتل غير العمد، وغير ذلك، إلا أنها جميعًا كانت من قِبل أعضاء من البعثة الدبلوماسية، مثل السائقين، أو رجال الأمن، ولم تكن أبدًا من قِبل رئيس البعثة نفسها. الجدير بالذكر أن جميع هذه الحالات انتهت بغلق القضية في النهاية، أو بإعلان هذا الشخص «غير مرغوب فيه» على أقصى تقدير، بسبب الحصانة الدبلوماسية أمام القضاء والقوانين الداخلية، وكانت آخر هذه القضايا تورط سائق البعثة الدبلوماسية السعودية بألمانيا في مقتل أحد الدرَّاجين في العاصمة الألمانية، برلين.

ماذا يمكن لتركيا أن تفعله مع القنصلية السعودية الآن؟ القانون الدولي يجيبك

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!