كن منظّمًا وذا إيقاع يومي في حياتك، تكن قويًا وأصيلًا في أعمالك. دائمًا ما آمنت بهذه الكلمات، سواء في العيش أو العمل. مع إضافة القليل من الأشياء الممتعة التي تعطي مذاقًا للحياة. *غوستاف فلوبير

يعتقد كيث فرانكيش، الباحث والكاتب الإنجليزي، أن الحالة النفسية للفلاسفة تؤثِّر على تأملاتهم وكتاباتهم، فليست المسألة فك شفرة لغتهم ومقصد النص، ولكن يجب التعرف على شخصية هؤلاء الفلاسفة وما يفعلونه في يومهم، وهو ما يساعد في الاقتراب من أفكار هؤلاء الفلاسفة، مما يجعل تفسير نصوصهم أسهل، الفلسفة ليست مجرد قضايا مجتمعية وكونية كبيرة، لكن يمكن أن يكون ليومك المليء بالعادات اليومية أن يُثير أسئلة فلسفية: لماذا نأكل الأشياء التي نأكلها، ونعمل بالطريقة التي نعمل بها؟، ونذهب إلى الأماكن التي نذهب إليها؟ ما هي الأفكار التي تكمن وراء أنشطتنا الأساسية؟

لذلك يرى روبرت سميث مؤلف كتاب إفطار مع سقراط أنه يمكن للمرء أن يكتشف رؤى جديدة ويخلق منطِقه الخاص به عن طريق العادات اليومية التي يتخذها في حياته، ومحدودية تلك العادات تجعل حياة الإنسان بها مساحات من التركيز والإنجاز على العكس من الحياة التي تحمل أعمالًا عشوائية لا يمكن رصدها يُهدر فيها الانسان طاقته.
في هذا التقرير سنتعرَّف على العادات الغريبة لبعض الفلاسفة والتي أثرت على نمط تفكيرهم بشكل ما.

إمانويل كانط.. ينام قليلًا ليحظى بحياةٍ مديدة

لم يعرف «كانط» حياة المغامرة، فلم يسافر إلى أي دولة أجنبية، وقد كانت حياته محدودة في نطاق الجامعة والبيت. بالإضافة إلى ذلك أحب هذا الفيلسوف الألماني حكي القصص، فقد كان مشهورًا بين أصدقائه بقدرته على السرد، كما كان مطّلعًا على الأدب الإنجليزي والشعر، وتُعتبر موهبة الحكي مصدرًا من مصادر شهرته، وذلك لأنه كان يحكي قصصًا في حفلات عشاء لأصدقائه.

 

لوحة لكانط وهو جالس على مكتبه

كان لكانط آراء طبية وصحية غير سليمة، فقد كان يميل إلى النوم القليل، ويؤمن أن قلة النوم تعطي عُمرًا أطول لأن النوم أشبه بالموت، وكلما زادت عدد ساعات نومك قصرت حياتك، فكان يستيقظ من الساعة الخامسة صباحًا ويشرب كوبًا من القهوة ويُدخن التبغ، ويستخدم وقت التدخين من أجل التفكير والتأمل.

وعُرِف كانط بتقديس عاداته اليومية، وقد اعتقد أن الشخص ذو الأخلاق هو الشخص الملتزم بواجباته اليومية، ولذلك كان يمكن لسكان مدينة «كونغسبرغ» الألمانية أن يضبطوا ساعاتهم على موعد خروج كانط من البيت وموعد رجوعه، فالتزامه بالمواعيد بدقّة متناهيّة جزء أصيل في شخصيته.

 

فريدريك نيتشه.. السير وحيدًا وفي يده مدونة صغيرة وقلم

يستيقظ نيتشه مبكرًا قبل بزوغ الفجر ويأخذ حمامًا باردًا ثم يبدأ عمله إلى الساعة الحادية عشر ظهرًا.

أعتاد نيتشه أن يحمل سترته ومظلة ومدونة صغيرة وهو يسير داخل أحد الغابات القريبة من بيته بجوار بحيرة سيلفا بلانا حتى إذ أتته فكرة يقوم بتدوينها، فدائمًا ما كان يميل إلى العزلة وعدم الاختلاط بالآخرين حتى عندما كان يذهب إلى فندق البرنوز لتناول الطعام، كان يحاول أن يتخذ مكانًا ليس به أحد ليحتفظ بخصوصيته وعدم اختلاطه بالناس، ويُقال إن من أسباب استقالته من جامعة «بازل» السويسرية ملله من رفاقه الأكاديميين.

نبذة عن حياة نيتشه

لا شك في أن هذه الحياة، على الرغم من عزلتها، قد أدت إلى إنتاج بعض من أهم النصوص الفلسفية التي هزت طريقة تفكير العالم بشكل لم يسبق له مثيل. ربما لا ينافسه في القرن التاسع عشر سوى «كارل ماركس». كيف كانت الحياة اليومية لماركس بالمقارنة مع الكآبة والرهبانية التي غلبت على حياة نيتشه؟ بالتأكيد ماركس أيضًا كان له روتين يومي ثابت، وإن لم يكن متوازنًا بشكل دقيق.

 

كارل ماركس.. فوضى «خلّاقة»

على الرغم من أنه يعتبر واحدًا من أكثر الفلاسفة المنظّرين تأثيرًا في القرن العشرين؛ إلا أن حياة ماركس كانت مليئة بالفوضى والاضطراب، ويرجع ذلك جزئيًا إلى حالته المالية القاسية التي عانى منها بعد طرده هو وأسرته من فرنسا بسبب كتاباته السياسية، مما اضطرّه إلى العمل بشكل مكثف يوميًا. ولكن ذلك كان يعقبه نوبات من الإرهاق والمرض، وتوقف عن إنجاز أعماله، كما أنّ التدخين لعب أيضًا دورًا كبيرًا في انهيار ماركس جسديًا، وربما كانت للفوضى والمآسي في الحياة الشخصيّة لماركس دورًا قهريًا في الطريقة التي أنتج بها أفكار أعماله الفلسفية.

UNSPECIFIED – SEPTEMBER 17: Karl Marx in his studio, 1875, painting by Zhang Wun. Treviri, Karl-Marx-Haus (Photo by DeAgostini/Getty Images)

الفيلسوف الألمانيّ صاحب كتاب «رأس المال» الشّهير كان معتادًا على زيارة المتحف البريطاني كل صباح والجلوس في المكتبة، واضعًا فكرة على الورق ثم يقف ويبدأ في المشي حول طاولة عمله، وعندما تتكون لديه الفكرة في نهاية المطاف؛ يجلس بسرعة ويبدأ في الكتابة، ثم يعيد الكرّة مرة أخرى.

 

فولتير.. النوم قليلًا والقهوة كثيرًا

يُعد الفيلسوف الفرنسي فولتير واحدًا من أشهر فلاسفة التنوير في أوروبا، وقد عُرف بتناوله المستمر للقهوة، فقد كان يشرب من 20 إلى 40 كوب قهوة يوميًا، وكان يدفع أموالاً كثيرة لشرب أفخم أنواعها، كما كان يتجاهل نصائح الطبيب بأن القهوة سوف تقضي على حياته يومًا ما، ولكنه استمر في ذلك قائلًا: «قد تكون القهوة سامة، ولكني شربتها لمدة خمسة وستين عامًا، ولم أمت إلى الآن».

وقد كان الكاتب الفرنسي «هونور دي بلزاك» يشارك فولتير في إدمان القهوة، ويُقال إن هدفهم من هذا الإدمان كان إبقاء أدمغتهم فعالة طوال الوقت، ولذلك كانوا ينامون ساعات قليلة.

حياة فولتير (الفيديو بالإنجليزية)

 

خاتمة

إذا استعرنا مفهوم هيجل عن الفلسفة على أنّها سعي لفهم «زمنٍ متغير» يرصد الانتقالات التي يسلكها الإنسان مع الزمن، ويأتي هذا السعي من خلال تأملات مستمرة لسلوكيات البشر وإعادة اكتشاف الإنسان بشكل مستمر، فإننا نضع الحياة بأكملها تحت المجهر، أو كما وصف روبرت سميث حياة الفلاسفة على أنها حياة تجريبية تسعى لتحليل وكشف تفاصيل الحياة التي يمكن أن تبدو بديهية لمعظم الناس، لكنها تعيد التساؤل عن ماهية الأشياء.

يرى سميث أن هذا الكمّ الهائل من التفاصيل التي يرصدها الفلاسفة تجعل إخراجها على الورق شيئًا صعبًا، لذلك تحمل الفلسفة لغةً معقّدة، وتجعلنا ندرس حياة الفلاسفة ابتداءً قبل النظر في كتاباتهم، حتى نعلم أسباب تلك الكتابة المعقدة. وفي النهاية تبقى وجهات النظر حول كتابات الفلاسفة تابعة لسياقات معتقدات وثقافة هؤلاء الأكاديميين الذين يفترضون تأويلاتٍ عدة.

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد