علم الآثار من أكثر العلوم التي تعيد كتابة نفسها مع كل اكتشاف جديد، وقد لا تكون المواقع الأثرية والحفريات التي عثر عليها الإنسان، سوى قطرة في البحر الذي ما يزال يجري تحت سطح الأرض، وتسبح فيه أسرار التاريخ والمفاجآت التي يخبئها لنا. 

والمثير للاهتمام أنه ربما يعثر الأثري على عظمة صغيرة؛ تتسبب دراستها في هدم نظريات كاملة بناها البشر عن التاريخ، ولكن ما يراه بعضهم أكثر إثارة للاهتمام وأكثر تشويقًا؛ هو ما عثر عليه البشر ولم نتمكن من تفسيره حتى الآن؛ ما يفتح الباب للكثير من النظريات التي لا يستطيع العلم نفيها؛ ما لم يقدم أمامها أجوبة واضحة، وبدلائل قاطعة.

في هذا التقرير نحكي لك عن واحدة من المناطق الأثرية التي ينطبق عليها عنصر الغموض، وهي آركايم، القلعة الغامضة في روسيا، والتي طرحت سؤالًا أكثر غموضًا: «هل كان يسكنها الفضائيون؟»

أغرب الكشوف الأثرية: ما هي قصة ضحايا «بركان فيزوف» الذين خُلدت أجسادهم حتى الآن؟

قلعة غامضة حصينة حلزونية في روسيا

في عام 1987 عثرت البعثة الأثرية التابعة للجامعة على مستوطنة قديمة، محصنة بين جبال الأورال الجنوبية في روسيا، والتي يعود تاريخ إنشائها إلى ما بين القرنين السابع عشر والسادس عشر قبل الميلاد، وأطلقوا على هذا الموقع الأثري؛ اسم «آركايم»، والتي تعني «السماء والأرض».

ومن أهم معالم تلك المنطقة هي آثار القلعة، التي ما زالت بعض حفرياتها وآثارها بدون تفسير لدى علماء الآثار، ويحتوي الموقع الأثري على جدارين دائريين محاطين بجدار للحماية، وأسفله خندق مائي، وبين تلك الجدران يوجد منازل مستطيلة يقدر مساحة كل منها بحوالي 160 مترًا، وإذا رأيت الموقع من الأعلى، سيبدو وكأنه مدينة حلزونية دقيقة الصنع.

تصميم يجسد القلعة قبل أن تصبح آثارًا متهدمة في «آركايم». مصدر الصورة «ancient-origin

الباحثون الذين كرسوا وقتهم لدراسة الموقع الأثري، قارنوا تصميمه بتصميم الـ«ماندالا»، وهو رمز مقدس لدى الثقافة الهندوسية والبوذية، ومركز تصميم الماندالا يكون نقطة مقدسة؛ لأنها تجسد نقطة تركيز الأفكار وبدء التأمل، وفي التصميم الخاص بآركايم؛ يعتقد الأثريون أن مركزه كان مكانًا لتنفيذ الطقوس الدينية للبشر الذين أقاموا فيها، ولكنهم لم يستطيعوا تأكيد إن كان إقبال سكان آركايم على هذا التصميم بالصدفة، أم لخلفية ثقافية هندية لديهم.

عثر في هذا الموقع الأثري على نظام كامل للمياه والصرف الصحي، وبعض الفخار، وبقايا عظام، وأوانٍ وأفران، وداخل تلك المدينة الحلزونية الصغيرة، والتي أطلق عليها الأثريون وصف «قلعة»؛ عثر على مقابر من عاشوا فيها، وأكد الأثريون أن طريقة تصميم القلعة، والخدمات المتوفرة فيها، بجانب اختيار أماكن مثالية لكل خدمة؛ يدل على أن من بنوها خططوا لبنائها فترة طويلة، ودرسوا الأمر باحترافية ودقة، ولم تتم أي خطوة من خطوات التنفيذ بعشوائية، وهو الأمر الذي بدا غريبًا ومميزًا لاختلافه عن باقي المواقع الأثرية، التي يعود تاريخها إلى العصر البرونزي، الحقبة نفسها التي شيدت فيها تلك القلعة، بحسب الأثريين.

هيكل عظمي يثار حوله الجدل بآركايم

وقت العثور على هذا الموقع، تحدث علماء الآثار عن أنه كان حصنًا، ومسكنًا، ومكان عبادة، ومركزًا اجتماعيًّا لمدة تزيد عن 200 عام، ومن بعدها رحل من سكنوه، ولكن لم يستطع علم الآثار الإجابة عن سؤال: «من هم الذين عاشوا في تلك القلعة الحصينة؟» وظلت النظريات تتأرجح بين كونهم حضارة هندية أو أوروبية قديمة.

وزاد من غموض هذا الموقع الشائعات التي حامت حوله، والتي أثارتها شهادات بعض الصيادين أو المارين على هذا الموقع الأثري، والذين تحدثوا عن هلاوس شاهدوها، وأضواء غريبة تسطع فوق الموقع، وحالات شذوذ معناطيسي أيضًا، ولكن لم يثبت أو يوثق أي من تلك الوقائع.

ولكن عدم قدرة تفسير علم الآثار للغموض الذي يحوم حول تلك القلعة، وعدم الإجابة عن العديد من التساؤلات حتى الآن؛ قد فتح الباب لتلك الشائعات، وجعلها التفسيرات التي يتداولها سكان المناطق القريبة من آركايم.

«من هم الذين عاشوا في تلك القلعة الحصينة؟»

في العام 2015 عثر الأثريون على الشيء الذي منح آركايم شهرتها الحالية في روسيا، وفي الوسط العلمي كله، وهو هيكل عظمي بجمجمة ممدودة تشبه جماجم الكائن الفضائي، المتعارف عليها في أذهان البشر، وبعد نشر الصور بأيام قليلة، سرعان ما بدأ المؤمنون بوجود حياة خارج كوكب الأرض بشن حملات تؤكد أن الفضائيين زاروا الأرض من قبل، وشيدوا العديد من آثارها الخالدة.

هذا الأمر منح بعض مروجي الشائعات الوقت الكافي لنسج نظرياتهم حول زيارة الفضائيين للأرض، في فترات ازدهار الحضارات القديمة، ولكن سرعان ما تدخل العلم ليدلي بدلوه، عندما صرح الأثريون بأن هذا الهيكل العظمي يعود لامرأة عاشت من ألفي عام، وأرجعوا شكل جمجمتها الممدود لبعض العادات القبلية التي تسعى إلى تغيير شكل جمجمة الرأس منذ ولادة الإنسان، حينما تكون العظام لينة وسهلة التشكيل، مثل قبيلة سارماتي، التي عاشت في المناطق التي تعرف الآن باسم أوكرانيا، وكازاخستان، وجنوب روسيا.

وصرحت عالمة الآثار ماريا ماكاروفا بأن تلك القبيلة؛ اعتادت الأم فيها ربط رأس الطفل من القمة بالحبال القوية؛ حتى تأخذ الشكل الممدود، ولم يستطع علماء الآثار تفسير سبب هذا الطقس الغريب، ولكنهم أيضًا نفوا الشائعات التي حامت حوله، بأن البشر تزاوجوا مع الكائنات الفضائية، فكانت النتيجة بشرًا برؤوس ممدودة، مؤكدة أن جميع الأبحاث أثبتت، مما لا يدع مجالًا للشك، أن الهيكل العظمي الموجود في آركايم يعود حمضه النووي للبشر.

موضحة أن هذه ليست المرة الأولى التي يقابل فيها الأثريون جمجمة بهذا الشكل؛ فبعض الهياكل العظيمة للتماثيل لها رؤوس ممدودة أيضًا وتعود أعمارها لما يزيد عن 5 آلاف عامًا قبل الميلاد، وفي بقاع مختلفة في أنحاء العالم، عندما كان يتجول البشر بغرض الصيد ولم يعرفوا الاستقرار بعد، ولكن ما لم يستطع تفسيره علم الآثار هو سبب انتشار ثقافة القبائل التي تحث على تغيير شكل جمجمة الإنسان منذ الطفولة، وأصحاب نظرية «الأرض بناها الفضائيون» يفسرون هذا الأمر بأنه مجرد تشبه بالأجداد، ألا وهم الفضائيون.

قلعة آركايم ينظر إليها البعض على كونها منزلًا مؤقتًا قديمًا لبعض الفضائيين الذين زاروا الأرض، وعاشوا فيها مئات الأعوام، والحمض النووي البشري للهيكل العظمي لم ينه هذا الجدل بعد، وستظل تلك القلعة غامضة حتى يجيب علم الآثار عن أهم سؤال مطروح حولها: «من هم الذين عاشوا في تلك القلعة الحصينة؟»

«الجارديان»: كشف أثري «مذهل» قد يرفع الستار عن «سر التحنيط» عند الفراعنة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد